بعد إفلات الوزيرة من المحاكمة.. دلالات الحكم في قضية “فساد وزارة الصحة”

- ‎فيتقارير

الحكم الذي أصدرته محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار إسماعيل الرشيدي، الأربعاء 27 يوليو 2022م، في قضية  فساد وزارة الصحة المتهم فيها زوج الوزير هالة زايد وعدد من  موظفين كبار بمكتبها وديوان الوزارة  يحمل كثيرا من الرسائل والدلالات.

الرسالة أو الملاحظة الأولى، هي إصرار النظام على إفلات المقربين من دائرة الدكتاتور المنقلب عبدالفتاح السيسي من أي مساءلة أو محاكمة قانونية حتى لو كانوا ضالعين في عمليات فساد ضخم وجرائم قتل وتعذيب وغيرها؛ فقد قضت المحكمة على زوج الوزيرة محمد عبدالمجيد الأشهب بالسجن المشدد 10 سنوات مع تغريمه نصف مليون جنيه، بينما قضت على مدير إدارة العلاج الحر السابق بالوزارة، سنة مع الشغل، وذلك في اتهام الأول بطلب رشوة خمسة ملايين جنيه، لاستعمال نفوذه للحصول من الثاني على ترخيص لأحد المستشفيات الخاصة المخالفة لشروط الترخيص، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«رشوة وزارة الصحة»، بينما أفلتت الوزيرة وهي المتهم الرئيس في القضية من أي مساءلة أو حتى استدعاء للتحقيقات لأنها تعتبر من المحسوبين على الدائرة الضيقة المقربة من السيسي وسط شائعات حول زواج السيسي منها؛ لا سيما وأنها تقيم في قصر فخم بالقرب من أحد قصور السيسي الشاهقة منذ تفجر القضية في أكتوبر 2021م . حيث اختفت الوزير منذ الإعلان في 28 أكتوبر 2021 عن منحها إجازة مرضية ، وتكليف وزير التعليم العالي خالد عبد الغفار بمهامها، وهو الأمر المستمر حتى اليوم، وهو ما صاحبه تساؤلات من أطباء ومسؤولين بالوزارة عن مصير الوزيرة خصوصًا في ظل معاودة ظهورها وحضورها مناسبات غير رسمية بداية من الشهر الماضي، قائلين: «محدش عارف الإجازة المرضية مستمرة لغاية إمتى» وفقا لموقع «مدى مصر».

الملاحظة الثانية تتعلق ببراءة وسيطي الرشوة، وهما مالك مستشفى الفيومي، السيد عطية إبراهيم الفيومي، وضابط قوات مسلحة بالمعاش، حسام الدين عبد الله فودة، بسبب اعترافهما!!  فهل مجرد الاعتراف كفيل بالحكم بالبراءة؟ أم ن  أن الحكم راعى موازنات وحسابات سياسية  والتزم بتوجيهات عليا صادرة من جهات (سيادية)  من أجل التعتيم على الملف وتحميل المسئولية لعدد محدود من الأشخاص؟  يعزز من هذه الفرضية أن مدير مكتب الوزيرة الذي قبضت عليه هيئة الرقابة الإدارية حينها بعد مراقبة امتدت شهرا قبل تفجر القضية تم الإفراج عنه وعاد إلى ممارسة عمله بشكل طبيعي! وكانت صحيفة "الأسبوع" المملوكة للصحافي المحسوب على الأجهزة الأمنية مصطفى بكري قد نشرت وقتها تقريرا يفيد بمتابعة الرقابة الإدارية لقضية الرشوة الكبرى في الوزارة قبل شهر من القبض على مدير مكتب الوزيرة وعدد من الموظفين الكبار بديوان الوزارة. ثم حذفت التقرير لاحقا بعد أوامر عليا من الجهات الأمنية،  ثم نشرت الجريدة نفسها خبرًا يفيد بخروج مدير مكتب الوزيرة من الحبس وعودته لعمله للوزارة بشكل طبيعي.

الملاحظة الثالثة،  هي فرض أسلوب التعتيم على القضية؛ فلم تصدر الرقابة الإدارية أية بيانات حول الواقعة، فيما أعلنت النيابة العامة في 27 أكتوبر الماضي "2021"، توليها التحقيق مع مسؤولين بـ«الصحة» لم تحددهم في تهم لم تحددها، مطالبة الجميع بالالتزام بما تعلنه وحدها من معلومات تجاه الواقعة، وفي اليوم التالي، نشرت الجريدة الرسمية قرار رئيس الوزراء بحكومة الانقلاب بقبول الإجازة المرضية المُقدمة من زايد، وتكليف وزير التعليم العالي، خالد عبد الغفار قائمًا بمهامها، في الوقت الذي كشف مصدر قضائي في تصريحات سابقة وفقا لـ«مدى مصر» عن أن النيابة استمعت إلى أقوال الوزيرة ونجلها في القضية على سبيل الاستدلال، ولم توجه لهما اتهامات، فيما قال ضابط الرقابة الإدارية المسؤول عن التحقيق في القضية، أمام المحكمة وقت تداول القضية إن أحد ملاك مستشفى دار الصحة، قدم بلاغًا للهيئة عن عرض الأشهب عليه وعلى باقي الملاك إنهاء إجراءات استخراج تراخيص المستشفى مقابل خمسة ملايين جنيه، تَحصّل منها على 600 ألف جنيه.

الملاحظة الرابعة، هي التعتيم بشأن علاقة الأشهب بالوزيرة؛ فحسب الضابط في شهادته «فإن الأول كان يعرف نفسه بأنه زوج وزيرة الصحة، وأدرج ذلك في بيانات حساباته الشخصية على مواقع التواصل لتحقيق مصالح شخصية، فيما توصلت التحريات إلى أن الوزيرة حصلت على حكم خُلع منه، ولكن لم يتم التأكد من صحة الواقعة، بحسب شهادة الضابط، الذي أوضح أن المتهم لم يُغيّر حالته الاجتماعية في أوراقه الرسمية استغلالًا لاسم الوزيرة»!  وهل الحصول على حكم بالخلع يتم من خلال التحريات أم من خلال رقم الحكم وجهة إصداره؟ الإجابة على هذا لسؤال قد تثبت أن الزوج لا يزال حتى اليوم زوجا للوزيرة أو على الأقل  وقت تفجر القضية، وقد تكون الوزيرة حصلت على حكم بالخلع لاحقا من أجل  إبعاد نفسها عن القضية لإسباغ النظام مظلة حمايته لها رغم أن كل الأدلة تؤكد تورطها وتورط أسرتها في القضية. البرهان على ذلك هو  شهادة الضابط بأن الزوج طلب من نجله "ابن الوزيرة" التواصل مع مسؤولين بوزارة الصحة حتى لا يتواصل معهم مباشرة، وهو ما ترتب عليه تشكيل لجنة من إدارة العلاج الحر بإعادة المعاينة للمستشفى المذكور في التحقيقات، وانتهت المعاينة إلى عدم وجود ملاحظات تعوق صدور تراخيص للمستشفى وموافقة اللجنة، مؤكدًا أن مدير مكتب وزيرة الصحة ليس له علاقة بواقعة الرشوة، وهو ما انتهت على إثره المحكمة من قصر العقوبة على طليق الوزيرة ومدير إدارة التراخيص بالعلاج الحر، بعدما أعلنت النيابة سماع شهادة 13 شخصًا بالوزارة وخارجها.

خلاصة الأمر، أن القضية بها الكثير من التعتيم  المفروض من جانب الأجهزة الأمنية لحماية بعض اللصوص لاعتبارات تتعلق بنفوذهم الواسع أو لأنهم  مسنودين من قيادات عليا بالنظام أسبغت عليها مظلة حمايتها وضمنت لهم رغم تورطهم الإفلات من المحاكمة التي اقتصرت على الزوج (مخلوع الوزيرة) ومدير إدارة التراخيص بالعلاج الحر!!