الإمارات تطلب سرعة إخلاء الجزيرة

 

رغم تصدي أهالي جزيرة الوراق (قرابة 90 ألفا) لقوات أمن السيسي عام 2017 حين حاولت طردهم من الجزيرة بعد بيعها لمستثمرين إماراتيين ونشر مكتب استشارات الشكل الذي ستصبح عليه، عاودت الشرطة محاولة طرد أجزاء من السكان يوم 15 أغسطس 2022 وإطلاق الغاز عليهم ، إلا أن الأهالي طردوهم ولم يمكنوهم من رفع مقايسات منازل تمهيدا لهدمها ، وهتفوا ضد الشرطة ورجموها بالحجارة وطالبوها بمغادرة الجزيرة.

في محاولة جديدة لإرهاب الأهالي ألقت قوات الأمن القبض على 14 من أهالي جزيرة الوراق أثناء مقاومتهم قوات الشرطة قبل أن تُفرج عن سبعة منهم لاحقا وتبقي على السبعة الباقين، ثم تنسحب.

وقال مصدر من سكان الجزيرة إن "أحد قيادات الشرطة حاول إقناع الأهالي بإتمام عمليات القياس بدعوى أن تلك العملية تحفظ للأهالي حقوقهم في التعويض بعد هدم المنازل، مشددا في الوقت نفسه أن الهدم هو أمر حتمي في كل الأحوال".

قال لهم «إحنا جايين نصلح غلطة 16-7» في إشارة للاشتباكات بين الأهالي وقوات اﻷمن في يوليو 2017، والتي قُتل خلالها أحد السكان، فيما حُبس على ذمتها عدد من الأهالي، لا يزال 35 منهم يخضعون للمحاكمة لكنهم هتفوا ضده وطردوا الشرطة.

وبعد مصادمات ومقتل شخص وإصابة العشرات دفاعا عن منازلهم عام 2017، انسحبت قوات الجيش والأمن خوفا من اتساع رقعة احتجاجات الأهالي، وشن المغردون حملة ضد السلطات، وسعيها لبيع الجزيرة للإمارات، عبر هاشتاج (#الوراق_عشوة_الكلاب).

محاولات الحكومة هذه المرة لإخلاء السكان دخلت مراحل العناد وهدم مكاتب الخدمات في الجزيرة (بريد –مدارس-مستشفى- مركز شباب) وغلق إحدى المعديات وبالمقابل بناء عدد من الأبراج السكنية على طريقة الاتحاد السوفيتي لتكديس السكان بها بعد نزع ملكية تلك المنطقة.

قيل أن السبب هو مطالبة المستثمرين الإماراتيين بسرعة تسليمهم الأرض وطرد السكان لدفع باقي الثمن، وأنه مع تزايد إفلاس الخزانة المصرية والتعطش للعملة الأجنبية، دخلت الضغوط على أهالي جزيرة الوراق الواقعة داخل النيل لتهجيرهم، مرحلة متقدمة.

وقال أحد أهالي الجزيرة لموقع "مدي مصر" 28 فبراير/شباط 2022 إن "الحصار الأمني على الجزيرة شمل التضييق على دخول أي مواد إنشائية إليها".

مشيرا لقيام ثلاث نقاط أمن على الجزيرة بتفتيش أي سيارة تمر حتى أنهم يمنعون أحيانا إدخال جهاز بعض العرسان الجدد.

ويخوض أهالي الجزيرة منذ سنوات معارك مستمرة مع السلطة لمنع تهجيرهم بالقوة رغم سندات الملكية الحكومية التي معهم، لكن دون جدوى لأن هناك قرارا صدر ببيعها لمستثمرين خليجيين غير معلنين كما يقول أهالي الجزيرة.

وتحاول السلطات الأمنية إجلاءهم عبر حرمانهم تدريجيا من الخدمات الصحية والزراعية والتعليمية وغيرها واعتقال من يتزعمون الرفض وتلفيق القضايا وترويعهم لإجبارهم على ترك منازلهم وأراضيهم لبناء مولات وفنادق وسط النيل فوقها.

وسبق هذا محاولة اللواء كامل الوزير، رئيس الهيئة الهندسية للجيش ووزير النقل حاليا، تهديد الأهالي في أغسطس/أب 2017 خلال لقاء معهم، للتفاوض للخروج من الوراق، لكن أهالي الجزيرة رفعوا لافتات رفض بيع أراضيهم في وجهه.

https://www.youtube.com/watch?v=f5NHDIUQHKc

أبراج ويخوت!!

بالتزامن مع قطع الخدمات لإجبار السكان علي ترك الجزيرة، نشرت الهيئة العامة للاستعلامات التابعة لرئاسة الجمهورية على صفحتها على فيس بوك مخططا لمدينة تسمى "حورس" على أنقاض "جزيرة الوراق سابقا".

إعلان مخطط الجزيرة الجديد (حورس) هو تمهيد واضح لإنهاء وجود الأهالي في الجزيرة بأي طريقة ، بسبب ضغوط من مستثمرين إماراتيين لتسليم الجزيرة الموعودين بتسليمها وإخلاءها منذ عام 2017.

هذا المخطط سبق أن نشر عام 2017 وفيه يظهر تحويل الجزيرة إلى منطقة خدمات مالية، على غرار جزيرة "مانهاتن" في مدينة نيويورك الأميركية، بعد طرد وتهجير سكانها البالغ عدده قرابة 100 ألف نسمة، أظهر أن الهدف هو الهدم لا التطوير.

وجاء تأكيد الهيئة العامة للاستعلامات التابعة لرئاسة الجمهورية لهذا المخطط على صفحتها على «فيسبوك» 26 يوليو 2022، ليكشف نوايا السلطة وعلاقة ذلك بخططها لقطع الخدمات كأحدث وسيلة للتهجير.

حيث أوضحت هيئة الاستعلامات، أن المخطط هو إنشاء مدينة "حورس" (الوراق سابقا) بعد تهجير السكان، و8 مناطق استثمارية، وفنادق وأبراج سكنية إلى جانب مارينا لليخوت 1 و2.

وكان ملفتا أن ما نشرته هيئة الاستعلامات مطابق أيضا لخطة سابقة لم تنفذ باسم "حورس" في الوراق، كان يسعى وراءها نجل الرئيس الراحل حسني مبارك (جمال) لكن السيسي باعها لخليجيين وفق أهالي الجزيرة.

ومع هذا انتقد علاء مبارك نجل الرئيس الراحل حسني مبارك بيع السيسي أصول مصرية دون أن يذكر الوراق، معتبرا هذه الأصول ثروة قومية لا مثيل لها، داعيا لتطويرها بدل بيعها.

وتبلغ مساحة جزيرة الوراق 1400 فدان تعادل 5.8 مليون متر مربع، وهناك تقديرات بوصول سعر المتر لألفي دولار حاليا في ظل غلاء أسعار السكن وتميز أراضي الجزيرة ، ما يعني أنها ستضخ أكثر من 10 مليار دولار، في جيب السلطة.

والجزيرة هي واحدة من 255 جزيرة نيلية، أعطى السيسي رسميا الجيش سلطة السيطرة عليها ، وتم بالفعل طرد مصريين بالقوة من عدة جزر لإقامة مشاريع بيزنس للجيش أو بيعها للأجانب.

قصة "حورس"

بدأت قصة الاستيلاء على الجزيرة عام 1998، بقرار من مجلس الوزراء برقم 1969، ينص على "إنشاء محمية طبيعية بجزيرة الوراق" إلا أن سكان الجزيرة رفضوا تنفيذ القرار، وطالبوا بتعديله أو إلغائه.

وفي عهد حكومة عاطف عبيد (أكتوبر 1999 إلى يوليو 2004) صدر قرار آخر بتحويل جزيرة الوراق إلى منافع عامة، وهو ما قابله الأهالي برفع دعوى قضائية في مجلس الدولة، قضت بأحقيتهم عام 2002 في ملكية أراضي الجزيرة.

لاحقا، في 2010 تجددت الأزمة بين الحكومة وأهالي الوراق، حين أعلنت الحكومة عن تطوير الجزيرة، وأصدرت قرارا بتشكيل لجنة لدراسة الأوضاع البيئية للجزيرة، إلا أن الأهالي تمسكوا بالبقاء فيها كما هي دون تطوير خشية طردهم منها.

وفي ذلك الوقت طلبت الحكومة عن طريق لجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم (تم حله عقب ثورة 2011) شركة "أر إس بي" ومقرها دبي بعمل رسومات وماكيتات مقترحة للمشروع.

وقد انتهت الشركة من تصميم المشروع في 31 مارس 2013 في عهد الرئيس محمد مرسي عقب انهيار حكم مبارك وسجن نجله جمال، لكنه لم ينفذ.

وفي 7 يونيو 2017 أثيرت القضية من جديد في مؤتمر لرئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي بعنوان "إزالة التعديات على أملاك الدولة" فقال إنه "لن يسمح لأهالي أي جزر على النيل بالبقاء فيها (لازم يتشال) ودعا لإخراجهم منها".

وعقب تصريحات السيسي بـ 3 أيام، قالت "مصادر حكومية رفيعة المستوى" 10 يونيو 2017، إنه "كلف وزارة الإسكان وهيئة التخطيط العمراني بإعادة إحياء مخطط تطوير الجزر النيلية الذي تم إعداده عام 2010".

أوضحت أن التطوير عبارة عن إنشاء مراكز مال وأعمال في الجزيرة، لا إصلاح أوضاع السكان والخدمات، وبدأت صحف تشير لوجود تعاقد مع شركات أجنبية لتقديم تصميم تحويل الجزيرة الفقيرة إلى مانهاتن مصرية.

وقد نفت الحكومة المصرية 17 يوليو 2017، التعاقد مع أي من الشركتين RSP، وCUBE، بعد نشرها تصميم الوراق الجديدة (حورس) وفق المتحدث باسم وزارة الإسكان "هاني يونس" حينئذ.

ولأن قانون المحميات يمنع إقامة مشروعات على محمية طبيعية، ومنها جزر النيل والوراق خصوصا، أصدر رئيس الوزراء حينئذ شريف إسماعيل قرارا، باستبعاد 17 جزيرة من تطبيق قانون المحميات عليها، تمهيدا لبناء أبراج استثمارية.

لكن عودة الحديث عن التطوير وظهور نفس المخطط للشركة الإماراتية يوليو 2022 أكد نية السلطة قرب البدء بتنفيذه وطرد السكان.

أكثر ما أزعج السلطات المصرية عقب مواجهات 2017 أن هذه كانت أول مواجهة بين المواطنين وقوات الأمن منذ أن تم حظر احتجاجات الشوارع في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، بحسب الجارديان 21 يوليو/تموز 2017.

تخشى السلطة أن تُعتبر مصادمات 2017 بين الأهالي والشرطة بمثابة بروفة قد تتكرر في مناطق أخرى، خصوصا أن أهالي الوراق ليس لديهم ما يخسروه لو تم طردهم من الجزيرة بالقوة، حسبما قال سكان في الجزيرة للجارديان.

ويقول مراقبون إن "الوراق قد تكون هي أول اختبار لصبر المصريين في ظل عمليات الهدم والاستيلاء على أراضيهم ، والغلاء وتزايد الظلم، حال إجبارهم على الخروج بالقوة، لذا تجرب السلطة كل الطرق بنظام العصا والجزرة".

أشاروا لدروس عديدة يمكن استخلاصها من معركة "الوراق" التي جرت بين الشرطة والأهالي عام 2017 أخطرها تخوف السلطة من انفلات الأوضاع وتحول وسائل الاحتجاج لمعارك حقيقية بين الشعب وأجهزة السلطة الأمنية، وسط احتقان عام.

رجحوا أن تتحول الوراق إلى بروفة لثورة شعبية حال الاجلاء بالقوة، ومؤشر يبرز كل عوامل الكبت والانسداد السياسي والاقتصادي والإعلامي، لأن فض الوراق قد يصبح نسخة أسوأ من مجزرة فض رابعة والنهضة لوجود 100 ألف بها.

ونشر مركز سترافور الأميركي للدراسات الأمنية والاستخباراتية (الذي يوصف بأنه مقرب من المخابرات الأمريكية) تحليلا أول أغسطس 2022 أكد فيه أن النظام المصري يعيش على صفيح يزداد سخونة مع تراجع الاقتصاد وانهيار العملة المحلية.

 

 

Facebook Comments