كشف العديد من الممثلين الذين تتأرجح ولاءتهم بين الدولة العميقة وعصابة السفاح السيسي في الفترة الماضية عن تغيرات كبيرة في حياتهم، وتحديدا بسبب قلة الأعمال التي تعرض عليهم من شركات المخابرات، مما جعل البعض منهم يتخذ خطوات لتنفيذ مشروعات أو العمل في وظائف بعيدا عن الفن.

يقول تقرير لمجلة The Economist البريطانية، يتناول التغيرات الكبيرة التي طرأت على صناعة الترفيه في مصر تحت حكم العسكر إنه "لطالما كانت صناعة التلفزيون والسينما في مصر موضع غيرة من العالم العربي خلال القرن العشرين، كانت الأفلام من بين أكبر صادرات البلاد من الرباط إلى بغداد، تعلم العرب تقليد اللهجة المصرية المميزة خلال المسرحيات الموسيقية والكوميدية الشعبية".

ومنحت هذه التجارة لمصر نفوذا ثقافيا واستخدمها حكامها كأداة دعائية عندما انطلقت دور السينما في ثلاثينيات القرن الماضي، شغل الملك فؤاد شرائط إخبارية تروج لنفسه قبل العروض السينمائية، وحرص الطاغية عبدالناصر بدوره على التأكد من تصوير الأفلام للنظام الملكي الذي أطاحه باعتباره خبيثا وفاسدا.

 

أفقرهم الانقلاب

وبعد تسع سنوات من الانقلاب شهدت تطبيل قطاع التمثيل رغبة في العقود والأموال ورهبة من تحمل مشقة الوقوف في خانة المعارضة، أعلن الكثير من الممثلين فقدناهم لثرواتهم بعدما وضعهم العسكر على الرفوف، وعلى رأس هؤلاء الممثل خالد زكي استيائه من وضع أبناء جيله في الوسط الفني ، أكد أن أوضاعه المادية ليست جيدة واضطر لبيع سيارته والتزاماته الشهرية منعته من شراء سيارة جديدة منذ 2011.

الممثل كريم الحسيني، نشر عبر حسابه على "إنستجرام" فيديو ظهر فيه وهو يقوم بإعداد المشروبات الساخنة على إحدى الطرق بمصر في مفاجأة كبيرة، وسعى الممثل الذي شارك في أكثر من 80 عمل فني لتوضيح سبب ظهوره في هذا الفيديو ، حيث أكد أنه قد افتتح مشروعا للمشروبات الساخنة خلال هذه الفترة بسبب عدم مشاركته في أي عمل درامي جديد حيث علق "بعد عدم مشاركتي في الموسم الدرامي برمضان 2022 قررت أفتح هذا المشروع".

حسين الشريف، الممثل الذي اشتهر بتقديم دور ضابط الشرطة في العديد من الأعمال الفنية ابتعد لسنوات طويلة عن المشاركة في أي عمل فني حتى عاد للظهور على وسائل التواصل الاجتماعي، وكشف الشريف أنه ترك العاصمة المصرية القاهرة ويعيش في إحدى المحافظات الساحلية ، حيث افتتح سوبر ماركت، وذلك بعدما لم تعرض عليه أعمال فنية جديدة من أجل أن يشارك فيها، وأكد أنه مستعد للعودة للتمثيل بعد فترة توقف تجاوزت الـ10 سنوات.

الممثل توفيق عبد الحميد كشف في وقت سابق عن الأزمة الماية التي تعرض لها خلال إحدى الفترات في حياته عندما كان يعمل ممثلا في إحدى المسارح خلال التسعينات، وأكد توفيق عبدالحميد أنه قرر تحويل سيارته لتاكسي من أجل أن يعمل عليها ليلا وتوفير النفقات، وأشار أنه تراجع عن هذه الفكرة بسبب حدوث انفراجة كبيرة ومشاركته في أكثر من عمل تابع لشركات المخابرات لذلك تراجع عن الخطوة.

 

مصر تعاني

الممثل شريف خير الله كان من بين النجوم الذين أعلنوا كذلك عن تعرضهم لأزمة بسبب عدم مشاركته في أعمال فنية جديدة، حيث أوضح في رسالة نشرها عبر حسابه على "فيس بوك" العام الماضي نيته للعمل كسائق تاكسي وذلك لقلة الأعمال التي تعرض عليه فكتب "الحمدلله بعد توقف عن العمل ثلاث سنين جالي شغل جديد أفهم فيه سواق تاكسي، أحسن من العيش بالسلف والدين، لما أموت زغرطوا عليه وافرحوا".

الممثل أحمد الشامي وأحد أعضاء فريق واما الغنائي كشف كذلك عن تجربته في العمل بالولايات المتحدة الأمريكية وحصوله على أجر إسبوعي يقدر بـ600 دولار أمريكي كعامل في خدمة التوصيل، وذلك في فترة شبابه.

"هوس" السفاح السيسي بالسيطرة على الترفيه وصل إلى حد شديد، حتى بالمعايير المصرية كما تقول الإيكونومست، فبعد عامين من قيامه وضباط عسكريين آخرين بإطاحة أول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر عام 2013، حذر السفاح السيسي نجوم التلفزيون من أنهم "سيُحاسبون" إذا لم يعكس عملهم نظرة إيجابية للعسكر.

وقام السفاح السيسي الآن بتأميم وسائل الإعلام كلها باستثناء أسمائها فقط، وفتح الباب لرجاله للتحكم في البرامج التي تُبث على هذه الوسائل.

وفي عام 2016، بدأت شركة مملوكة للمخابرات بشراء أكبر القنوات التلفزيونية الخاصة في مصر، ومنذ عام 2018 أنتجت إحدى الشركات التابعة لها، وهي شركة Synergy، معظم العروض الكبيرة التي تُبث خلال شهر رمضان، ما يصفه أحد المخرجين بأنه "احتكار".

ولطالما كانت لمصر رقابة على التلفزيون ومع ذلك، في عهد حسني مبارك، من 1981 إلى 2011، سمحوا للأفلام بتصوير وحشية الشرطة والفساد وحتى الشذوذ الجنسي، يقول المنتجون إن "الأفلام من تلك الحقبة تُحظر اليوم وقد لا يُعرض الفقر المُدقع؛ خشية أن يعتقد أحد أن مصر تعاني تحت مظلة الانقلاب، ويجب تصوير عصابة الانقلاب على أنهم أخيار، وتعتقد عصابة الانقلاب أن الأفلام القديمة التي تُظهر رجال شرطة قذرين غذت الاحتجاجات ضد الشرطة خلال الربيع العربي لعام 2011".

ويبدو أن أتباع السفاح السيسي لم يخطر ببالهم أن الاحتجاجات قد تكون مستوحاة من التصدي لرجال شرطة قذرين في الحياة الواقعية، يقول عز الدين فشير، الدبلوماسي السابق في عهد المخلوع مبارك "النظام يرى ما حدث قبل عشر سنوات فشلا ثقافيا".

Facebook Comments