حادثة انتحار رجال الأعمال عدلي أيوب في شقته الفخمة بأحد الكمباوندات الشهيرة بالقاهرة الجديدة في 06 سبتتمبر 2022، بسبب كثرة ديونه التي تراكمت عليه منذ تفشي جائحة كورونا تحمل كثيرا من العبر والدلالات المهمة التي يتعين الوقوف أمامها وتفكيك المضامين التي تحتويها لاستخلاص هذه العبر والدراسات.
البداية كانت عندما تلقت الأجهزة الأمنية بـ مديرية أمن القاهرة، بلاغا من زوجتة يفيد بالعثور على جثة زوجها عدلى أيوب مصاب بطلق ناري، ملقاة بحديقة الفيلا الخاصة بهم في كومبوند شهير بـ القاهرة الجديدة. وذالك بعد سماعها صوت إطلاق النار لتخرج مسرعة لتجد زوجها جثة هامدة وبجواره وصيته لأسرته. وعلى الفور تمت المعاينة وعثر رجال المباحث على سلاح مرخص بجوار الجثة، وتبين أنه مصاب بطلقة في منطقة القلب أودت بحياته، بتكثيف البحث توصلت الأجهزة الأمنية إلى أن الضحية تخلص من حياته بسبب مروره بأزمة مادية لكثرة الديون المتراكمة عليه وعدم قدرته على السداد مما دفعه للتخلص من حياته.
الدلالة الأولى هي تزايد معدلات الفقر والبطالة وأن ذلك هو السبب الأول في زيادة معدلات الانتحار؛ فرجل الأعمال عدلى أيوب يمتلك شركة طيران خاصة، ولديه أيضا شركة مقاولات وكان يعيش حياة مرفهة؛ لكن تفشي جائحة كورونا عرضته لخسائر يومية باهظة تصل إلى نحو مليوني جنيه يوميا؛ لذلك تراكمت عليه الديون، ولم يستطع أن يواجه الدائنين في ظل عجزه عن سداد هذه الديون المتراكمة فقرر التخلص من حياته. وبينما تقدر الأرقام الرسمية معدلات الفقر في مصر بنحو 30% فقط؛ فإن تقديرات البنك الدولي كانت تصل بمعدلات الفقر في مصر قبل سنة 2020 وتفشي جائحة كورونا بنحو 60%، لكن هذه المعدلات تزايدت بشدة بعد تفشي جائحة كورونا ثم تداعيات العدوان الروسي على أوكرانيا، وتواصل معدلات الغلاء والتضخم على جميع السلع الأساسية والخدمات العامة. معنى ذلك أن معدلات الفقر في مصر قد تزيد عن 80% وهي معدلات مخيفة ومرعبة على نحو لا يصدق.
الدلالة الثانية، وهي الأكثر خطورة على الإطلاق أن الفقر والبطالة وضيق العيش يقتل أي معنى للانتماء للوطن؛ فرجل الأعمال القبطي المنتحر ترك وصيته لأسرته مكتوبة باللغة الإنجليزية ومضمونها أنه يوصي بحرق جثته ودفتها ليس بمصر بل بإيطاليا. كما أوصى زوجته وأولاده الأربعة بالهجرة من مصر والعيش في إيطاليا. واعترفت زوجته في التحقيقات أنه كره العيش في مصر بعدما ضاقت به الحياه وتراكمت عليه الديون.
الدلالة الثالثة، إذا كان الفقر وضيق العيش يمكن أن يقتل الانتماء للوطن إلى هذا الحد، وهو ما نراه كل يوم من خلال موجات الهجرة غير الشرعية وأفواج الشباب الفارين من البلد للبحث عن لقمة عيش في الغربة بعدما أوصدت مصر أبوابها في وجه أبنائها وتكرست فيها الطبقة على نحو مرعب؛ فبات قلة من الناس ينعمون بكل ثروات الوطن بينما يعاني الغالبية الساحقة من الناس من الفقر والجوع والحرمان. فما بالنا بمن يتعرضون للظلم والإذلال منذ عشرات السنين، ورغم ذلك لا يزالون يعشقون تراب هذا الوطن لأنهم يفرقون بين الوطن وله كل الحب والولاء والانتماء وبين السلطة ولها كل السخط واللعنة والعار. هناك عشرات الآلاف من علماء مصر وأبنائها النابغين في سجون النظام العسكري والذين تعرضوا لكل صنوف الظلم والذل والهوان دون تهمة أو جريمة؛ قتل الآلاف منهم ونهبت أموالهم وشركاتهم ولوحقوا هم وأسرهم في حياتهم وأرزاقهم وحريتهم ورغم ذلك لا يتهمون الوطن بل السلطة؛ لأن الوطن هو الأرض التي عاشوا فيها والسماء التي تظللهم والماء الذي يشربون والناس الذين عاشوا وسطهم بمحبة وإيمان؛ وهؤلاء لم يجرموا ولم يفعلوا شيئا بل السلطة العسكرية الغاشمة التي نشرت الظلم وكرست البطش ونشرت في الأرض الفساد. فليحيا الوطن ولتهلك هذه السلطة الظالمة.
الدلالة الرابعة، هي تزايد معدلات الانتحار في المجتمع المصري إلى مستويات باتت مخيفة ومرعبة للدرجة التي جعلت نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي وأجهزته الأمنية يحجمون عن نشر الأرقام والإحصاءات الرسمية الخاصة بمعدلات الانتحار في مصر. فالأرقام المعلنة من السلطات تدعي أن معدلات الانتحار في مصر متواضعة للغاية مقارنة بالأرقام العالمية؛ فمعدلات الانتحار في مصر حاليا وفقا للدكتورة سالي عاشور، مدرس العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، فإن آخر دراسة أجراها المركز وحاولت حصر أعداد المنتحرين في مصر كانت لعام 2018، وأجريت بعد مراجعة تقارير جميع الجهات الحكومية، مثل تقارير الأمن العام، ومركز التعبئة والإحصاء، ومعهد السموم، بجانب تقارير النيابة العامة. وحسب الدراسة ارتفعت نسبة الانتحار من 1.3 لكل 100 ألف شخص في عام 2018، إلى 2.1 لكل 100 ألف شخص في 2020، أي أن النسبة زادت من انتحار شخص لكل 100 ألف في عام 2018، إلى انتحار شخصين لكل 100 ألف في عام 2020.
لكنها تقر أن الأرقام المعلنة أقل كثيرا من الأخبار المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي حول حالات الانتحار التي باتت تنشر يوميا في كل محافظات مصر. وحذرت من أن «الانتحار في العلوم الاجتماعية يعتبر مُعديا، فكلما نشرنا عن الانتحار، زاد التقليد لمن لديه ميول انتحارية، كما أن المجتمع يصبح عنيفا بشكل عام يوما بعد يوم، فوسائل التواصل الاجتماعي لها طابع انتشاري، ففيديو عنيف مثل "ذبح نيرة" عندما ينتشر بين الناس سيسبب هزة في المجتمع، وهو فيديو حقيقي وليس دراميا، وكل ذلك يثير من لديه مشكلة نفسية واستعداد للعنف وإيذاء النفس لأن يقوم بنفس الفعل ويؤذي نفسه أو غيره». ولهذه الأسباب تضع الحكومة قيودا صارمة على نشر أرقام ومعدلات الانتحار والجريمة في مصر؛ لأن الأرقام الحقيقية مرعبة إلى حد كبير.