السيسي يتعجل بيع أصول الدولة.. دلالات تأسيس صندوق لإدارة الخصخصة

- ‎فيتقارير

الفشل المتواصل في إدارة موارد الدولة اقتصاديا وماليا، وتبني نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي سياسات وتوجهات صندوق النقد الدولي والتركيز على المشروعات المعمارية العملاقة بدلا من مشروعات الإنتاج الصناعي والزراعي، أدت هذه السياسات إلى سقوط مصر في أزمة عاتية بسقوط عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر حتى وصل إلى  نحو 60% قبل تفشي جائحة كورونا بحسب تقديرات البنك الدولي، بخلاف إهدار سيولة الدولة الدولارية على مشروعات بلا جدوى اقتصادية كالعاصمة الإدارية والمدن الجديدة وتفريعة قناة السويس، بخلاف صفقات السلاح المليارية الضخمة من أجل تسويق النظام عالميا.

وأمام هروب الأموال الساخنة  في أعقاب تفشي جائحة كورونا ثم الغزو الروسي لأوكرانيا انكشف الموقف المصري ماليا؛ وبات نظام السيسي مكشوفا بعدما توسع في الاقتراض بصورة مرعبة خلال السنوات التي انقلاب يوليو 2013م رغم المساعدات الخليجية الضخمة التي حصل عليها مكافأة على انقلابه المشئوم.

اليوم يقف النظام السيسي عاجزا بعدما بلغ بند خدمة الديون فقط في الموازنة العامة للدولة  (2022/2023) نحو 1.65 تريليون جنيه، وهو ما يزيد عن جميع إيرادات الدولة المتوقعة في الموازنة (1.5تريليون جنيه) بنحو  150 مليار جنيه!  فماذا يفعل السيسي للخروج من هذه الورطة؟

أولا،  التسول من الخليج وهو ما حدث فعليا منذ الشهور الأولى لسنة 2022م فقد حصل السيسي على ودائع ومساعدات واستثمارات خليجية تصل إلى نحو 22 مليار دولار.

ثانيا، الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وهو ما يجري حاليا، حيث يبحث النظام مع الصندوق قرضا رابعا  لم تتحد قيمته بعد وإن كانت التسريبات تتحدث  عن   3 مليارات دولار  وبعضها يصل بقيمته إلى نحو 15 مليار دولار.

ثالثا، الشروع في بيع أصول الدولة؛  وهو الإجراء الذي بدأ فيه النظام فعليا ويتجه نحو بيع  أصول بنحو 10 مليارات دولار سنويا لمدة أربع سنوات كما  أعلن السيسي نفسه في إفطار الأسرة المصرية في 25 إبريل 2022م.

وفي سبيل ذلك أسس الصندوق السيادي المصري صندوقًا فرعيًا يختص بإعادة هيكلة الأصول المملوكة للدولة وطرحها على القطاع الخاص، تبعا لقرار تأسيس الصندوق الذي نشر في الجريدة الرسمية يوم الخميس الماضي (08 سبتمبر 2022)، والصادر عن وزيرة التخطيط هالة السعيد، والتي تشغل بحكم وظيفتها منصب رئيس مجلس إدارة الصندوق السيادي. والهدف من وراء إنشاء هذا الصندوق ـ بحسب سارة سعادة، محللة الاقتصاد الكلي في سي أي كابيتال ــ  على الأرجح هو «بدء عمليات إعادة هيكلة شركات الدولة في هذا التوقيت لاستغلال الوقت الحالي الذي تتعطل فيه عمليات طرح الشركات الحكومية في البورصة بسبب عدم ملائمته لأسباب تتعلق بظروف سوق المال نفسه.. أي أن تأسيس الصندوق ليس بالضرورة تعبيرًا عن تسارع عمليات الطرح نفسها».

وتبعا للقرار الصادر بتأسيس صندوق «صندوق مصر القرعى لإدارة وإعادة هيكلة الأصول ذو الإصدارات المتعددة»،  فيكون رأس مال الصندوق المرخص  عشرة مليارات جنيه.  وينقل موقع "مدى مصر" عن مسؤول بارز في الصندوق السيادي أن «المقصود برأس مال الصندوق [ الفرعي الجديد] المرخص هنا ليس سيولة فعلية لأن الصندوق السيادي عمومًا ليس غنيًا بالسيولة بعكس الصناديق السيادية للكثير من الدول الغنية التي تمتلك فوائض من الثروات التي تقوم باستثمارها، أما الصندوق السيادي المصري وبالتالي صناديقه الفرعية بما فيها الصندوق الجديد فتقوم ثروته على قيمة الأصول المملوكة للدولة التي تؤول إليه»، مضيفًا: «بعبارة أخرى فرأس مال الصندوق المرخص هذا ما هو إلا قيمة عينية تمثل تقييم الشركات التي ستؤول إليه».

من جانب آخر فإن «الصندوق الفرعي الجديد ليس متخصصًا في قطاع معين، بل يمكنه ضم شركات من مختلف القطاعات بعكس صناديق فرعية أخرى أسست في السابق»، لأن «الصندوق الجديد يقوم عمله على رفع قيمة الشركات على نحو يضمن طروحات أعلى قيمة حين يبدأ طرح تلك الشركات أو أنصبة منها في البورصة، وهو ما يسمى بإعادة الهيكلة، وتقوم على حوكمة شاملة للشركة في الأساس عبر الإدارة وهو أمر نراه منتشرًا في مصر عمومًا».

وكان الصندوق السيادي قد أسس في السابق صناديق فرعية متخصصة في قطاعات بعينها من ضمنها على سبيل المثال الصندوق السيادي للسياحة. والمقصود بالإصدارات المتعددة إمكانية أن يقوم الصندوق بطرح عام لشركة حكومية في البورصة لأول مرة أو طرح خاص يعرض على قطاع من المستثمرين أو المؤسسات.

ويمثل إصراره النظام العسكري على سياسات الخصخصة والتوسع في بيع الشركات الرابحة بجرأة مخيفة، خطرا على الأمن القومي المصري، ويمكن اعتبارها تمثل عودة لــ«الامتيازارت الأجنبية» التي سبقت الاحتلال البريطاني لمصر في عهد الخديوي إسماعيل.

من جهة ثانية، فإن الموجة الجديدة للخصخصة تختلف كليا عن المحطات السابقة؛ ذلك أن النظام العسكري قديما كان يبرر الخصخصة التي بدأت مع صدور القانون رقم 203 لسنة 1991، بالتخلص من الشركات الخاسرة في وزارة قطاع الأعمال العام؛ أما اليوم فإن الخصخصة باتت هدفا بحد ذاتها وطالت قطاعات حساسة للغاية، والهدف منها هو بيع الشركات الناجحة والتي تتحقق أرباحا كبرى للدولة لتكون مليكتها لشركات أجنبية أو حيتان القطاع الخاص. لكن الأكثر خطورة أن السيسي يتجه لبيع شركات حيوية في ملفات بالغة الحساسية للأمن القومي مثل قطاعات الكهرباء والمياه والنقل البري والبحري كالسكك الحديدية والمترو والموانئ وهي قطاعات تمثل رمزا على سيادة الدولة واستقلالها. فالمستفيد الأول من هذه الخصخصة هي الشركات الأجنبية وصناديق الاستثمار الخليجية،  وحيتان السيسي من رجال الأعمال؛ كما يتجه السيسي إلى طرح شركات في قطاعات غير تقليدية تتجاوز بكل تأكيد الشركات التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام وهو المجال التقليدي للخصخصة في مراحلها السابقة [منذ بداية التسعينيات]، بما في ذلك، شركات الكهرباء التي كان تحولها في مطلع الألفية الجديدة إلى صورة شركة قابضة للكهرباء يعد تمهيدًا للوصول لمرحلة طرحها أمام القطاع الخاص، إلا أن تلك الخطوة ظلت مستبعدة لفترة طويلة بسبب صعوبة إقناع القطاع الخاص بالاستحواذ أو الشراكة في مشروعات تتضمن دعمًا للمستهلكين [دعم الكهرباء]، في حين أن التخلص من دعم الكهرباء لاحقًا يسمح الآن بتلك الخطوة».