تفاقم الغضب الشعبي بعد إعلان وزارة الصحة بحكومة الانقلاب قبل أيام عن طرح 5 مستشفيات عامة كبيرة ومميزة للبيع للقطاع الخاص ومستثمرين أجانب.
وأثار الطرح الجديد للبيع تساؤلات حول قدرة النظام العسكر على انتهاك أبسط حقوق المصريين الدستورية والتلاعب بها وهي الصحة والعلاج، بل والاستثمار فيها، ما يهدد بقتل ملايين الفقراء، المتعثرين أساسا أمام متطلبات المستشفيات الحكومية في علاجهم، فما بالك بمن سيمرض ولا يجد ثمن الكشف عليه ، ناهيك عن الحصول على الأدوية والإجراءات الطبية الأخرى، التي ستصبح بأسعار السوق.
تلك الحالة من العبث التي يعاقرها نظام السيسي الانقلابي بمقدرات الشعب المصري، لا يمكن فهمها إلا من خلال مطالعة الدراسة العلمية التي أعدها الطبيب والقيادي النقابي عباس قباري، بعنوان ” وزارة الصحة المصرية وتسليع الخدمات الطبية” والمنشورة بالمعهد المصري للديمقراطية”.
والتي كشفت العديد من الكوارث التي ينتهجها نظام السيسي للاستثمار وتحقيق مكاسب من أوجاع المصريين وأمراضهم، وهو نهج غير مسبوق في التاريخ البشري والإنساني.
الدراسة كشفت أنه عقب 2013 أصبح الجهاز الإداري للدولة وفي القلب منه الوزارات والأجهزة الخدمية على المحك، حيث اختلفت نظرة نظام الحكم الجديد لدور الدولة الخدمي، وأصبحت قاعدة (هتدفع يعني هتدفع) التي أعلن عنها قائد الانقلاب هي الحاكمة.
ومنذ استيلاء السيسي على الحكم، عملت ماكينة التشريع سلسلة من القوانين والقرارات التي سلبت ولاية وزارة الصحة على مهامها الرئيسية، بصدور قوانين التأمين الصحي الشامل، والشراء الموحد، والتدريب الإلزامي وغيرها، والتي تهدف جميعها للربح وتعمل بالاستثمار ، مستفيدة بصلاحيات الدولة في احتكار تقديم الخدمة والحصول على مميزات الإعفاء.
وفي ظل تعدد الجهات ذات الولاية في المجال الصحي العام، تحولت بالفعل الوزارة الخدمية لجهاز استثماري يسعى لجني الربح ، وهو ما كشفته الهيئة العامة للاستعلامات في بيانها عن إقرار قانون التأمين الصحي الجديد، مؤكدة أن دور وزارة الصحة بات (يتوقف عند خدمات الإسعاف والطب الوقائي بعد تنفيذ قانون التأمين الصحي الجديد) .
فبعد أن كانت الوزارة مهيمنة على الشأن الصحي برمته طبا ودواء وتدريبا ، لم يبق لها من الوظيفة التاريخية إلا تقديم الخدمات الهامشية المساعدة، إما تلك التي تحولت نحو الاستثمار وورثتها هيئات أخرى، أو تلك المهام غير المحققة للربح بطبيعتها كخدمات مكاتب الصحة من قيد المواليد والوفيات.
ومع رؤية السيسي المتوحشة ، تحولت وزارة الصحة لكيان تجاري يؤدي خدمات استثمارية.
الجينوم المصري
وفي إطار اتجاه السيسي لتسليع خدمات الصحة، تركز دور الوزارة في تحقيق المكاسب المالية، عبر مشاريعها وفي مقدمتها تسليع خدمات الإحصاء الطبي، ولخداع الشعب المصري وعبر تطبيل الأذرع الإعلامية لمبادرة “100 مليون صحة” والتي تقوم فكرتها على الوصول لإحصاءات دقيقة عن صحة المصريين وأمراضهم للوصول للشفرة الوراثية، ومن ثم الإتجار بها لصالح شركات الأدوية والمعاهد العالمية ، كالبحرية الأمريكية التي تهتم بالشفرة الجينية للمصريين، وهي مشاريع في ظاهرها تجارية للوصول للأدوية المناسبة وبيعها للمصريين، إلا أن لها أهدافا أخرى، قد تستغلها المشاريع الغربية والصهيونية الطامعة في مصر وفي المنطقة، للتأثير على صحة وأهواء ومزاج المصريين، عبر هندسة وراثية للمحاصيل والتقاوي التي تصدر لمصر ، لخلق نتواءات وضعف جيني في أجساد المصريين ، لتسهيل السيطرة عليهم وتوجيه سلوكياتهم وجهات يريدونها، خدمة لأهدافهم ومشاريعهم، التي غالبا لا تكون لصالح المصريين، وذلك إذ كانت مصر تعتمد على أكثر من 60% من طعامها وحاجياتها على الاستيراد من الخارج، وأكثر من 80% من دوائها من الاستيراد أيضا، وهي مفاتيح سهلة ويسيرة للتحكم في المصريين..
والإحصاء وفق هذه الصورة تمتلكه الدولة حصرا، وتسعي الدول الرشيدة على إبقائه – في صورته الكاملة – سريا إلى حد بعيد، حيث يتضمن مواطن ضعف وقوة كتلتها البشرية.
لذا، فهو يعد كنزا استثماريا تسعى وراءه المؤسسات المنتجة للأدوية واللقاحات ، وفي جانبه الأخطر مطمعا، تسعى خلفه أنظمة الدول، أو شركات تطوير الأسلحة البيولوجية!!
إذن، فالإحصاء الصحي العام يجب أن تمتلكه الدولة حصرا لأهميته وخطورته، والجهة المعنية به وظيفيا هي وزارة الصحة، تقوم به في الأساس لتتمكن من وضع استراتيجياتها الصحية العلاجية والوقائية وفق نتائجه.
لكن الحاصل حاليا، وفي ظل بيئة عدم الشفافية الحكومية، فإن الإحصاءات التي تجريها وزارة الصحة، تقوم الشواهد على شبهات استغلالها استثماريا وتجاريا من قبل الهيئات والشركات التي استحدثها النظام الانقلابي في مصر والتي بدأت في عقد شراكات مع جهات دولية أجنبية في مجال عملها، ترتيبا على ما حصلت عليه أو تطلبه رسميا من إحصاءات، بما يهدد حياة عموم الناس لمخالفته أساليب السرية اللازمة في الإحصاء، وإفشاء نتائجها بشكل قد يضر بهم صحيا واجتماعيا وأدبيا، كما يجعلهم محلا لتجارب الشركات العالمية ومجالا مباحا لاستثماراتهم وتجارتهم.
ومن أبرز المشروعات التي تعتمد على الإحصاء الطبي، وأخطرها على الإطلاق، مشروع الجينوم المصري والذي يعمل على اكتشاف الخريطة الجينية للمصريين، وفك الشفرة الوراثية المصرية، توطئة للكشف عن تاريخ وطبيعة الأمراض الخاصة بالمصريين، ورصد الفروق الوراثية التي تميزهم عن الشعوب الأخرى، وغير ذلك من الأمور الخطيرة.
ولعل الأخطر في هذا المجال، اعتراضات قائد الانقلاب التي أرسلها لمجلس النواب على مشروع قانون التجارب السريرية ، وما تضمنته من رفض الحظر الذي وضعه مشروع القانون على إرسال عينات بشرية إلي الخارج ، حيث نص خطاب الاعتراض على (الاعتبار الذي راعاه مشروع القانون بشأن حظر إرسال عينات بشرية إلي الخارج ورتب على ذلك عقوبات شديدة السجن+ الغرامة، هو بغرض ألا يتم معرفة الجينات المصرية والعبث بها، وبينت أن هذا الحظر لا يدعمه الواقع إذ أن الجينات المصرية قد تم دراستها بواسطة مؤسسة النامرو التابعة للبحرية الأمريكية، كما يوجد أكثر من 10 مليون مصري بالخارج يمكن بسهولة الحصول على تركيبهم الجيني)!
وفي هذا دلالة واضحة على استهانة النظام بالضوابط والقيم الحاكمة للمشروع، بل يحمل دلالة تبييت النية للتعاون الخارجي المفتوح الذي يتعارض مع طبيعة المشروع السرية.
في سياق متصل، أشارت أخبار وتقارير، عن سعي إسرائيلي لتركيب قنبلة جينية، اعتمادا على دراسات خاصة بجينات جيرانها، وفي القلب منهم مصر، في الوقت ذاته تسعى إسرائيل أيضا لإثبات أحقيتها في الأرض باعتبارها شعب يشترك في السمات الوراثية مع شعوب المنطقة يحق له المطالبة بالحقوق من هذه الزاوية ..
الأخطر في الأمر أيضا، هو تدشين مشروع الجينوم البشري دون تغطية قانونية تضمن حقوق الناس في الحفاظ على حياتهم، وكرامتهم، وضوابط استخدام بياناتهم الطبية، ومعلوماتهم الوراثية، خلافا لاشتراطات الإعلان العالمي للمجين (الجينوم) البشري وحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1997 والذي نص في المادة 5 على ضرورة الرضا القانوني الحر والمسبق للشخص المعني وأنه لا يجوز إجراء أي بحوث عليه إلا بعد تحقق القبول القانوني الصريح، كما نص في مادة 14 على ضرورة قيام الدول باتخاذ التدابير أبرزها التدابير القانونية اللازمة لتلك البحوث..
وتم إطلاق المشروع عبر إعلان وزير التعليم العالي والبحث العلمي في 6 أكتوبر 2020 عن البدء في تنفيذ مشروع الجينوم المصري، و فحص 100 ألف مصري ضمن المشروع ..
وفي 2 فبراير 2020 اجتمع مجلس الجينوم المصري اجتماعه الأول، معلنا عن ميزانية 2 مليار جنيه تكلفة مشروع الجينوم المصري في خمس سنوات، وأتاحت وزارة الصحة بيانات المواطنين الإحصائية دون موافقتهم أو في الحد الأدنى دون وجود إطار قانوني يقرر ضمانات العلم الخاص، والرضا الحر، وذلك ما دعمته وزيرة الصحة السابقة هالة زايد، معلنة تعاون الوزارة في مشروع الجينوم المصري.
مبادرة 100 مليون صحة
والمبادرة إحصائية بامتياز، فهي ترتكز على الفحص الشامل للمواطنين، عن طريق أخذ عينات من الدم وقياس نسب الهيموجلوبين، وتحليل السكر وقياس ضغط الدم، كما تشتمل على قياس الطول والوزن ومؤشر كتلة الجسم وقياس السمنة ، وتعمل المبادرة إحصائيا، على شرائح عمرية (طلاب المدارس- كبار السن) أو شرائح نوعيه (النساء)أو شرائح مرضية (فيروس سي، الاعتلال الكلوي، الأمراض المزمنة، …).
كما أن العدد الذي وصلت له الفحوصات، معبر عن الرغبة في الحصول على نتيجة إحصائية سريعة وناجزة، إذ أن النظم الصحية للدول تعتمد على ديمومة الخدمة الصحية، وتكرارها، وليس تقديمها بمنطق المبادرات التي تقدم لمرة واحدة!
فقد أعلنت (ريهام غلاب) المدير التنفيذي للحملة بتاريخ 29 أبريل 2019 عن الكشف على ما يزيد عن 52 مليون مواطن ومد الحملة لنهاية العام ، كما قامت وزيرة الصحة باستعراض المؤشرات الإحصائية الرقمية للحملة في اجتماع مجلس الوزراء بتاريخ 1 يناير 2020 ، والملاحظة الأغرب، هي إجراء كل هذه الفحوصات متشعبة الموضوعات والمجالات في حين كانت الحملة بالأساس لمكافحة .فيروس الكبد الوبائي C!!