حذر خبراء اقتصاد ومصرفيون من لجوء حكومة الانقلاب إلى ما يعرف بالتعويم الحر للجنيه المصري ،خضوعا لإملاءات صندوق النقد الدولي ، مؤكدين أن اعتماد هذا التعويم سوف يؤدي إلى كوارث اقتصادية واجتماعية .
وقال الخبراء إن "التوقعات تشير إلى أن قيمة الجنيه سوف تتراجع أمام الدولار إلى نحو 24 جنيها ، موضحين أن هذا سوف يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بصورة غير مسبوقة ، ما يجعل 90% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر وغير قادرين على الحصول على احتياجاتهم اليومية الضرورية .
وطالبوا بضرورة العمل على زيادة الإنتاج ودعم الشركات المتعثرة والمصانع المغلقة للعودة إلى العمل وزيادة الصادرات مقابل تخفيض الواردات ، مؤكدين أن مثل هذه الأمور سوف تحسن من قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية.
يشار الى أن لجنة السياسة النقدية، المعنية بصنع القرار في البنك المركزي سوف تجتمع بعد غد 22 سبتمبر الجاري لتقرير مستقبل سعر الصرف للأشهر المقبلة ويتوقع الخبراء أن تصدر اللجنة قرارات برفع سعر الفائدة وخفض قيمة الجنيه أمام الدولار .
البنك المركزي
من جانبه انتقد موقع المونيتور الأمريكي، تدخل البنك المركزي ما أسماه لدعم الجنيه، خاصة مع التداعيات السلبية للحرب في أوكرانيا، وهو تطور دولي كان له آثار بعيدة المدى على الاقتصاد المصري وحياة المصريين وزاد الضغوط على العملة المحلية ،مؤكدا أن هذه السياسة كان لها جوانبها السلبية، فسعر الصرف الخاضع لضوابط المركزي يعكس قيمة غير حقيقية للعملة الوطنية وهذا يفتح الباب أمام وجود سعري صرف لنفس العملة أحدهما داخل البنوك والآخر خارجها.
وقال الموقع في تقرير له إن "الحرب في أوكرانيا أدت إلى تعطيل سلاسل التوريد وارتفاع أسعار السلع في السوق الدولية بشكل كبير، مما أجبر نظام الانقلاب على دفع المزيد من الأموال مقابل استيراد نفس الكميات من البضائع" .
وأشار إلى أن الحرب أعاقت ملايين السياح الذين اعتادوا القدوم إلى مصر من كل من روسيا وأوكرانيا ، وكان التدهور الذي حدث في قطاع السياحة نتيجة الحرب له آثار عميقة على الاقتصاد المصري ، حيث تضاعفت خسائر قطاع السياحة بسبب هروب مليارات الدولارات من رؤوس الأموال الأجنبية من البلاد .
وكشف التقرير أن البنك المركزي يدرس اتخاذ إجراءات لإقناع المستثمرين بجدوى وجاذبية أدوات الدين المحلية من أجل البقاء في السوق المحلية ، متوقعا أن يلجأ البنك لتحقيق هذا الهدف إلى رفع أسعار الفائدة وخفض قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية .
مجلس أعلى
في المقابل حذر الخبير الاقتصادي هاني توفيق، من أن المصانع والأنشطة الاقتصادية المعطلة تمثل قنبلة موقوتة ستنفجر في وجه نظام السيسي في أي وقت ، مؤكدا أنه يجب أن تعود للعمل بأي ثمن، وبأي قيمة للدولار، وبأي عجز موازنة.
وقال توفيق في تدوينة على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك "الاقتصاد والاستقرار السياسي يبدأن بالتشغيل وينتهيان بالتشغيل، وعلى كافة السياسات النقدية والمالية العمل في هذا الاتجاه".
وأشار إلى أن السياسة الاقتصادية للدول لا تضعها الحكومات، وإنما المطابخ الاقتصادية للأحزاب الحاكمة، وفي حالتنا يجب أن ترسم هذه السياسة في ضوء أهداف محددة سلفا، مع مراعاة فقه الأولويات طبقا لمواردنا المحدودة .
وطالب توفيق بتشكيل مجلس أعلى للسياسات الاقتصادية، من شيوخ ومفكرين اقتصاديين مستقلين، وخبراء من الخارج إن لزم الأمر، ويتمتع بالاستقلالية التامة، وذلك بعد مناقشة التفاصيل مع المسؤولين التنفيذيين الحاليين، مشددا على ضرورة اعتماد خطة خمسية بأهداف محددة بدقة، ويحكم على نجاح كل وزير واستمراره في وزارته بما أنجزه من تنفيذ هذه الخطة، وليس أي معيار آخر.
وشدد على ضرورة ضم كافة إيرادات الدولة ومصروفاتها، باستثناء التسليح لمراعاة سرية المعلومات، في وعاء واحد يطلق عليه الموازنة العامة للدولة وتخضع لرقابة مالية الانقلاب بالكامل، مشيرا إلى أن الوضع الآن يتضمن ٤٨٪ فقط من إيرادات ومصروفات الدولة باستبعاد العشرات من الهيئات والصناديق الخاصة، وهو توجه غير مقبول وغير معمول به في أي دولة فلابد من الالتزام بمبدأ وحدة الموازنة .
المال السايب
وأضاف توفيق ، على وزارة مالية الانقلاب إعداد جدول بمصادر وموارد الدولة المخصصة لسداد الدين العام بشقيه خلال الخمس سنوات القادمة، بصفتها الهم الأول لدولة العسكر حاليا، مشددا على ضرورة تفعيل منظومة الشمول المالي بحيث يصبح وزير مالية الانقلاب مسؤولا، عن تحصيل مبلغ لايقل عن ٩٠٠ مليار جنيه سنويا إضافية، تمثل الفاقد الضريبي، وهو الفرق بين ٢٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي (الحصيلة الطبيعية للضرائب)، وبين ما يتم تحصيله حاليا.
وأوضح أن هذا التهرب الضريبي وغسيل الأموال هو الذي يفسر الفجوة بين تزايد حالة البطالة والفقر من جهة، وبين المال السايب بلا حدود في مناطق جغرافية معينة كالساحل وخلافه ( تهرب ضريبي واضح من الكثير من المهنيين وأطباء ومحاميين ومقاولين من الباطن وسماسرة وتجار عقارات ووحدات الاقتصاد غير الرسمي…. الخ)، والتي تؤكد وجود بلدين داخل البلد الواحد.
وحمل توفيق وزارة مالية الانقلاب ورئاسة مجلس وزراء الانقلاب مسئولية التباطؤ الشديد في إزالة معوقات الاستثمار المباشر المعروفة، وهو المخرج الوحيد والأمل الباقي في المزيد من الإنتاج والتشغيل والتصدير وسداد المديونية بشقيها.
وقال "بالنسبة للسياسة النقدية يجب أن يلزم محافظ البنك المركزي بإلقاء بيانه الدوري على برلمان السيسي مرة واحدة سنويا على الأقل أسوة بكل برلمانات العالم، لشرح ملامح ومستهدفات سياسته النقدية عن الفترة القادمة".
سلة عملات
وعن سياسة سعر الصرف شدد توفيق على ضرورة ألا يكون استهداف سعر الصرف هو هدف المركزي الأول، ويجب ربط الجنيه المصري بسلة عملات مرجحة وزنا بعملات شركائنا التجاريين تجعل عملتنا حرة فعلا، مع تعويم مدار يأخذ في الاعتبار العرض والطلب وفرق التضخم، فيعطي الجنيه قيمته الحقيقية ويحافظ على ميزتنا التنافسية في التجارة والصناعة والسياحة، بدلا من ربطها بالدولار وحده دون أدنى مبرر علمي أو فني لذلك.
وطالب بإعادة النظر في تشكيل ومراقبة فنية فعالة للجنة التي تحدد مكونات الاحتياطي النقدي، بحيث لا تقع مرة أخرى في خطأ فني غير مبرر، فتقوم بشراء ٤٤ طنا من الذهب، بدلا من بيعه، أول مايو الماضي وفي أقصى سعر له، وذلك رغم تحذيرنا، لبدء ارتفاع سعر الفائدة الأمريكية ذي العلاقة العكسية مع سعر الذهب، والذي قد يكون أدى إلى خسارة لا تقل عن ٢٥٠ مليون دولار تمثل الفرق بين ١٩٠٠ دولار و ١٧٠٠ دولار للاوقية الآن، وكان من الأجدر أن تذهب قيمة هذا الذهب لحقن الدولارات بالسوق المتعطش لفتح الاعتمادات والتشغيل بدلا من تجميده في ذهب في الوقت غير المناسب.
وحذر توفيق من أن المصانع شبه متوقفة عن العمل، والسوق اختفت منه قطع الغيار والعديد من مستلزمات الإنتاج، والإنتاج نفسه بسبب نقص الدولار، وقال "أنا لا استطيع هنا أن ألقي باللوم كله على البنك المركزي، لكني لا أستطيع أيضا أن أعفيه من المسؤولية عن هذا الوضع المتردي في الصناعة والتجارة وتباطؤ الأسواق".
تحرك تدريجي
وأكد خبير أسواق المال عمرو حسنين أن التكهنات عن سعر الدولار غير ممكنة ولكن التوقعات تشير إلى أن سعر الدولار سيكون بين 21-23 جنيها ، مشددا على ضرورة أن يكون التحرك تدريجيا وليس بطريقة حادة حتى لا تكون هناك قفزات كبيرة في الأسعار.
وقال حسنين في تصريحات صحفية : الوضع العالمي كان معروفا منذ أزمة كورونا؛ فالإنتاج انخفض والشركات تراجع إنتاجها وكان هناك طباعة لليورو والدولار بشكل كبير وكنا نتوقع التباطؤ في الاقتصاد العالمي ، مؤكدا أن هذا كله ينطبق على الاقتصاد المصري .
وأشار إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية والمشاكل التي حدثت بين أوروبا وروسيا تسببت في الكثير من الأزمات؛ موضحا أن التوقعات تشير إلى أن أوروبا سوف تشهد أحداثا غير مسبوقة نتيجة مشاكلها مع روسيا وتحالفها مع أوكرانيا .
وانتقد ردود الفعل العالمية من صندوق النقد وغيره للأوضاع الاقتصادية في مصر ، مؤكدا أن الركود يجب أن يحصل على دورته وأقل فترة للركود من سنة إلى سنتين؛ ونحتاج سنة أخرى للخروج من الركود وهو ما يعني امتداد الأمر إلى منتصف 2024 .