أعادت وفاة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي الإثنين 26 سبتمبر 2022م، إلى الأذهان الموقف المخزي للدكتور أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر من الانقلاب العسكري في 03 يوليو 2013م؛ حيث شارك الطيب في مشهد الانقلاب وألقى كلمة اعتبر فيها المشاركة والانقلاب على الإمام الشرعي واجبا تفرضه الشريعة باعتباره أخف الضررين حسب نص كلمة الطيب في مشهد الانقلاب.

ويتجاهل الطيب وهيئة كبار العلماء أن البعض (علمانيين ومفكرين غربيين) يبرهنون بمشاركته تلك على أن الإسلام ـ ممثلا في الأزهر ــ لا يحترم الديمقراطية ولا يضع اعتبارا لإرادة الشعب الحرة التي لا تقاس بالمظاهرات بل تقاس بأدوات الديمقراطية المعروفة والمقررة وفق الآليات الدستورية المتفق عليها، كما برهنت مشاركة شيخ الأزهر في مشهد الانقلاب ثم دعمه لاحقا بكل الأدوات والبيانات والخطابات والتصريحات والمواقف، على أن الأزهر يتبنى مقولات الإمام المتغلب والذي يغتصب السلطة قهرا بأدوات القوة وقهر خصومه حتى لو كان الحاكم المنقلب عليه تولى الإمامة ببيعة صحيحة وإرادة الشعب الحرة، وهو ما يتصادم صراحة مع الإسلام وشريعته ونصوصه وأحكامه حتى لو جرى إلباس "الانقلاب" لباسا زائفا وتكييفه تكييفا خاطئا متعسفا لتبرير الجريمة وإلباسها زورا لباس الشرع بوصف المشاركة في الانقلاب فرضا على كل مسلم بوصفه أخف الضررين ،بحسب توصيف شيخ الأزهر نفسه!

كانت مشاركة الطيب بوصفه شيخا للأزهر في مشهد الانقلاب بحد ذاتها مباركة من أكبر مؤسسة إسلامية في العالم لهذه الجريمة الكبرى، وتمثل قمة التوظيف السياسي للمؤسسة الدينية من أجل إضفاء شيء من الشرعية على إجراء يناقض نصوص الإسلام القاطعة ومبادئه وأحكامه التي نهت مطلقا عن الخروج على الإمام الشرعي. ويبدو أن المخططين للانقلاب كانوا حريصين على أن تخرج اللقطة على هذا النحو وأن الشرعية الدينية كانت جزءا مهما من الخطة والتي يمثل حضور شيخ الأزهر بمكانته ورمزيته رسالة مهمة حين تصدير مشهد الانقلاب للعالم. نعم كان وجود تواضروس بطريرك الكنيسة القبطية مهما للغاية من زاوية أخرى، لكنه لا يصل في رمزيته إلى قيمة ومكانة شيخ الأزهر في بلد تبلغ نسبة المسلمين فيه نحو 95% من عدد سكانه. وإلى جانب الطيب وتواضروس أريد بمشاركة ممثل عن حزب النور ليبعث رسالة مفادها أن  كل قيادات ورموز الحركة الدينية في مصر أجمعت على الإطاحة بمرسي رغم أن أغلبية المنتمين للأزهر كانوا ضد الانقلاب وقد برهنت احتجاجات الطلاب بجامعة الأزهر على ذلك، كذلك كان أغلبية السلفيين يؤيدون الرئيس مرسي باستثناء نسبة محدودة من حزب النور، وقد انشق عشرات الآلاف عن الحزب والدعوة السلفية لاحقا بسبب انحيازهم للانقلاب في تصادم مع نصوص القرآن والسنة التي أجمعت على تحريم الخروج على الإمام الشرعي.

وللتدليل على تورط شيخ الأزهر في مؤامرة الانقلاب؛ هو جولته الخليجية في شهر إبريل 2013م، إلى كل من السعودية والإمارات، وهما الدولتان الضالعتان في مؤامرة الانقلاب تخطيطا وتحريضا وتمويلا ودعما ومساندة حتى اليوم؛ فقد ترأس الطيب وفد الأزهر إلى الرياض يوم الخميس 18 إبريل الذي ضم  كلًا من أحمد الطيب والدكتور حسن الشافعي، مستشار شيخ الأزهر، والدكتور نصر فريد واصل، مفتي الجمهورية الأسبق، وهم أعضاء هيئة كبار العلماء، والدكتور الأحمدي أبوالنور، وزير الأوقاف الأسبق، ومحمد عبد السلام، المستشار القانوني للأزهر. بعد عشرة أيام فقط (27 إبريل)، ترأس الطيب وفدا من كبار العلماء إلى أبو ظبي؛ برفقة وزير الثقافة محمد صابر أبو عرب؛ حيث التقى محمد بن زايد وكبار المسئولين بدولة الإمارات؛ بدعوى استلام الطيب جائزة الشيخ زايد للكتاب، لاختياره شخصية العام الثقافية على مستوى العالم الإسلامي.

هذه الجولات الخليجية المكثفة لشيخ الأزهر في هذا التوقيت كانت تمثل لغزا أثار كثيرا من علامات الاستفهام؛ وقد علق الكاتب الكبير فهمي هويدي على هذه الزيارات في مقاله «رحلات شيخ الأزهر للخليج»، والمنشور على "بوابة الشروق" بتاريخ 11 مايو 2013م؛ حيث اعتبر هذه الزيارات الخليجية للطيب تبعث على  الحيرة والقلق بأكثر مما تبعث على الارتياح»، ويضيف: «إننى أشم فى تلك الزيارات رائحة السياسة التى هى فى طبيعتها مشكوك فى براءتها. ذلك أن شيخ الأزهر حين يدعى إلى مناسبات لا علاقة لها بالدور العلمى أو الدعوى الذى تقوم به المؤسسة الكبرى التى يرأسها، فإن ذلك لابد أن يثير العديد من علامات الاستفهام والتعجب. وحين يدعى الشيخ إلى بلد على غير صفاء أو وئام مع الدولة المصرية التى ينتمى إليها، فإن ذلك يفتح الباب لاحتمالات عدم البراءة، ومن ثم الشك فى أهداف الزيارة التى قد يظن ان المراد بها فصل الأزهر عن الدولة. وحتى إذا كان ذلك الاحتمال الأخير مبالغا فيه ويحمل الأمر بأكثر مما يحتمل، فالذى لاشك فيه أن الشبهة قائمة، وثمة قرائن عدة تؤيدها. وحرىٌّ بشيخ الأزهر ألا يضع نفسه فى ذلك الموضع». واعتبر هويدي هذه الجولات الخليجية للطيب التي جاءت بعد إحراج الرئيس الإيراني أحمد نجاد والهجوم عليه داخل الأزهر خلال زيارته للقاهرة في فبراير 2013م، محاولة خليجية وغير مسبوقة من أجل توظيف الأزهر للقيام بدور في داخل مصر متمنيا أن تثبت الأيام أنه ليس صحيحا». بعدها بأسابيع شارك الطيب في مشهد الانقلاب الذي اتضح لاحقا أنه مخطط إقليمي برعاية أمريكية خالصة.

لذلك أحجم الطيب والأزهر عن نشر نعي للفقيه القرضاوي وهو الذي كتب قبل أيام قليلة نعيا في وفاة ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية والتي كانت على عرش بريطانيا عندما كانت تحتل بلادنا حتى سنة 1956م. فموقف الأزهر يدور مع موقف السلطة حيث دارت يوالي من يواليها ويعادي من يعاديها  حتى لو كان ذلك على حساب الحق والحقيقة.

Facebook Comments