تسعى حكومة الانقلاب منذ اتفاقها المشئوم مع صندوق النقد الدولي إلى تخفيض عدد الموظفين بالجهاز الإداري بالدولة؛ وحسب تصريحات رئيس الوزراء بحكومة الانقلاب مصطفى مدبولي في 17 مايو 2022م، فإن الحكومة تعمل على تسريح نحو 70% من الموظفين بالجهاز الإداري بالدولة؛ حيث ألقى باللوم على العدد الكبير من الموظفين في القطاع الحكومي والقطاع العام، والذي يتراوح عددهم ما بين 5 إلى 6 ملايين موظف، في زيادة الأعباء على الدولة، مؤكدا أن 70% من العدد الحالي هو زائد على الحاجة. وقال مدبولي، خلال مؤتمر صحفي للإعلان عن رؤية الدولة للتعامل مع الأزمة الاقتصادية العالمية، إن "التحديات البيروقراطية جزء من التحديات التي تواجهها الدولة، في إطار هيكل إداري ضخم ومتضخم على مدار 50 و60 عاما". وأضاف "نعي تماما أن قوام الهيكل واحتياج الدولة كمعيار كفاءة وإدارة، أننا لا نحتاج أكثر من 30% من الهيكل الإداري الموجود".

فهل حقا تعاني مصر من تضخم الجهاز الإداري أم أن هذه شماعة جديدة يعلق عليها نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي فشله في إدارة الدولة على نحو صحيح؟

في مقاله بصحيفة الشروق بتاريخ السبت 03 سبتمبر 2022م " في مواجهة المسألة الاقتصادية" يرى الدكتور إبراهيم عوض، أن «تضخم الوظيفة العمومية فى مصر أسطورة كدنا نصدقها من فرط تكرارها». وللبرهنة على صحة ما ذهب إليه يستشهد بــ«العجز فى المعلمين وفى الأطباء فى المستشفيات الحكومية» مؤكدا أن هذا العجز «معروف للكافة».

الدليل الثاني الذي يستشهد به عوض هو مقارنة نسبة الموظفين الحكوميين إلى عموم الشعب في مصر والدول الأوروبية، يضيف عوض: «فى مصر 5,5 مليون موظف يخدمون 104 ملايين مواطن بواقع 52 موظفا لكل ألف مواطن. فى فرنسا 5,7 مليون موظف يخدمون 67 مليون مواطن فى سنة 2020. إحصائيات منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية تبين أنه فى سنة 2015، نسبة إلى كل ألف مواطن كان عدد الموظفين يبلغ 159 فى النرويج، و142 فى الدنمارك، و100 فى كندا، و89 فى فرنسا، و70 فى الولايات المتحدة. وهذه الأرقام بليغة، تعفى المحلل من أى تعليق.  بل تؤكد أن تضخم الجهاز الإداري في الدولة أكذوبة تروجها الحكومة للتحلل من توظيف الشباب وإن كان ذلك لا يمنع من وجود فساد وخلل في هيكلة الموظفين واستثمارهم على نحو صحيح.

خلاصة هذا الكلام المدلل عليه بالشواهد والمقارنات والأرقام هو أن الجهاز الإداري بالدولة المصرية ليس متضخما كما تزعم الحكومة بل يعاني فقط من خلل في التوزيع بين الجهات الحكومية؛ فهنا تضخم بالفعل في بعض الجهات ونقض فادح في جهات أخرى كما في الأطباء والمعلمين. وهو خلل ناتج عن الفساد في التوظيف والدور القذر الذي تقوم به الواسطة والمحسوبية في تعيين كثيرين دون وجه حق في جهات حكومية لم تكن تحتاج أصلا إلى عاملين جدد.

وكان قانون تنظيم عدد الموظفين من أوائل القوانين التي حرص السيسي على إصدارها منذ اغتصابه للسلطة، ومنذ إقرار قانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية عام 2014، والتعديلات التي صدرت بعد ذلك في عام 2016، لم تعلن أي وزارة بالجهاز الإداري للدولة عن وظائف إلا وفق القواعد التي نص عليها القانون. ووفقا لإستراتيجية التنمية المستدامة (رؤية مصر 2030)، فإن الحكومة تستهدف خفض عدد الموظفين إلى 3.8 ملايين موظف عام 2030.

وفيما يتعلق بعدد العاملين في القطاع العام (غير القطاع الحكومي) فقد انخفض عددهم بنسبة 9% على أساس سنوي إلى 695.3 ألف عامل عام 2021، بحسب النشرة السنوية لإحصاء العاملين بالقطاع العام التي أصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مارس 2022. وتراجع عدد العاملين بالقطاع الحكومي وقطاع الأعمال العام في مصر بصورة مستمرة على مدار الأعوام الخمسة الماضية، وهبط بأكثر من 15% منذ عام 2017، في ضوء برنامجها لما يسمى بالإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي.

ووفقا للجهاز المركزي العام للتعبئة والإحصاء بمصر، انخفض عدد الموظفين إلى نحو 5 ملايين موظف في 2017، ، مقابل نحو 5.8 مليون موظف في 2016، بانخفاض قدره 13.5%. إلا أن العدد الفعلي في عام 2019 أقل بنحو نصف مليون موظف على أقل تقدير؛ بسبب خروج نحو 180 ألف موظف على المعاش سنوياً في مصر، بدون الذين خرجوا عند سن الخمسين، بعد إقرار قانون الخدمة المدنية في 2016، الذي فتح باب الخروج المبكر عند سن 50 عاماً.  معنى ذلك أن عدد الموظفين الفعلي في الحكومة حاليا (سنة 2022) يبلغ نحو  4 ملايين موظف على أقصى تقدير. فلماذا  تعلن الحكومة عن أرقام مبالغ فيها للغاية؟! الأمر الثاني أن الهدف الرئيس من تخفيض عدد العاملين بالجهاز الإداري للدولة هو تقليل النفقات لكن أرقام الموازنة تكشف أن مخصصات الأجور والمرتبات ترتفع بشكل جنوني رغم معاناة الغالبية العظمى من الموظفين من قلة المرتبات وتآكلها؟ فأين تذهب هذه الأموال؟

ووفقا للموازنة الجديدة لعام 2022/ 2023، فقد تم تخصيص 400 مليار جنيه لباب الأجور بمشروع الموازنة الجديدة (نحو 19.9% من حجم المصروفات بالموازنة) بزيادة تقترب من 43 مليار جنيه عن التقديرات المحدثة لموازنة العام المالي الجاري لتمويل حزمة تحسين دخول 4.5 ملايين موظف من العاملين بالدولة، بحسب تصريحات وزير المالية، (الدولار يساوي 19.60 جنيها).

وتنقسم خريطة العاملين بالجهاز الإداري في مصر إلى 3 قطاعات: الأول، العاملون بالوزارات والمصالح الحكومية. والثاني، يخص الهيئات العامة الخدمية والاقتصادية. والثالث، بشأن الإدارة المحلية.

وكشف رئيس برنامج التطوير المؤسسي بوزارة التخطيط، أن "التعامل مع مسألة التضخم الوظيفي في قانون الخدمة المدنية استهدفت تفعيل ما نص عليه القانون في المواد، وهناك مساران، أولهما اختياري كما في المادة 70، والثاني إجباري كما في المادة 69".وقررت الحكومة بالفعل اتخاذ إجراءات حاسمة في هذا الصدد، من خلال عدة خطوات، أبرزها:

1- تقاعد 185 ألف موظف سنوياً بعد بلوغهم سن الستين، وتقييد تعيين أي بديل ما يؤدي إلى تقليص أعداد الموظفين إلى نحو 2.5 مليون موظف بحلول عام 2030، بدون أي خطوات أخرى.

2- فتح باب المعاش المبكر رسمياً للموظفين عند بلوغ سن الخمسين، بعد إقرار مجلس النواب لقانون الخدمة المدنية الجديدة في 2016، والحصول على كافة حقوقه التى نص عليها القانون وفقاً للمادة رقم 70.  وتشجع الدوائر الحكومية موظفيها على التقدم إلى المعاش المبكر. ففي سبتمبر/أيلول 2019 قالت الشركة المصرية للاتصالات إن 3 آلاف عامل بالشركة تقدموا إلى "المعاش المبكر".

3- وقف التعيينات الحكومية رسمياً، فقانون الخدمة المدنية الجديد يحظر تعيين أي دفعات من الخريجين في أي مجال من المجالات، إلا بعد موافقة مجلس الوزراء وتوفير التمويل اللازم. واستبدال التعيين لسد عجز الموظفين، بفتح باب التعاقدات المؤقتة الموسمية.

4- تجميد زيادة الرواتب في العديد من القطاعات؛ لتحفيز الموظفين على التقديم للمعاش المبكر، كما جرى في قطاع الإذاعة والتلفزيون، حيث لم ترتفع المرتبات والأجور منذ 2013 إلا قليلا ما دفع الموظفين إلى التظاهر في مبنى ماسبيرو.

5- الفصل من العمل بزعم تبنّي أفكار "متطرفة"، و "الإدمان". وقد فصلت وزارة التعليم نحو 1077 معلما بدعوى انتمائهم لجماعة الإخوان المسلمين. وتصل نسبة المتعاطين للمخدرات داخل الجهاز الإداري بمصر إلى ما بين 8% و20%، وفق صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي. وتقول وزارة التخطيط إنها تستهدف الوصول بعدد الموظفين إلى موظف لكل 40 مواطناً في 2030، أي نحو مليوني ونصف المليون موظف فقط، مع الوضع في الاعتبار زيادة عدد السكان من 100 مليون نسمة إلى نحو 125 مليون نسمة.

Facebook Comments