أربعة أعوام مرت على جريمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي الذي أزعجت توجهاته عصابة الحكم في السعودية، وهي جريمة اعتبرت واحدة من أبشع الجرائم التي ارتُكبت بحق حرية الرأي والتعبير.

ومنذ اعتراف عصابة الحكم في السعودية بقتل الصحفي جمال خاشقجي، داخل قنصليتهم بتركيا، تهاطلت الفتاوى من شيوخ باطلهم الذين سارعوا لتوظيف ترسانتهم الدينية لتبرير القتل وتبرئة النظام من دم الضحية، وهو ما حرص محمد بن سلمان، على تنظيم خيوطه المتناثرة، حيث لم يقبل منهم انزواء أو سكوتا، فإما أن تُطبل لي، أو تجد نفسك داخل السجون، فهل لدى مملكة آل سعود مشايخ وعمائم تطبل وتبرر القتل أمثال علي جمعة وخالد الجندي في مصر؟

 

توظيف الدين 

يأتي توظيف الدين لأغراض سياسية وهو الأسلوب المفضل لدى عصابة الحكم في السعودية، في إدارة الأزمات، تجلى ذلك سابقا في منع القطريين من أداء فريضة الحج أثناء الحصار الذي فرض على بلادهم، وتجلى بأشكال متعددة في جريمة قتل خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول يوم 2 من أكتوبر 2018.

يتم ذلك بجعل رجال الدين المشهورين أبواقا للنظام السياسي وخياراته التي لا علاقة لها بالعقيدة الإسلامية، فيتحول الخطاب الديني من وظيفته الدعوية إلى الدعاية السياسية الفجة، وليس أدل على ذلك مما يفعله الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس من على منبر الحرم المكي.

كان خطاب السديس المسيس حاضرا – كعادته – في قضية اغتيال خاشقجي، ومع تزايد الأدلة التي تؤكد تورط ابن سلمان في مقتل خاشقجي داخل القنصلية، وقف عبد الرحمن السديس من فوق منبر المسجد الحرام يؤيد قرارات ولي الأمر الحكيمة، ويبرئه بشكل غير مباشر من دم خاشقجي، قائلا "مسيرة التجديد برعاية ولاة أمرها الميامين، وحرص واهتمام الشاب الطموح المحدث الملهم ولي عهد هذه البلاد المحروسة، ماضية في رؤيته التجديدية الصائبة، ونظرته التحديثية الثاقبة رغم التهديدات والضغوطات". 

واصل السديس – الذي يتولى منصب وزير شؤون الحرمين – تصريحاته، فيما يتصل بقضية خاشقجي، وخرج مشيدا بنهج المملكة في تحكيم الشريعة وتحقيق العدالة ومحاسبة كل من يثبت مخالفته للشريعة بإشراف الملك سلمان وولي عهده.

وذلك في بيان نقله موقع "الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي" وهو ما استنكره عدد من الدعاة والعلماء حول العالم منهم الشيخ التونسي بشير بن حسن، الذي وصف تصريحات السديس بأنها تجارة بالدين من فوق منبر الحرم لخدمة سيده.

ليست هذه الحادثة الأولى للسديس، فخطابه المسيس حاضر دوما في كل مشهد يمس ولاة الأمر، من انقلاب مصر الذي أشاد فيه بدور المملكة إلى حصار قطر الذي توعد فيه كل من تعاون مع ما أسماها بالفئة الضالة الإرهابية، فزادت مواقفه من تزايد حضوره في الفضاء الديني، خاصة بعدما زاد توظيفه السياسي لمنبر الحرم بعدما تم اعتقال شيخ الحرم صالح آل طالب في موسم الحج.

 

تبرير إلكتروني 

مقابل هذا القول، تنطلق خطب السديس المنبرية بمثابة بيان سياسي يشيد بآل سعود ويشيد بمواقفهم السياسية، ويدعو للملك وولي عهده وإنجازاته، ما يعني أن السديس ليس مجرد داعية، وإنما متحدث ديني باسم المملكة، ولسان ديني مُعبر عن ولي الأمر، وهو ما مكنه لأن يكون وزير شؤون الحرمين وتصبح له الكلمة العليا في سياسة الحرم وتوجيهاته ما دام في خدمة آل سعود.

التبرير الإلكتروني والإعلامي، يضطلع بهذه المهمة الدعاة في تغريداتهم التي لا تختلف في شيء عما يفعله الذباب الإلكتروني في دفاعه الأعمي عن كل ما يصدر عن القصر الملكي، فإلى جانب هذا الذباب المنظم، هناك تنظيم آخر على مستوى شيوخ السلطة الجاهزين للقيام بهذا الدور وبوسعهم أن يوظفوا وقائع تاريخية لإضفاء مشروعية دينية على جرائم النظام. 

دارت بوصلة الداعية البكاء – كما يصفه البعض – مع السلطة حيث دارت الروايات السعودية، ما اضطره للتبرير، فغيّر وجهة الحديث أكثر من مرة، وتعليقا على البيان السعودي الرسمي، الذي ينحو فيه منحى التبرير، قال المغامسي في حديثه لقناة العربية السعودية  "محمد بن سلمان لم يأمر بقتله، وإنما أراد من بعض رجاله احتجاز خاشقجي ومفاوضته للرجوع إلى بلده". 

ظلت بوصلة المغامسي نحو قبلة السلطة تسبح بحمدها، فلم يكتف بهذا الحد، وإنما واصل تبريره لقتلة خاشقجي باستدعاء التاريخ، واستشهد بحادثة قتل الصحابي خالد بن الوليد لمالك بن نويرة خلال حروب الردة، ظنا منه أنه يستحق القتل، رغم عدم وجود أمر من الخليفة بقتله، وذلك ينطبق على خاشقجي حين قُتل دون أمر من القيادة السياسية.

توصيف المغامسي للجريمة بالقتل الخطأ هي محاولة لفتح باب العفو عن القتلة، بحسب الباحث الإسلامي عصام تليمة في مقال له، فقد حاول المغامسي الاستدلال لرأيه، بأن جريمة قتل خاشقجي خطأ وارد، لكنه وقع في أخطاء كبيرة، منها أن خالد بن الوليد كان في حالة حرب، وهو القائد العام للجيش وقتها، كما يخلط المغامسي بين أحكام الحرب وأحكام السلم، بحسب تليمة.

ربما حادثة خاشقجي تمثل الصورة الأحدث في استدعائها لسياق تعامل المغامسي مع سلطة بلاده، لكن الحال بين التبرير للحاكم والمغامسي ممتد، فالمغامسي لا تفوته مناسبة إلا وحرص على إظهار طاعته لولي الأمر وفطنة ولي العهد، واصفا أفعاله مع أزمة خاشقجي في تغريدة له، بالبصيرة والحكمة من الانزلاق إلى مهاترات يحب أعداؤه جره إليها، وهو السياق الذي سار عليه المغامسي مسبقا في كونه الزائر الديني الدائم للشؤون المعنوية للجنود في عاصفة الحزم.

وفي الأخير وكما يحدث في مصر منذ انقلاب 30 يونيو 2013حَرص دعاة البلاط ومشايخ السلطان على التبرير الدائم والمطلق لأفعال المملكة وسياسة ابن سلمان مهما بلغت، ومع اعتراف السلطات السعودية بمقتل خاشقجي داخل القتصلية، نتيجة لشجار حدث بينه وبين الفريق الأمني الذي جاء ليفاوضه على العودة، تزاحم رجال الدين للدفاع عن هذه الرواية، داعين العامة لقبول تقدير ولي الأمر الملهم للأمر.

Facebook Comments