ماذا يجهز السيسي للقضاة بعد حظر ظهورهم الإعلامي وعبر “السوشيال ميديا”؟

- ‎فيتقارير

في خطوة مخالفة للدستور الذي يكفل للجميع حرية التعبير عن رأيه ، وضمان الحريات الشخصية، قرر المجلس الأعلى للقضاء، بإيعاز من السلطات الأمنية والسياسية، الأحد الماضي، حظر الظهور الإعلامي  للقضاة أو التحدث أو الكتابة أو الظهور في وسائل الإعلام المقروءة أو المسموعة أو المرئية، ومنصات التواصل الاجتماعي كافة؛ الخاصة والعامة على حد سواء، وذلك بأشخاصهم أو بصفاتهم، أيا كان الموضوع.

وتضمن القرار في المادة الثانية عواقب المخالفة، ونصت على أنه يترتب على مخالفة الحظر المساءلة التأديبية وفقا لقانون السلطة القضائية، ويعمل بهذا القرار من تاريخ صدوره.

القرار الذي يعد انقلابا جديدا من سلطات السيسي على السلطة القضائية،  يشكل سابقة في تاريخ مصر، ويعبر عن قلق السيسي من القضاة، بعدما تسببت سياساته في خلق معارضة مكتومة له ولسياساته في أوساط السلطة القضائية، التي تعد أكبر ضلع داعم له في انقلابه العسكري، وهو ما قد يكون تم رصده عبر أجهزة المخابرات ودوائر التجسس التابعة للسيسي والمزروعة على كل الجهات وحتى بين أقرب المقربين للسيسي.

القرار بحد ذاته يعد فضحا لنظام السيسي القمعي، بمقارنته بما كان عليه القضاة في عهد الرئيس محمد مرسي، حيث شاهد العالم المؤتمرات الصحفية التي عقدها رئيس نادي القضاة أحمد الزند ونداءاته العالمية للرئيس الأمريكي أوباما، لإنقاذ مصر من حكم الرئيس مرسي الديمقراطي، وأيضا مشاركات تهاني الجبالي عضو المحكمة الدستورية آنذاك في المؤتمرات والتظاهرات د حكم الرئيس مرسي، دون منع أو حظر، ما يكشف حجم الحريات والديمقراطية المسموح بهما في عهد الرئيس مرسي.

ويعد القرار الصادر بتوجيهات من الجهات السياسية والأمنية التي باتت تتحكم في كل صغيرة وكبيرة في القضاء ، تعديا جسيما،  حيث باتت سلطة تعيين رؤساء هيئات القضاء  بيد رئيس سلطة الانقلاب عبد الفتاح السيسي حصريا.

ومنذ الانقلاب العسكري، يواصل السيسي تدخلاته في عمل السلطات القضائية، وكان آخر تلك التدخلات قراره بانضمام أحد القضاة العسكريين إلى المحكمة الدستورية في سابقة من نوعها، في خطوة وصفها البعض بخلق ذراع عسكري للسلطة العسكرية داخل المحكمة.

 

سلسلة تدخلات

وفي يوليو الماضي أدى رئيس هيئة القضاء العسكري، صلاح الرويني، اليمين القانونية لتولي منصبه الجديد كنائب لرئيس المحكمة الدستورية كأول لواء بالقوات المسلحة بتشكيل المحكمة، منذ إنشائها عام 1979.

وكان السيسي أصدر في فبراير 2022، قرارا جمهوريا بتعيين قاضٍ قبطي، هو المستشار بولس فهمي، على رأس المحكمة الدستورية العليا، وهي المرة الأولى التي يتولى فيها قبطي هذا المنصب، على الرغم من أن ترتيبه كان الرابع بين نواب رئيس المحكمة، ما عده البعض تجاوزا لمبدأ استقلال القضاء.

ومهد السيسي لهذه الخطوة – غير المسبوقة في تاريخ القضاء المصري – عام 2019، بإجراء تعديلات تسمح بضم القضاء العسكري الذي لم يتم الاعتراف به كجهة إصدار أحكام إلا في دستور 2014، تحت مظلة المجلس الأعلى للقضاء برئاسته، ومنحه سلطة تعيين جميع رؤساء الهيئات والجهات القضائية.

 

مخالف للدستور

ويخالف القرار  الدستور المصري، الذي  يكفل لجميع المصريين التعبير عن آرائهم بحرية كاملة، وأعضاء السلطة القضائية مواطنون عاديون، ومن حقهم التعبير عن آرائهم في القضايا المجتمعية التي تشغل بال الجميع..

ووفق قانونيين، فإن ما يحظر على القاضي هو الحديث في قضايا ينظرها، وما عدا ذلك من حقه التعبير عن رأيه في الشأن العام لوطنه؛ سواء كان قضائيا كالمطالبة بإصلاح القضاء وتسريع التقاضي، أو سياسيا بفتح المناخ السياسي، أو اقتصاديا بانتقاد السياسات المالية للحكومة، ولا يجوز الحظر على رأيه..

ويمثل القرار خنقا لحرية الرأي والتعبير لكل المواطنين، ومن يتجاوز ذلك يتم القبض عليه،

ولكنه لا يستطيع القبض على أعضاء السلطة القضائية بسبب تمتعهم بحصانة قضائية؛ من ثم أصدر القرار لتجاوز تلك العقبة..

يشار إلى أن القانون يمنع على القضاة العمل بالسياسة مثل الانتماء لحزب سياسي معين، والاشتغال بالتجارة، طبقا لقانون السلطة القضائية، لكن إبداء الرأي في الشأن العام ليس محظورا ولا ممنوعا.

كما تلوح في الأفق ، قلاقل ستواجه السيسي ، خاصة مع تصاعد الأزمات الاقتصادية التي تطال جميع فئات المجتمع، ومن ثم جاء القرار لمنع أي انتقادات له، أو تحركات مناوئة لسلطات السيسي المفتوحة والتي تهدد استقرار المجتمع في الوقت ذاته.

وكان السيسي قد بدأ خطة للسيطرة على القضاء بعد إصدار قانون الهيئات القضائية رقم 13 في سنة 2017، الذي سمح له باختيار رؤساء الهيئات القضائية، ومنحه  صلاحيات اختيار رؤساء 4 هيئات وجهات قضائيّة من بين مرشحين متعدّدين، بعدما كانت كل هيئة تقدم اسم أقدم قاض بها فقط؛ تم ذلك في هدر واضح من السيسي لاستقلال القضاء والفصل بين السلطات..

 

السيطرة على القضاء

والقرار الأخير يأتي ضمن مخطط سيطرة السيسي على القضاء سيطرة كاملة، بعد سيطرته على باقي مؤسسات الدولة.

وينبع موقف السيسي من القضاء بعد أحكام القضاء الإداري في قضية "تيران وصنافير" حيث انتبه السيسي إلى ضرورة سيطرته على ما تبقى من استقلال القضاء، السيسي يرفض رفضا مطلقا أي مساحة من الحرية قد اكتسبتها مؤسسات الدولة زمن مبارك، ويرى في ذلك تهديدا على مستقبل النظام.

ولعل القادم أسوأ على صعيد الحريات والعمل السياسي والاجتماعي في مصر، إذ إن القمع والسطوة العسكرية على مفاصل الدولة، هي السبيل الأيسر للسيسي لمواجهة انهيار نظامه الذي بات وشيكا، في ضوء فشله الذريع ، وهو ما يؤدي لانفجار وشيك على كافة الصعد، وهو ما يخشاه ويتحسب له السيسي.