على خطى الهند وبنجلاديش وتشيلي في الثمانينات.. مصر تحت حكم صندوق النقد الدولي       

- ‎فيتقارير

بعد الاتفاق الأخيرة مع صندوق النقد الدولي الخميس 27 أكتوبر 2022م؛ بقيمة 3 مليارات دولار من الصندوق والتفاوض على مليار رابع بخلاف تسهيل اقتراض 5 مليارات أخرى من مؤسسات تمويل دولية أخرى. يمضي الدكتاتور عبدالفتاح السيسي بإصرار وثقة نحو تدمير ما تبقى من مصر كوطن ودولة ومجتمع قبل أن تكون حضارة تمتد بجذورها عبر التاريخ العتيق؛ فمصر باتت فعليا تحت حكم "صندوق النقد الدولي" يفرض عليها وصايته ويضع  لها السياسات المالية والنقدية ولا تجرؤ حكومة الدكتاتور أن تراجع الصندوق في شيء من قراراته بعدما ارتفعت الديون الخارجية من 43 مليارا في منتصف 2013 إلى 158مليارا في مارس 2022م وتصل اليوم (أكتوبر 2022) إلى نحو 180 مليار دولار نصيب الصندوق منها نحو 23 مليار دولار.

معنى ذلك أن مصر دخلت أولى مراحل  الاحتلال، تماما كما جرى مع الهند سنة 1981م؛ عندما  كان وزير المالية بنيوديلهي يقدم تقاريره مباشرةً إلى البنك الدولي، متجاوزاً البرلمان والحكومة، فيما عرف وقتها بفترة الحكم غير المباشر لصندوق النقد في الهند، وكيف سحقت تلك السياسات المزارعين وطبقات الفقراء، التي بلغ تعدادها ما يقارب 400 مليون نسمة. نفس الأمر تكرر مع بنجلاديش والانقلاب العسكري على الرئيس مجيب الرحمن في عام 1975، بمعاونة من المخابرات المركزية الأميركية في سفارة الولايات المتحدة في دكا. وقد كان ذلك الانقلاب ضرورياً لتجربة الدواء الاقتصادي لصندوق النقد الدولي، من خلال تخفيض سعر العملة وتحرير الأسعار، وهو ما أدى إلى تفاقم أزمة المجاعة واندلاع أزمة الديون في حقبة الثمانينات. وفي أعقاب الإطاحة بالشيخ مجيب واغتياله، كانت المساعدة العسكرية الأميركية المستمرة لبنجلاديش مشروطةً بالتزام البلاد بوصفات صندوق النقد الدولي السياسية.

تكررت نفس الأجندة في شيلي بأمريكا اللاتينية؛ حيث كان هنري كيسنجر، وزير خارجية أميركا الأسبق، يدعم بينوشيه لتنفيذ انقلاب دموي، كان صندوق النقد الدولي يسانده في تنفيذ أقصى سياسة تقشف عرفتها أميركا اللاتينية. وعلى الرغم من انتهاك حقوق الإنسان، إلا أن صندوق النقد الدولي ضاعف من قروضه لتشيلي بعد عام من انقلاب بينوشيه الدموي، وزاد قيمة قروضه أربعة أضعاف، ثم خمسة أضعاف في العامين التاليين. نتج عن تلك السياسات التقشفية زيادة الفقر؛ فقد ارتفعت البطالة في تشيلي من 3% في 1973 إلى 18.7% فى عام 1975، وبلغ معدل التضخم في الفترة الزمنية نفسها 341%، وتفاوت في الطبقات الاجتماعية ففي عام 1980 استحوذ 10% من سكان تشيلي على 36.5% من الدخل القومي، وفي عام 1989 على 46.8% من الدخل القومي، وتمخضت تلك السياسات عن مقتل 30 ألف مواطن، أغلبهم من النقابيين وطلبة الجامعة.

 

دور الصندوق المشبوه

ولكي ندرك أبعاد الدور الذي يقوم به صندوق النقد ومؤسسات التمويل الدولية الأخرى كالبنك الدولي، فإن ذلك يتطلب العودة إلى جذور نشأة هذه المؤسسات في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومعرفة الفلسفة التي تأسست عليها هذه المؤسسات التي تتحكم فيها القوى العالمية التي خرجت من الحرب منتصرة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. فالصندوق الذي وقَّع على تأسيسه 29 دولة في يوليو 1944 قبل نهاية الحرب العالمية بشهور قليلة، تقوم فلسفته على خمسة محاور؛ تبدأ بتحرير سعر الصرف، ورفع الدعم تدريجيًا عن المحروقات والطاقة، ثم تقليص الجهاز الإداري للدولة، وتاليًا سد عجز موازنة الدولة عبر فرض الضرائب والرسوم الباهظة، وأخيرًا التخلي عن شركات القطاع العام والاعتماد على آليات الخصخصة، وهو ما يحدث حاليًا في مصر منذ سنة 1995م.

 

عولمة الفقر

في سنة 1997 دق المفكر والباحث الاقتصادي ميشيل تشوسودوفيسكي، نواقيس الخطر محذرا  في كتابه الشهير «عولمة الفقر» من قواعد لعبة الفقر التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على شعوب العالم بأدوات مؤسسات التمويل الدولية. وكان تشودوفيسكي يعمل أستاذاً للاقتصاد بجامعة أوتاوا بكندا، وله العديد من المؤلفات التي تعالج معضلة العولمة، منها "حرب أميركا على الإرهاب"، و"عولمة الحرب: حرب أميركا الطويلة ضد البشرية" ومؤلفاتٍ أخرى مهمة ، إلا أن كتابه "عولمة الفقر" كان له صدى كبير وواسع بين أوساط المهتمين بالشأن الاقتصادي في العالم كله. وصدرت ترجمة الكتاب العربية سنة 2012م، حيث يتكون من 5  أجزاء، تدور حول طبيعة  المؤسسات المالية العالمية ودورها وسيطرتها على الاقتصاد الدولي، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكيف لعبت سياساتها الاقتصادية دوراً خطيراً في جعل اقتصاديات الدول تتبع سياسات «تخريبية» تحت لافتة «السياسات الإصلاحية»، لكنها في الحقيقة سياسات تقود إلى تدمير الاقتصاد في تلك الدول.

يقدم الكتاب تأصيلاً تاريخياً ومعرفياً لسيطرة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي، من خلال سياسة التقويض الكلي للاقتصاد، عن طريق ما عُرف باسم التكييف الهيكلي، وهي سياسة (إصلاحية!) يفرضها صندوق النقد الدولي على كل الدول التي ترغب في الاقتراض من الصندوق، وتقوم على إحداث تغيير جذري في منهجية الدولة السياسية والاقتصادية، مما يضمن عدم تدخل الدولة في حركة السوق، حتى يتحول الاقتصاد بالكامل إلى "اقتصاد السوق الحر".

وترجع أصول تلك السياسة إلى ميلتون فريدمان، وهو أول من أسس لنشر الفكر الرأسمالي في العالم بقوة السياسة والصدمة.  وتضمن كل جزءٍ من الكتاب قارة على الخريطة، موضحاً أبرز تجارب دول تلك القارة مع الأمر. وبحسب الكتاب تقوم فلسفة مؤسسات التمويل الدولية على عدة قواعد أبرزها

(دعم الحلفاء وقصم ظهور الأعداء)؛ و(تقشف ثم تحرير العملة ثم فرض الوصاية) وهي الوصفة نفسها التي تفضي إلى خفض سر العملة المحلية، وتحرير التجارة والخصخصة في ذات الوقت في أكثر من 100 من البلدان المَدِينة. وتفقد الدول المدينة السيادة الاقتصادية، والسيطرة على السياسات المالية والنقدية، ويعاد تنظيم البنك المركزي ووزارة المالية (وغالباً بتواطؤ البيروقراطيات المحلية) وتفكك مؤسسات الدولة وتفرض وصاية اقتصادية" من مؤسسات التمويل الدولية. فتلك هي الوصفة التي يقدمها دائماً صندوق النقد الدولي للبلدان المدينة، حتى تقع في النهاية فريسة الوصاية الاقتصادية. فبعد الوقوع في فخ الديون المتراكمة وضعف العملة، لن يكون هناك خيار أمام تلك الدول سوى الاقتراض من إحدى المنظمات العالمية، التي دائماً ما تعلن في أجندة سياساتها أنها لن تُقرض سوى الدول المستقرة اقتصادياً إلى حد ما، أو التي يؤمل منها أن تكون كذلك.

 

الوصاية والحكم غير المباشر

ثم تأتي الخطوة التالية وهي فرض سياسات معينة من قِبل صندوق النقد على تلك الدول، تحت مسمَّى "ضمان حقوق صندوق النقد في استرداد أمواله" ليدخل مشروع عولمة الفقر حيز التنفيذ الفعلي. وتتفق تلك المؤامرات مع ما باح به قرصان اقتصادي معروف  هو جون بركنز، الذي حكى عن تجاربه في الإيقاع بالدول المدينة اقتصادياً في كتاب شهير بعنوان "مذكرات قرصان اقتصادي"،  ويحكي فيه الرجل تجربته مع هذه الوظيفة التي تكشف مدى تغلغل الولايات المتحدة في المؤسسات الدولية العالمية، وكيف تستغلها لبسط نفوذها عالمياً عبر ما يسمى بسياسة الاحتواء الاقتصادي التي تقوم على استخدام المؤسسات الدولية مثل "البنك الدولي"، في تقديم مساعدات وقروض  إعمار لدول العالم الثالث، مقابل قيام الشركات الأميركية بتنفيذ المشروعات الإعمارية  في الدولة المَدينة، مثل محطات الطاقة والمطارات. وفي الوقت الذي تستدين هذه الدول من البنك الدولي تكون فوائد القروض أكبر من قدرة هذه الدول على السداد، ومن ثم تتراكم فوائد القروض وتعجز هذه الدول عن السداد. وهنا تتدخل الولايات المتحدة "لمساعدة" هذه الدول مقابل إنشاء  قواعد عسكرية أميركية على أراضي هذه الدولة، أو تمرير قرارات معينة في مجلس الأمن أو القيام بإصلاحات اقتصادية داخلية معينة مثل خصخصة القطاع العام، وفرض الضرائب. كما يحكي الكتاب كيف تواطأت البيروقراطيات المحلية  مع السياسة الأميركية في عدد كبير من الدول لتمرير مثل هذه الاتفاقيات. وبحسب بيركنز فإن أي سياسي في أي دولة يعارض هذه السياسات العالمية غالباً ما يتعرض للاغتيال. وهو عين ما جرى ما الرئيس المنتخب في مصر الدكتور محمد مرسي الذي كان يعارض سياسات الخصخصة وشروط صندوق النقد الدولي فجرى الانقلاب عليه في يوليو 2013م بعد عام واحد فقط من انتخابه، والزج به في السجن بتهم كيدية ملفقة، ثم اغتياله لاحقا في يونيو 2019م.

الغريب في الأمر أن هذه الوصفة التآمرية التخريبية تحتاج إلى حكومة عسكرية استبدادية حتى يتم تنفيذها وهو عين ما يجري في مصر تماما؛ فالسيسي يقود مصر نحو التدمير والخراب؛  والمؤسسة العسكرية هي من تحمي السيسي ونظامه حتى يكمل المخطط كما هو موضوع تماما.