عاد المناضل البرازيلي لولا دا سيلفا، 76 سنة، إلى رئاسة البرازيل بعد نحو 12 عامًا من مغادرته المنصب، وذلك بعد حصوله على 50.9% من أصوات المشاركين في جولة الإعادة بالانتخابات الرئاسية الأخيرة (أكتوبر 2022) التي جمعته بالرئيس اليميني المنتهية ولايته، جايير بولسونارو، 67 سنة. كان دا سيلفا حُبس في 2018 بعد اتهامات بالفساد، قبل إطلاق سراحه بعد أقل من سنتين. فيما أُلغي الحكم بحقه بعد إثبات عدم خضوعه لمحاكمة عادلة.
وفشل لولا دي سيلفا في انتخابين رئاسيتين عامي 1994 و1998، حيث احتلَّ في كلتا المرتين المركز الثاني بعد فيرناندو أنريك كاردوسو، لكنه في الانتخابات الرئاسية عام 2002، خفَّف لولا من حدة أجنداته اليسارية، وتبنَّى برنامجاً أكثر براجماتية، فعلى الرغم من أنه ظلَّ ملتزماً بتشجيع المشاركة الشعبية في العملية السياسية، إلا أنه قرَّب قادة الأعمال، ووعد بالعمل مع صندوق النقد الدولي لتحقيق الأهداف المالية. ونتيجة لهذه المقاربة البراجماتية، تمكَّن لولا من تحقيق انتصار ساحق على خوسيه سيرا، المرشح المدعوم من الحكومة، وذلك بعد فوزه بنسبة 61.5% من الأصوات.
في نهاية السنة الأولى من رئاسته (2002/2003) لم يشهد البرازيليون تغييرا يذكر في أوضاع البلاد؛ وشنت عليه وسائل الإعلام الموالية لليمين والحكومة السابقة الموالية لأمريكا هجوما ساحقا؛ وانتشر بين البرازيليين كاريكاتير لسيارة مفككة في كل اتجاه (في إشارة إلى البرازيل)، بينما يقف الرئيس وسط أجزائها المفككة عاجزا لا يقدر على شيء؛ في رسالة هجوم للتحقير من شأن الرئيس وفشله وعدم قدرته على حكم البلاد.
في العام التالي بدأت البلاد تشهد تحسنا طفيفا، حيث سعى دي سيلفا إلى تحسين الاقتصاد بدءا من سنة 2003، وسنِّ إصلاحات اجتماعية بما في ذلك برامج الرعاية الاجتماعية من قبيل مبادرة "بولسا فاميليا" التي ينسب لها الفضل في تحسين أوضاع نحو 11 مليون أسرة فقيرة في البرازيل. كما عمل لولا أيضاً على إنهاء الفساد الحكومي، وفي عام 2006، وعند اقتراب نهاية ولايته الأولى، كان الاقتصاد ينمو، وانخفض معدل الفقر في البلاد بشكل كبير. مع ذلك، شعر العديد من البرازيليين أنَّ لولا "لم يفعل ما يكفي لتحسين جودة التعليم العام أو للحد من الجريمة. علاوة على ذلك، فإنَّ تعهده بمحاربة الفساد الحكومي أصبح موضع شك في عام 2005، عندما اتُهم أعضاء من حزبه بالرشوة وتمويل الحملات الانتخابية بشكل غير قانوني".
وعلى الرغم من أنَّ الرئيس لم يكن متورطاً بشكل شخصي، إلا أنَّ الاتهامات أضرَّت بشعبيته، ففي الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية لعام 2006 فشل لولا في الحصول على عدد كافٍ من الأصوات للفوز، لكنه مع ذلك تمكَّن في الجولة الثانية من هزيمة خصمه جيرالدو ألكمين، من الحزب الديمقراطي الاجتماعي. ويبدو أنَّ هذه الشوائب لم تؤثر على التقييم العام لرئاسة لولا الذي أنهى فترتيه بنسب تأييد تقترب من 90%.
وفي تلخيص لإنجازات لولا خلال فترتيه الرئاسيتين، يقول ريتشارد بورن الذي كتب السيرة الذاتية للرئيس البرازيلي: "لقد جعل لولا البرازيل لاعباً مهماً على الساحة العالمية. كانت البرازيل (في عهده) دولة جادة ساعدت في إنشاء مجموعة العشرين، وأقامت علاقات مع دول بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا)، كما تم ترشيحها لإدارة منظمة التجارة العالمية، ومنظمة الأغذية والزراعة". أمَّا الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، فقد وصف في عام 2009 لولا بأنه "السياسي الأكثر شعبية على وجه الأرض"، وذلك بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.
اتهامات الفساد
على الرغم من هذه الإنجازات، إلا أنَّ الانتكاسات كانت في الأفق، فمع انتهاء فترته الثانية، وفي ظل العائق الدستوري الذي يمنعه من ترشيح نفسه لولاية ثالثة، قدم لولا وزيرة شؤون الرئاسة في حكومته ديلما روسيف، مرشحاً لمنصب الرئيس على أمل الاستمرار في سياساته الحكومية. وقد تمكنت روسيف بالفعل من الفوز بالمنصب في عام 2010 لتصبح أول سيدة تتولى الرئاسة في البرازيل. وعلى الرغم من فوز روسيف بفترة ثانية في 2014، إلا أن هذه الفترة شابتها "فضائح فساد"، بما في ذلك التحقيق الذي يعرف باسم عملية غسيل السيارات والذي كشف النقاب عن اتحاد شركات يدفع رشى لمسؤولين لتأمين عقود لشركة النفط المملوكة للدولة "بتروبراس". وأفضى هذا الكشف إلى إجراء عدة تحقيقات أحدثت هزة في اقتصاد البرازيل ونظامها السياسي، وأدت في النهاية إلى عزل روسيف في عام 2016.
وطالت الفضيحة لولا، حيث دهمت الشرطة في مارس 2016 منزله، قبل أن يتم اتهامه رسمياً بغسل الأموال وإخفاء ملكيته لشقة فاخرة على شاطئ البحر قيل إنه حصل عليها في مقابل المساعدة في الفوز بالعقود مع شركة "بتروبراس". ثم في يوليو 2017 وجَّه المدعي العام في البرازيل اتهامات للولا وروسيف وأعضاء من حزب العمال بتشكيل منظمة إجرامية. وقد قادت هذه الاتهامات إلى إدانة لولا، والحكم عليه بالسجن لمدة 12 عاماً، الأمر الذي حال بينه وبين الترشح في الانتخابات الرئاسية لعام 2018، رغم أنَّ الاستطلاعات كانت تظهر أنه السياسي الأكثر شعبية في البلاد. وعلى الرغم من أنَّ لولا رفض في البداية تسليم نفسه للسطات من أجل بدء محكوميته، وقرر الاعتصام في نقابة عمال الحديد بساو باولو حيث بدأ مسيرته السياسية، إلا أنه أعلن في أبريل 2018 تسليم نفسه للشرطة.
وفي نوفمبر 2019، أُطلق سراح لولا من السجن بقرار من المحكمة العليا، ثم في مارس 2021 حكم قاض في المحكمة ذاتها بأنَّ الرئيس السابق ما كان يجب أن يحاكم بتهمة الفساد الأمر الذي مهَّد الطريق أمام عودته للسياسة ليعلن حزب العمال في يوليو 2022 ترشيحه رسمياً للانتخابات الرئاسية في مواجهة اليميني جائير بولسونارو. والتي فاز بها لولا دي سيلفا بفارق طفيف.
والرئيس البرازيلي نشأ في أسرة فقيرة للغاية وينتمي إلى حزب العمال، ولم يحصل على التعليم بسبب فقه فلم يتجاوز الصف السادس الابتدائي، لكنه نشط بشدة في النقابة العمالية، وبرز كأحد رموز السياسة البرازيلية لقدرته الفائقة في التفاوض والإصرار عل حقوق العمال.
الخلاصة أنه من حسن حظ البرازيل أن جيشها ليس كالجيش المصري، وقادة الجيش ليسوا كقادة الجيش المصري الذين دبروا انقلابا دمويا على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر هو الرئيس الشهيد محمد مرسي الذي فاز بالرئاسة بإرادة الشعب الحرة في يونيو 2012م، وبعد سنة واحدة فقط تم الانقلاب عليه والزج به في السجن بتهم ملفقة حتى تم اغتياله في منتصف 2019م. لكن هذا السيناريو تقريبا كان هو البديل للرئيس مرسي حال لم يتم تنفيذ الانقلاب العسكري في يوليو 2013م.