قطر تستحوذ على 25% من فودافون مصر.. أسرار التقارب المصري القطري

- ‎فيتقارير

اتفقت حكومة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي مع الحكومة القطرية على استحواذ الدوحة على 25% من نصيب الحكومة المصرية في شركة "فوادافون مصر" وذلك خلال زيارة وفد الأعمال القطري إلى القاهرة، مؤخرا، ولم يتم الإعلان عن تفاصيل الاتفاق إلا بعد حسم باقي تفاصيل الصفقة.  وينقل موقع "مدى مصر" عن مصادر مطلعة على المفاوضات بين الجانبين أن مجموعة فودافون العالمية، المالكة لأغلبية أسهم الشركة، وافقت على صفقة البيع التي تنتظر الآن موافقة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لإتمام تنفيذها. جاء الاتفاق بعد رفض الجانب المصري العرض القطري المبدئي للاستحواذ على جميع أسهم مصر والبالغة 45%.

 

أرباح طائلة

وتعتبر شركة فودافون مصر من الشركات التي تحقق أرباحا طائلة؛ فقد جنت الحكومة نحو 1.5 مليار جنيه خلال ستة شهور فقط، رغم أنها  تمتلك 45% فقط من الأسهم؛ ما يعني أن الشركة تحقق أرباحا تزيد على ستة مليارات جنيه سنويا. تحصل الشركة البريطانية على أكثر من نصفها.

ويأتي التقدم الذي أحرزته المفاوضات على خلفية تحسن ملحوظ في العلاقات المصرية القطرية خلال الأشهر الماضية، تُوج بزيارة الجنرال السيسي إلى العاصمة القطرية أوائل سبتمبر الماضي (2022)، ما أسفر عن تفاهمات حول عدد من الملفات شملت دعمًا قطريًا اقتصاديًا لنظام السيسي، واستحواذات على حصص حكومية في عدد من الشركات المصرية. هذا التحسن يأتي مقابل توتر تشهده العلاقات المصرية الإماراتية بسبب إحساس متنامٍ بالسخط تجاه التنازلات التي أُجبرت مصر على تقديمها للإمارات مقابل الدعم الاقتصادي.

وينقل التقرير عن مصادر مصرية مطلعة أن تقديرات الموقف داخل أجهزة الدولة المصرية تفضل السماح بالاستثمار القطري على الاستثمار الإماراتي؛ وتحقيق تعاون قطري-مصري في مجالات المصلحة المتبادلة للسياسات الخارجية، لمقاومة النفوذ الإماراتي.

وحسب التقرير نقلا عن هذه المصادر فإن المفاوضات مع قطر لا تزال جارية بخصوص صفقات استحواذ أخرى لشركات مدرجة بالبورصة، من بينها الشرقية للدخان، والإسكندرية لتداول الحاويات، ومدينة الإنتاج الإعلامي، والتي سبق واستحوذت السعودية والإمارات على أسهم في بعضها، ومن المنتظر أن يتم الانتهاء من هذه الصفقات قبل نهاية العام الجاري.

وهناك مفاوضات مشتركة بين الطرفين بشأن النسبة التي يمكن لقطر الاستحواذ عليها من «الشرقية للدخان»، إذ طلبت قطر شراء جميع أسهم الحكومة في الشركة (والتي تتجاوز 50% من الشركة)، لكن حكومة السيسي أصرت على ألا تتجاوز الحصة 20-25%.

وينقل التقرير عن مصدر حكومي بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، أن جهاز قطر للاستثمار يستهدف كذلك إنشاء مشروع للهيدروجين الأخضر في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ضمن الاستثمارات القطرية المرتقب دخولها إلى مصر. وحسب التقرير فإن  التأخير في إتمام الصفقات يرجع إلى عدم استقرار سعر صرف الجنيه المصري، إلى جانب الخلافات حول حجم الأسهم التي يحصل عليها الجانب القطري في الشركات المختلفة، وهو الأمر الذي عالجته حكومة السيسي بعد تحريرها سعر صرف الجنيه، الخميس (27 أكتوبر 2022)، لتنخفض قيمته إلى أكثر من 24 جنيه للدولار، ضمن التزاماتها للحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي.

ويقدر حجم الاستثمارات القطرية التي ترغب مصر في اجتذابها ضمن المفاوضات بـ15 مليار دولار قبل نهاية العام الحالي. ويرتبط سعي حكومة السيسي لتسريع وتيرة طرح أصولها أمام الصناديق السيادية الخليجية عمومًا، بتأسيس صندوق ما قبل الطروحات التابع للصندوق السيادي، والذي يختص بإعادة هيكلة الأصول المملوكة للدولة وطرحها على القطاع الخاص، بحسب قرار تأسيسه الصادر في سبتمبر الماضي (2022).

 

لماذا لجأ السيسي إلى قطر؟

بحسب محللين ومراقبين فإن المحفز الأهم لانفتاح العلاقات المصرية القطرية هو الأزمة الاقتصادية التي تواجهها مصر إثر صدمات متتالية، من انتشار جائحة كورونا إلى غزو روسيا لأوكرانيا، فهروب نحو 22 مليار دولار في النصف الأول من 2022، من مستثمري سوق السندات المصرية  (الأموال الساخنة)؛ مما أدى إلى فرض ضغط كبير على وضع مصر المالي، والتي تواجه التزامًا بدفع 18 مليار دولار أمريكي للديون في الربعين الأخيرين من 2022. وفي الوقت ذاته، تضاعفت تكلفة الواردات المصرية بجنون إثر موجة التضخم العالمية، ودفعت كل تلك العوامل وضعت مصر في أزمة حادة في أرصدتها من العملة الأجنبية.

لجأت حكومة السيسي إلى عدة قنوات لمحاولة إيجاد مخرج من الأزمة الاقتصادية وتداعياتها السياسية، كان أولها الانخراط في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي انتهت بالاتفاق على تقديم قرض بقيمة 3 مليارات دولار فقط. بالتزامن مع مفاوضات صندوق النقد، سعى السيسي إلى استمالة الاستثمار الخليجي، في ظل إحساس متنامٍ بالسخط تجاه التنازلات التي أُجبرت مصر على تقديمها لأحد حلفائها الرئيسيين، وهي الإمارات العربية المتحدة، وذلك من أجل ضمان دعم اقتصادي حيوي. أحد المصادر وصف أنشطة الإمارات في مصر بـ«الكفالة» أكثر من كونها «استثمار أجنبي». بالنسبة للحكومة، تقول المصادر ــ حسب مدى مصر ـ  إنه من مصلحة مصر أن تسمح بالاستثمار القطري، وتحقيق تعاون قطري-مصري في مجالات المصلحة المتبادلة للسياسات الخارجية، لمقاومة النفوذ الإماراتي.

ينبع السخط على الإمارات من رفضها هذه المرة توفير الدعم غير المشروط، والذي اعتمدت عليه مصر منذ 2013، حين ساهمت الودائع الخليجية في البنك المركزي المصري بدور محوري في دعم مخزون العملة الأجنبية واستقرار قيمة العملة المحلية بين 2013و2014. خلال هذه المدة، تلقت حكومة الانقلاب تدفقات نقدية هائلة من الخليج، حيث قدمت المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت ودائع بقيمة 24 مليار دولار لمصر، بالإضافة إلى منح نقدية وعينية وأموال دعم للمشاريع. وخلال مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري في مارس 2015، قدم مجلس التعاون لدول الخليج 12.5 مليار دولار أمريكي إضافية. ولكن على مر الأعوام، تراجعت الودائع الخليجية تدريجيًا، حتى وصلت الودائع المتبقية في البنك المركزي إلى 15 مليار دولار فقط في نهاية عام 2021. وبحسب البيانات الصادرة عن البنك المركزي في نهاية أغسطس الماضي (2022)، حصلت مصر على ثلاثة مليارات دولار من قطر في صورة ودائع قصيرة المدى، بالإضافة إلى أخرى بقيمة عشرة مليارات دولار من المملكة العربية السعودية والإمارات خلال الربع الأول من 2022، دون تحديد مواعيد سدادها.

على كل حال، «فقد المقرضون “التقليديون” اهتمامهم بتقديم النجدة بالأساليب القديمة من تقديم المعونات أو توفير الاحتياطيات»، كما يقول مسؤول حكومي. «ما يسعون إليه الآن هو شراء الأصول الاستراتيجية. المشكلة هنا أنهم يقومون بشراء نوع المشاريع المربحة التي كان يتوجب على الحكومة نفسها أن تطورها وتوسعها. ولكن واقعيًا، مصر ليس لديها فرصة في احتواء أزمة الديون إلا بخسارة بعض من أفضل أصولها». فهذا يسمح لنظام السيسي بالحصول على سيولة ضرورية لخدمة الديون. وثانيًا، سيساعد في دعم «الاحتياطي الحقيقي» في البنك المركزي. ويشترط «صندوق النقد» في المعتاد وجود طرف ثالث غير رسمي في اتفاقيات القروض مع «القاهرة»، كضامن يحول نسبة من القيمة الكلية للقرض لمصر. ولعبت الإمارات دور الضامن في قروض عامي 2016 و2020، إلا أنها رفضت القيام بهذا الدور في مشاورات القرض الحالي، ما دفع مصر إلى التماس ذلك من المملكة السعودية والكويت، واللذان رفضا أيضًا، بحسب مصدرين حكوميين. والأسوأ من ذلك، بحسب المصدرين، أن الإمارات ضغطت على صندوق النقد الدولي لاتخاذ موقف حازم في المشاورات حيال انخراط الجيش في الاقتصاد، والإصرار على تحرير سعر صرف قيمة الجنيه المصري كليًا. وهو ما يثير سخط القاهرة على أبو ظبي ويسهم في التقرب أكثر من الدوحة.