كم من العار والهوان لحق بالنيابة والقضاء في عهد السفاح السيسي؟
باتت المنظمات الحقوقية والأفراد سواء داخل مصر أو خارجها يناشدون السفاح السيسي إطلاق سراح سجناء الرأي والمحبوسين احتياطيا ، بينما لا أحد يخاطب النائب العام، بل يعتبرونه غير ذي صفة ، وأنه "شرابة خرج" ، أو ديكور ، أو عبد مأمور ، ينفذ أوامر الجنرال السجان.
وفي قناعة المصريين أن القضاء الذي يختص بالعدل لا يوجد في بلادهم، أما ما يوجد فهو "قضاء الحاجة" الذي يقضي فيه العسكر حاجتهم وكأنه مرحاض ليس أكثر، وتقدر منظمات حقوقية أن نحو 60 ألف سجين سياسي محتجزون في سجون الانقلاب، وفي حملة قمع مستمرة ضد المعارضة منذ استيلاء السفاح السيسي على السلطة في انقلاب عام 2013.
سجون السفاح
نجح الانقلاب العسكري في تدمير المقولة الشهيرة بأن "القضاء معصوب العينين"، وأصبح القضاء منذ انقلاب السفاح السيسي في 3 يوليو 2013، أداة سياسية "بحتة" في يده، يبطش من خلالها وينكل بأي فصيل معارض، بدءاً من جماعة "الإخوان المسلمين"، مروراً برفاقهم من ناشطي الميادين، وأخيراً بكل ما يتعلق بثورة 25 يناير، برموزها والمشاركين فيها، في الوقت الذي يوزع فيه "صكوك" البراءة على جميع رموز نظام المخلوع مبارك.
ولا يمكن تقديم ملخص موجز لسجل مصر المؤسف في مجال حقوق الإنسان في عهد السفاح السيسي أفضل مما جاء في “مذكرة التسويغ” المصاحبة لإلغاء وزير الخارجية الأمريكي السابق “مايك بومبيو” القيود المفروضة على التمويل العسكري الأمريكي لمصر لأسباب تتعلق بحقوق الإنسان، إذ ذكرت أن ” المناخ العام لحقوق الإنسان في مصر يواصل التدهور”، ثم ذكرت بعدها الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتعذيب والوفاة أثناء الاحتجاز، وكذلك القيود المتزايدة على حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات والحق في التجمع السلمي.
من جهته قال مصطفى عزب، المدير الإقليمي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا، إنه لا يمكن الوقوف على الأعداد الحقيقية للمعتقلين في سجون السفاح السيسي دون وثائق رسمية.
لكن بالعودة إلى تصريحات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية في حكومة الانقلاب نجد أن مساعد الوزير لشؤون "حقوق الإنسان" قال في تصريح رسمي إن التكدس داخل السجون بلغ 160% من القدرة الاستيعابية لهذه السجون وأن التكدس داخل مراكز الاحتجاز في أقسام ومراكز الشرطة بلغ 400 % من السعة الاستيعابية لهذه المقار.
وأضاف عزب، في حواره مع برنامج "المسائية" على قناة الجزيرة مباشر، أن مصر بها ما يقرب من 382 قسم ومركز شرطة وكان يبلغ عدد السجون حينئذ 42 سجنا، وبحساب القدرة الاستيعابية لهذه السجون مع تصريحات مساعد وزير الداخلية، مع حتى الأرقام التي تعترف بها وسائل الإعلام التابعة للانقلاب يوميا بالرصد الكمي الذي يمكن رصده من حالات الاعتقالات ويعلن عنها في وسائل الإعلام الرسمية يعطينا هذا الرقم بشكل تقريبي.
وأوضح أنه لا يمكن لدولة أن تستفيد من كثرة عدد السجون في الوقت الذي يدعو فيه العالم إلى تقليل عدد المحتجزين بسبب انتشار فيروس كورونا الذي يهدد البشري، حيث يواصل نظام السفاح السيسي تمديد حبس المعتقلين احتياطيا بشكل مستمر دون مراعاة أي ضوابط قانونية أو الوقوف على أدلة تشير إلى أن هؤلاء المتهمين يمثلون تهديدا للأمن العام.
وأشار إلى أن الانقلاب يستخدم الاعتقال التعسفي كما يستخدم القضاء الجهاز الشرطي كوسيلة قمعية لوأد المعارضة وسحق أي صوت انتقاد، حتى أصبح لا أحد يستطيع الحديث بأي كلمة على غير هوى النظام وأصبحت الرموز السياسية موجود داخل السجون ومنهم من كان منهم على وئام مع الانقلاب لفترة طويلة لكن لمجرد اختلافهم مع الانقلاب في موقف واحد تم اعتقاله.
عصا فرعون ..!
وفي الوقت الذي "يحن" فيه القضاء على مبارك ورموزه، رغم الأدلة الموثقة في قضايا قتل المتظاهرين والفساد المالي والإداري، يبدو الوضع مختلفاً تماماً مع المعارضين الذين استهدفهم القضاء بأحكام أجمع العالم على وصفها بأنها فضيحة غير مسبوقة، وصلت إلى أحكام جماعية بالإعدام صدرت بشكل صُوَري، وفي غضون دقائق، في قضية قطع طريق، بخلاف مئات الأحكام القضائية المختلفة ضد رافضي الانقلاب، تراوحت ما بين السجن المؤبد 25 سنة والسجن سنة.
ولم يسلم الناشطون الذين لا ينتمون لجماعة الإخوان أو تيار الإسلام السياسي، من "مفرمة" قضاء الانقلاب، فقد أصدرت محكمة جنح مستأنف عابدين، حكمها برفض الاستئناف المقدم من مؤسس حركة 6 أبريل أحمد ماهر، والناشطين السياسيين أحمد دومة ومحمد عادل، على الأحكام الصادرة ضدهم بالحبس 3 سنوات لكل منهم وغرامة 50 ألف جنيه، وأيدت هذا الحكم في سادس جلسات النظر في القضية.
كما أصدرت محكمة جنايات القاهرة، حكماً بمعاقبة الناشط علاء عبد الفتاح و24 متهماً آخرين، بالسجن المشدد لمدة 15 عاماً، وتغريم كل منهم مبلغاً وقدره 100 ألف جنيه، ووضعهم تحت المراقبة الشرطية لمدة 5 سنوات من تاريخ صدور الحكم، إثر إدانتهم في قضية مزعومة بالتجمهر والدعوة للتظاهر والتعدي على الأشخاص والممتلكات العامة وقطع الطريق والتعدي على ضابط شرطة.
وكانت الحريات هي أهم ضحايا الانقلاب العسكري، فمنذ اللحظة الأولى أغلقت جميع القنوات المعارضة للانقلاب، واعتقل الصحفيون والإعلاميون والمراسلون، واستشهد نحو 16 صحفياً ومراسلا ومصوراً، فيما لا يزال 39 إعلامياً خلف القضبان على ذمة قضايا مختلفة.
وعمد السفاح السيسي إلى إشراك السلطة القضائية في مصر في صراعه السياسي، ظنًا من قيادة الجيش أن هذا الأسلوب سوف يضفي شرعية على الانقلاب العسكري ؛ ففي يوم 3 يوليو 2013 أعلن السفاح السيسي، تعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيسًا للبلاد وكلّفه بأداء اليمين قبل توليه المنصب أمام المحكمة الدستورية العليا.
وفي صباح يوم 4 يوليو 2013 اجتمعت المحكمة الدستورية العليا بكامل قضاتها في أجواء احتفالية؛ فأدى المستشار عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية العليا، اليمين القانونية لتولي منصب رئيس الجمهورية؛ فجعل هذا الإجراء القضاء المصري طرفًا أصيلاً في الصراع السياسي؛ وهو ما أثّر بشكل سلبي على أداء العمل في منظومة العدالة في مصر بصفة عامة؛ ذلك أن القاضي الذي تُعرض عليه قضية ضد ما قام به قادة الجيش في مصر من انقلاب على السلطة الحاكمة، كيف يستطيع أن يحكم في مطابقة تلك الإجراءات للدستور أو مخالفتها له إذا كانت هذه السلطة الجديدة أوصلت رئيس المحكمة الدستورية العليا إلى سدة الحكم؟