لا جدال في حق الناشط السياسي علاء عبدالفتاح في الحرية؛ ولا ينكر التضامن معه وحقه في الحرية وسط أسرته وأهله وأصدقائه إلا كل معدوم الإنسانية؛ لكن أن يتوقف هذا التضامن، كما تفعل حكومات الغرب حاليا، عند علاء عبدالفتاح أو مع نفر قليل من المعتقلين السياسيين في سجون الدكتاتور عبدالفتاح السيسي بناء على تصنيف أيديولوجي دون غيرهم من عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين في مصر؛ فإن هذه أيضا جريمة لا يمكن التغافل عنها أو تجاهلها لأنها تكرس نزعة التمييز والعنصرية حيال حالات إنسانية متشابهة.
من المؤسف أن هناك نحو سبعين ألف معتقل سياسي في مصر بينهم وزراء ونواب برلمان سابقون انتخبهم الشعب المصري بإرادته الحرة ليمثلوه فجرى الانقلاب على المؤسسات المنتخبة واعتقال نواب الشعب وأعضاء الحكومة المنتخبة؛ لكن الحكومات الغربية وبعض المنظمات الدولية الحقوقية تسلط الضوء على حالة الناشط السياسي علاء عبدالفتاح إلى جانب عدد محدود من المعتقلين السياسيين دون غيرهم؛ ورغم الإيمان بحق عبدالفتاح ورفاقه في الحرية وممارسة حقوقهم السياسية والمدنية إلا أن التركيز على حالات معينة قد ينسف المبادئ الأخلاقية التي يرتكز عليها العمل الحقوقي والإنساني. كما أن عشرات الآلاف من المعتقلين ظلما سينظرون إلى تجاهل هذه المؤسسات لمعاناتهم رغم دورها المشكور على أنها تمارس الدفاع عن حقوق الإنسان بانتقائية غير مبررة.
إزاء ذلك لا يمكن بأي حال القبول بالموقف الغربي الذي يتعامل بمنطق التمييز والعنصرية في تعاطيه مع الحالات الإنسانية في سجون النظام العسكري الذي جيء به بدعم غربي واسع وتمويل خليجي سخي؛ إذ كيف يمكن القبول بهذا السلوك الانتقائي والذي يتعامل بازدواجية رغم أن هناك 35 معتقلا سياسيا قتلوا بالإهمال الطبي في سجون السيسي خلال الشهور الماضية من سنة 2022؟!
آخر هذه الحالات هي وفاة السجين السياسي مجدي الشبراوي بسجن بدر، أمس الثلاثاء 15 نوفمبر، بالإهمال الطبي القاتل، وقبله بيوم واحد وفاة شعبان محمد سيد الخولي، مدرس بوزارة التربية والتعليم، من مركز مطاي محافظة المنيا، 56 سنة، بسجن القناطر رجال، يوم الإثنين 14 نوفمبر 2022م بسبب تدني الرعاية الطبية والصحية، حسب الشبكة المصرية لحقوق الإنسان. وحالة “الشبراوي” هي الثالثة خلال شهر نوفمبر الجاري (2022)؛ حيث سبقه و”الخولي” السجين السياسي علاء محمد عبد الغني السلمي، 47 سنة، من القباري غربي الإسكندرية ، في سجن بدر 3 أول الشهر الجاري، بعد شهرين من دخوله في إضراب كامل عن الطعام احتجاجًا على ظروف الحبس «غير الإنسانية» و«غير القانونية»، كما تعتبر الحالة 33 خلال العام الجاري، ولم يتلق السلمي خلال شهري إضرابه عن الطعام أي رعاية طبية أو متابعة من إدارة سجن بدر 3، وفقد عشرات الكيلوجرامات من وزنه، ما أدى إلى وفاته. ومنذ اعتقاله في سبتمبر 2014م حتى وفاته يتعرض لانتهاكات وحشية ولم يسمح لذويه بزيارته منذ سنة 2017م. وحتى بعد نقله لـ«بدر 3»، وبينما مُنعت عنه الزيارة، ظلت مقتصرة على تسليم بعض الطعام والنقود، في ما يُعرف بـ«الطبلية».
ومنذ احتجازهم قبل سنوات، عانى المحتجزون في سجن العقرب من حرمانهم من حقوقهم التي يكفلها لهم القانون، بما فيها الحق في التريض، والزيارة، والسماح بدخول الأدوية والطعام والملابس وأدوات العناية الشخصية، حسب أهالي المعتقلين. وعندما تم نقلهم إلى سجن بدر مؤخرا في منتصف 2022م استمرت هذه السياسات؛ حيث لا تزال دارة مركز الإصلاح والتأهيل في بدر ترفض السماح للسجناء السياسيين ذوي الخلفية الإسلامية بالتريض، ولا تسمح لهم بالزيارات الدورية والاستثنائية، كما ترفض تمامًا حصولهم على الطعام والكتب والملابس والأغطية وأدوات العناية الشخصية، كما تحرمهم من حقهم في إرسال واستقبال خطابات من أهاليهم، على الرغم من أن القانون يكفلها لهم كحقوق أساسية.
35 شهيدا في 2022م
وتوفي سجينان في أكتوبر، وتوفي 4 مواطنين في سبتمبر الماضي، نتيجة الإهمال الطبي المتعمد. وفي أغسطس الماضي، فارق الحياة ستة سجناء في السجون ومقارّ الاحتجاز المختلفة، وسبعة في يوليو الماضي. وتوفي المعتقل إبراهيم سليمان عيد، من محافظة شمال سيناء، في سجن المنيا، في 8 يونيو الماضي. وفي مايو الماضي، توفي ستة مواطنين في السجون ومقار الاحتجاز المختلفة، وثلاثة مواطنين في إبريل الماضي. بينما توفي ثلاثة سجناء في السجون المصرية في فبراير الماضي، وتوفي اثنان في يناير 2022، في السجون ومقار الاحتجاز الرسمية.
774 شهيدا بالإهمال الطبي في 7 سنوات
وفي عام 2021 تُوفي 60 محتجزاً داخل السجون المصرية حسبما وثقت منظمة “نحن نسجل” في إحصائها السنوي، مقسمين إلى 52 ضحية من السجناء السياسيين، و8 جنائيين، بينهم 6 أطفال. بينما شهد عام 2020 وفاة 73 مواطناً نتيجة الإهمال الطبي في السجون ومقار الاحتجاز المختلفة في مصر. وفي 2019 شهد 40 حالة وفاة بالإهمال الطبي في السجون، و36 وفاة في 2018، و80 وفاة في 2017، و121 حالة وفاة في 2016، ثم 185 حالة وفاة في 2015، و166 وفاة في 2014، و73 حالة وفاة في 2013م.
هذه الأرقام والحقائق تؤكد أن الإهمال الطبي الحاد في سجون السيسي يتخطى كل المواثيق القانونية والحقوقية، علماً أن المادة 18 من الدستور تنص أنه “من حق كل مواطن الحصول على رعاية صحية متكاملة وفقاً لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التي تقدم خدماتها إلى الشعب ودعمها، والعمل لرفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي العادل”. أما البند رقم 24 من القواعد النموذجية للأمم المتحدة الخاصة بمعاملة السجناء والمعروفة بـ “قواعد نلسون مانديلا (السياسي المناهض لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا الذي اعتقل 27 عاماً قبل أن يحرر ويتولى منصب رئيس بلاده بين عامي 1994 و1999)”، فتفيد بأنّ “الدولة تتولى مسؤولية توفير الرعاية الصحية المناسبة للسجناء الذين يجب أن يحصلوا على نفس مستوى الرعاية الصحية المتاحة في المجتمع، ويملكوا حق الحصول على الخدمات الصحية الضرورية مجاناً، ومن دون تمييز استنادا إلى وضعهم القانوني”. أيضاً ينص البند 27 من “قواعد نلسون مانديلا” على “ضرورة أن “تكفل كل السجون الحصول فورا على رعاية طبية في الحالات العاجلة. أما السجناء الذين تتطلَّب حالاتهم عناية متخصصة أو جراحة فينقلون إلى مؤسسات صحية أو مستشفيات مدنية”.