السيسي يناقش الجيش حول خصخصة شركتي “وطنية” و”صافي”.. قراءة هامشية

- ‎فيتقارير

اجتمع الجنرال عبدالفتاح السيسي الثلاثاء 15 نوفمبر 2022، برئيس هيئة الشئون المالية للقوات المسلح ومدير جهاز مشروعات الخدمة الوطنية،  ورئيس مجلس  إدارة شركة الوطنية للبترول، ورئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية لإنتاج وتعبئة المياه الطبيعية «صافي»؛ وذلك لمناقشة طرح شركتي وطنية وصافي في البورصة.

وحسب بيان المتحدث باسم الرئاسة  جاء الاجتماع على خلفية بدء الإجراءات تمهيدًا لطرح حصص شركات تابعة للقوات المسلحة في البورصة، خاصةً شركتيّ «الوطنية» و«صافي»، بهدف توسيع قاعدة ملكيتها وجذب استثمارات القطاع الخاص، ولم يأت البيان على ذكر شركات أخرى.

 

مواقف متناقضة

وكان السيسي في الجلسة الختامية لـ«المؤتمر الاقتصادي.. مصر 2022»، الذي أقيم في فندق الماسة التابع للجيش في العاصمة الإدارية الجديدة بين الأحد 23 أكتوبر والثلاثاء 25 أكتوبر، أكد أن شركات الدولة مطروحة للقطاع الخاص بما فيها شركات الجيش؛ وقال الجنرال نصا: «أقول لكل الناس إن جميع شركات الدولة مطروحة للقطاع الخاص، بما فيها شركات الجيش، وهذه فرصة للكل، نحن نريد القطاع الخاص معنا في جميع المشروعات».

وبعد خمسة أيام فقط وفي 30 أكتوبر 2022، نفى المدير التنفيذي لصندوق مصر السيادي أيمن سليمان، عرض شركتي صافي ووطنية التابعتين للجيش للبيع. وقال سليمان في مقابلة مع قناة "العربية" السعودية إن الصندوق السيادي المصري اتفق مع  الصناديق السيادية السعودية والإماراتية على عدد من الاستثمارات في مجالات البنية التحتية والرعاية الصحية والخدمات المالية. وأشار إلى الانتهاء قريباً من إعادة هيكلة شركتي صافي ووطنية التابعتين لجهاز الخدمة الوطنية. لكنه كشف أن البورصة غير مواتية لطرح شركتي صافي ووطنية في خلال العام الحالي.

وكان أول تصريح حول خصخصة شركات تابعة للجيش على لسان السيسي نفسه -خلال افتتاح مصنعين تابعين لوزارة الإنتاج الحربي- في أكتوبر سنة 2019م. ثم في ديسمبر 2020 أعلنت وزيرة التخطيط هالة السعيد تسمية شركتي "وطنية" لبيع وتوزيع المنتجات البترولية، والشركة الوطنية للمشروعات الإنتاجية "صافي"، التابعتين لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للجيش، تمهيدا للطرح بالبورصة؛ لكن الأمر ينتهي عادة إلى التأجيل؛ ما يفسره البعض بأن الجيش غير متحمس لهذه السياسات.

هذه الخطوة (طرح بعض شركات الجيش في البورصة) جرى تفسيرها بأمرين:

  • الأول، أنها إذعان من جانب النظام لشروط صندوق النقد الدولي الذي يطالب بتخفيف وجود المؤسسات الحكومية -خاصة الجيش- في النشاط الاقتصادي.
  • الثاني، أنها محاولة لحفظ سمعة القوات المسلحة من الانتقادات التي تكررت مؤخرا على الصعيد الاقتصادي، بدخوله منافسة غير عادلة مع القطاع الخاص.

وكانت وكالة "بلومبيرج" (Bloomberg) الأميركية، أشارت في يونيو2021، إلى تنافس بين شركة من الإمارات وأخرى سعودية للفوز بعقد استثماري في أول شركة مصرية مملوكة للجيش تُعرض على المستثمرين. وأوضحت الوكالة أن الشركة التي ستفوز في المزايدة، ستشترك مع صندوق الثروة السيادي المصري في الحصول على ملكية مشتركة كاملة لشركة "الوطنية" للبترول. ووفق بلومبيرغ، فإن شركة "بترومين" (Petromin) وشركة "بترول الإمارات" الوطنية -المملوكة بالكامل لحكومة دبي- وشركة "أدنوك" (Adnoc) التي تضخ تقريبا كل النفط في دولة الإمارات وتعد ثالث أكبر منتج للنفط بمنظمة أوبك، وشركة الطاقة العربية، وهي شركة مصرية خاصة لتوزيع الطاقة؛ دخلت كلها في سباق مزايدة كان من المُتوقع أن ينتهى قبل نهاية 2021م.  لكن شيئا من ذلك لم يحدث رغم مرور ثلاث سنوات على إعلان السيسي طرح شركات تابعة للجيش في البورصة؛ وهو ما يجري تفسيره بأنه تعبير عن رفض المؤسسة العسكرية التفريط في هذه الشركات المربحة للغاية.

 

بداية طروحات السيسي للخصخصة

وأعلنت حكومة السيسي منذ 2017 عن نيتها طرح حصص بشركات تابعة للحكومة في البورصة كانت تستهدف آنذاك حصيلة بقيمة عشرة مليارات دولار خلال مدة أقصاها خمس سنوات. وفي مارس 2018 أعلنت وزارة المالية عن برنامج الطروحات الحكومية الذي يتضمن 23 شركة، مقيدة وغير مقيدة، سيتم طرحها أو طرح حصص إضافية منها خلال عامين ونصف على أقصى تقدير. خلال خمس سنوات من برنامج الطروحات الحكومية المليء بترشيحات لشركات حكومية، وكذلك لشركات تابعة للقوات المسلحة وتحديدًا «وطنية» و«صافي»، كل ما أمكن تنفيذه كان فقط طرح حصة صغيرة من شركة الشرقية للدخان في 2019، ثم طرح شركة «اي فينانس» المتخصصة في التكنولوجيا المالية في الربع الأخير من العام الماضي.

واليوم قد يجد السيسي نفسه مضطرا إلى  المزيد من الضغط على المؤسسة العسكرية من أجل إنجاح برنامج الطروحات الحكومية الذي بات أكثر إلحاحا؛ لضمان دخول تدفقات دولارية تخفف من حدة اﻷزمة الاقتصادية التي أحدثتها الحرب الروسية الأوكرانية، وموجة التضخم التي ضربت العالم ودفعت البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة، وما تلى ذلك من خروج مليارات الدولارات من مصر، والذي أسفر عن وضع البلاد في أزمة، خاصة في ظل مستويات دين خارجي مرتفعة واستحقاقات سنوية كبيرة. وبينما كانت الحكومة تعول على مواجهة الأزمة من خلال عقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي، إلا أن ما أسفر عنه الاتفاق – 3 مليارات دولار- كان دون مستويات الحاجة الحقيقية للسيولة الدولارية. من ناحية أخرى، باتت حكومة السيسي تواجه صعوبات متنامية في الوصول إلى سوق السندات (الأموال الساخنة)، أهم مصدر للديون المقومة بالدولار على وجه الخصوص، بسبب عزوف المستثمرين عن السندات المصرية التي باتت أقل جاذبية مقارنة بالسندات الأمريكية مرتفعة العائد، إلى جانب تشاؤم وكالات التصنيف الائتماني في نظرتها المستقبلية لمصر.

وكان نظام السيسي قد اتفق مع صندوق النقد الدولي الخميس 27 أكتوبر 2022م على قرض بقيمة 3 مليارات دولار مع تسهيل الحصول على قروض أخرى بنحو  6 مليارات دولار من مؤسسات تمويل أخرى. ورغم ضآلة القرض إلا أن الصندوق وضع شروطه الخاصة: وأبرزها  تحرير سعر صرف الجنيه بشكل كامل، وقد أذعن النظام للشرط الأول وقام بتحرير سعر الصرف فعليا  مرتين في سنة 2022م؛ الأولى كانت في مارس والثانية في أكتوبر، بخلاف (التعويم بالتنقيط) الذي استمر عدة شهور بين التعويمين حتى انخفض الجنيه من 15.7 في مارس إلى 24.30 في نوفمبر 2022م، بنسبة تراجع تصل إلى 53%! ثاني الشروط، هو (الخصخصة)، وتخارج الدولة من إدارة عدة قطاعات اقتصادية حيوية وحساسة؛ وأبرزها خصخصة بعض شركات الجيش. ثالث الشروط، تقليص الدعم، وهو ما  أذعن له السيسي بطريقة التفافية ؛ فتحرير سعر الصرف سوف يفضي تلقائيا إلى تآكل مخصصات الدعم مقارنة بحجم مصروفات الموازنة أو إيرادتها. ولاننسى أن الحكومة كانت قد رفعت أسعار سلع التموين على البطاقات المدعمة أربع مرات في سنة 2022م (يناير ـ مارس ـ إبريل ـ سبتمبر)؛ بمعنى أن سلع التموين المدعم ارتفعت بنسبة 50% عما كانت عليه السنة الماضية  "2021" مع ثبات قيمة الدعم عند 50 جنيهاً لأول 4 أفراد مقيدين على البطاقة، و25 جنيهاً للفرد الخامس. علاوة على ذلك فإن الأرقام الرسمية تؤكد أن حجم الدعم (90 مليارا لدعم الخبز والغذاء) يمثل 2.9% فقط من حجم إنفاق الموازنة المصرية والبالغ ثلاثة تريليونات و66 مليار جنيه.