«10» سنوات من التوظيف السياسي للكنيسة.. تواضروس يحتفل بذكرى تنصيبه بطريركا

- ‎فيتقارير

احتفلت الكنيسة الأرثوذكسية بالعيد العاشر لتنصيب البابا تواضروس الثاني بطريركا على رأس الكنيسة المصرية؛ خلفا للبابا شنودة الثالثومنذ تنصيبه في 18 نوفمبر 2012 بعد أربعة شهور فقط من انتخاب الرئيس الشهيد محمد مرسي رئيسا للجمهورية بإرادة الشعب الحرة لأول مرة في تاريخ البلاد؛ أظهر البابا الجديد (رقم 118 حسب رواية  الكنيسة) عداء سافرا  للرئيس المنتخب توجه بالمشاركة الكثيفة في مشهد الانقلاب في 30 يونيو ثم بيان 3 يوليو.

برهنت مواقف الكنيسة وتصريحات البابا عن دعمها المطلق للدكتاتورية، ورفضها المطلق لتحكيم الشريعة الإسلامية على المسلمين وتفضيل العلمانية في مصر رغم أن الكنيسة تعادي العلمانية من الأساس، لكن في مجتمع مسلم كمصر تفضل الكنيسة نظاما علمانيا خاليا من أي نزعة إسلامية. كما برهنت مواقف الكنيسة على مباركتها المطلقة لذبح المسلمين الداعين إلى تحكيم الشريعة ودعم أي سلطة ما داما تتخذ موقفا عدائيا من الإسلاميين وتقصيهم من المشهد السياسي. ولعل المدح المتواصل من الكنيسة للسيسي هو تعبير عن حجم الكراهية للإسلاميين أكثر منه حبا في السيسي نفسه.

ونرصد في هذا التقرير بعض محطات الكنيسة  ودورها السياسي في وأد تجربة مصرة الثورية والديمقراطية.

 

افتعال الفتنة الطائفية

قبل الانقلاب بأسابيع، كثفت القنوات التابعة للكنيسة بث تقارير مفبركة أسهمت في تسميم الأجواء سوافتعال الفتنة الطائفية، حتى تقدم المحامي القبطي إميل فهيم غطاس بالدعوى رقم 54034 لسنة 67 قضائية، أمام القضاء الإداري للمطالبة بوقف بث قناة الكنسية «CTV»، وقصر البث على البرامج الدينية والقداس والصلوات فقط. واختصم في دعواه الممثل القانوني للقناة المختصمة بصفته، وبرر مطلبه بأن القناة بثت شائعات حول احتراق كنيسة مارجرجس ببلدة «سرسنا»، التابعة لمركز طامية بالفيوم، وهو ما وصفه بـ«أخبار بعيدة كل البعد عن الواقع». وفي مايو 2013، غازل البابا الجيش، مؤكدا خلال حواره مع مجلة «النصر»، الخميس 22 مايو، أن القوات المسلحة “ضمير  الشعب”، وصمام الأمان للمجتمع الذي نضع فيه كل الرجاء قائلاً «إن هذه المؤسسة العسكرية لم تتلوث بأفكار التطرف أو التمرد أو الذاتية، ولها الدور الرئيسي للدفاع عن الوطن ضد أي عدو خارجي». وأعرب عن تخوفه من إقامة الدولة على أساس ديني، مشيرا إلى أن «المجتمع المصري يرفض الشكل الديني للدولة ، وما قام به محمد على الكبير منذ نحو مائتي عام ، كان بناء دولة عصرية مدنية متحضرة قامت على التعددية». مغازلة البابا للجيش قابلها انتقاد حاد للنظام السياسي ممثلا في الرئيس والحكومة.

 

المشاركة في 30 يونيو

وكانت حشود الكنيسة في 30 يونيو هي الأكبر على الإطلاق بين كل المشاركين، وقد تم اختيار يوم 30 يونيو خصيصا من جانب المخططين للانقلاب لأنه يوم أحد (Sunday) حيث يكون  غالبية الأقباط في الكنائس، على عكس ثورة يناير التي كانت تنطلق من المساجد كل جمعة،  ومع انتهاء صلوات الأقباط  ظهرا ثم نقلهم  بآلاف السيارات والباصات إلى ميدان التحرير؛ واللقطات المرصودة من الميدان في هذا اليوم تؤكد على ذلك. والكنيسة نفسها تتباهى حتى اليوم بذلك.

 

دعم طلق لخريطة طريق الانقلاب

ثم أيدت جميع خطوات خارطة الطريق التي أعلنها السيسي بإسقاط دستور الثورة وسن دستور جديد بلجنة تأسيسية معينة، حيث تم حذف المواد التي تزعج الكنيسة المتعلقة بمرجعية الشريعة الإسلامية من مواده؛ حيث اشترطت الكنيسة الأرثوذكسية، شروطًا لقبول تعديلات لجنة  الخمسين التي عينها الجيش على دستور 2012، والدعوة بالتصويت لصالحها، وهي عدم وجود المادة 219 المفسرة لمادة الشريعة الإسلامية أو بديل عنها، وآلية معينة لتمثيل الأقباط والشباب والمرأة بالبرلمان، وتسهيل بناء الكنائس، وتجريم بث الفتنة فى المجتمع. ونُشر للبابا تواضروس مقال كبير في صحيفة الأهرام المصرية في عدد الإثنين 13 يناير ٢٠١٤م تحت عنوان “قل نعم تزيد النعم، يحثّ فيه المواطنين على التصويت بنعم على الدستور المعدّل. وعندما طلب من البابا أن يقود مبادرة مصالحة تشمل  جميع القوى السياسية، تهرب مدعيا أنه مجرد رجل دين قائلا: « حدودي وحدود عملي في الدين فقط، ولا أفهم في السياسة»! فالبابا يرى أن المشاركة في انقلاب على نظام منتخب والدعاية لبناء مؤسسات جديدة بدلا من المنتخبة هو عمل وطني لا سياسي، أما تقديم مبادرة من أجل مصالحة وطنية شاملة فهي عمل سياسي لا يتدخل فيها البابا لأنه مجرد رجل دين!!

 

التفويض بالذبح

وفي أعقاب خطاب السيسي الأربعاء 24 يوليو، حول التفويض؛ رحبت الكنيسة بالدعوة  على الفور، وعلّق القمص سرجيوس، وكيل بطريركية الأقباط الأرثوذكس، على كلمته التي طلب فيها التفويض بالقول إن «الكنيسة ترحب بدعوة السيسي التي جاءت في وقتها لإنهاء الإرهاب الذي يهدد مستقبل مصر»، مضيفا أن «كلمة (السيسي) جيدة جداً، لتأكيد نية الجيش الصادقة للقضاء علي الإرهاب»، مؤكدا: «نصلي من أجل سلام مصر وقيادتها».

 

مباركة المذابح

وفي مساء جمعة التفويض (26 يوليو)، شنت مليشيات السيسي من الجيش والشرطة  مدعومة بمئات البلطجية وأرباب السوابق غارة عدوانية على المعتصمين في ميدان رابعة من جهة شارع النصر؛ وأطلقوا الرصاص الحي والخرطوش والمولوتوف وقنابل الغاز المسيلة للدموع؛ ما أدى إلى مقتل أكثر من مائتين وجرح أكثر من (4000) وهي المذبحة التي استمرت نحو عشر ساعات. ومع  بشاعة الجريمة ووحشيتها خرج البابا تواضروس بتدوينة في نفس اليوم (السبت 27 يوليو) يقدم فيها الشكر للجيش والشرطة. وهي بالطبع تدوينة مفهومة أنه يعبر عن سعادته العارمة بذبح الإسلاميين أنصار الرئيس المنتخب. وهو ما تكرر في أعقاب مذابح رابعة والنهضة ومصطفى محمود وغيرها من المذابح.

 

تسويق الانقلاب

امتد دور الكنيسة إلى الدفاع عن الانقلاب وتسويقه دوليا باعتبار ما جرى ثورة لا انقلابا؛ وقد صرح البابا تواضروس في أحد لقاءاته التلفزيونية عن بغضه الشديد لحكم الرئيس مرسي والإسلاميين قائلا: «خلال فترة حكم الإخوان كان هناك شعور أن مصر تُسرق وأن هناك شىء غير طبيعى، ما حدث فى ثورة 30 يونيو كان أفضل ما يكون». وفي أعقاب الانقلاب راح البابا يوظف كل إمكانات الكنيسة وفروعها في العالم من أجل التواصل مع العالم الغربي والعمل على إقناعهم بأن ما حدث في مصر ثورة شعبية ضد الحكم الدينى، ساندتها القوات المسلحة، وليست انقلاباً على حكم مدنى ديمقراطى. استقبل البابا عشرات الوفود من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وغيرها. 

وفي مارس 2014، أجرت صحيفة “الوطن” الكويتية حوارا مع البابا؛ تبنى فيه  رواية الجيش ومؤسسات الدولة العميقة؛ وشن فيه هجوما حادا على ثورة يناير والربيع العربي حيث وصفه بالشتاء العربي الخبيث الذي دمر الأوطان، وأشاد فيه بالسيسي ووصفه بالمنقذ، كما أشاد بــ30 يونيو كثيرا قائلا: «لم يكن يوما عاديا للمصريين -مسلمين ومسيحيين- إذ ولد حالة إجماع وتلاحم رائع للتخلص من حكم الإخوان، وقال: “إن الراهبات كن يحملن العلم المصرى جنبا إلى جنب أخواتهن المحجبات في لحظة تاريخية فارقة في تاريخ الشعوب”. وزعم أن الإطاحة بمرسي وحكم الإخوان كان إجماعا بين المصريين؛ دون اعتبار لملايين المصريين المؤيدين للرئيس المنتخب والمسار الديمقراطي؛ ما يعني أن نظرة البابا للإسلاميين لا تمت لمبدأ المواطنة بصلة بل هم مجرد حشرات لا ضير من سحقها ولعل هذا ما يفسر التحريض و الدعم الهائل من الكنيسة لمذبحة رابعة وغيرها من المذابح الأخرى. كما اعترف بأن الكنيسة وقفت أمام الإعلام الغربي الذي زيف الحقائق على حد زعمه، وقال: “إن الكنيسة حرصت على إجلاء الحقائق لكل الوفود الغربية والأجنبية التي زارتها بعد تلك الأحداث”. وفي بيان الكنيسة يونيو 2020، وصفت الكنيسة الإخوان ونظام الرئيس الشهيد محمد مرسي بأعداء الوطن وقوى الظلام مشيدا بدور الجيش الذي حافظ على تماسك الدولة وحتى هوية الدولة المصرية.

الخلاصة أن مواقف الكنيسة تحت رئاسة تواضروس في السنوات العشر الماضية برهنت على انحيازها الدائم للقوى العلمانية على حساب الإسلاميين، كما برهنت على انحيازها باستمرار للسلطة العسكرية للحفاظ على الصفقة المتبادلة المشبوهة بين الطرفين والتي تقضي بدعم الكنيسة للنظام العسكري في مقابل حماية النظام للكنيسة وحصر التمثيل القبطي في الكنيسة، وتنازل الدولة عن بعض سلطتها للكنيسة ومنحها الاستقلال المالي والإداري وغل جميع أجهزة الدولة عن فرض رقابتها على بيزنس الكنيسة وأنشطتها المالية والاقتصادية. بل إن الكنيسة وصل بها الحد إلى عدم الامتثال لأحكام القضاء الباتة كما حدث من  البابا شنودة في الأحكام التي حصل عليها أقباط في مسألة  الزواج الثاني، وهو الأمر الذي تواطأت فيه الدولة وغضت الطرف عن تصلب الكنيسة وتحديها للدولة والقوانين.