في الوقت الذي طالت آلة الهدم العسكري أغلب المقابر التاريخية والإسلامية بمصر، من الإمام الشافعي والسيدة نفيسة ومقابر الغفير ومقبرة محمود سامي البارودي  ومقابر المماليك والأشراف ، وصولا إلى مقبرة طه حسين وغيرها الكثير من المقابر التاريخية والإسلامية، من أجل شق الطرق والكباري والمحاور المرورية، وهو ما طال بدوره الآلاف من المنازل وعقارات المصريين في عموم مصر، والتي باتت مطمعا للسيسي ، لأنه يرى أن المواطن لا يستحقها.

في ظل تلك الظروف والملابسات، افتتحت السفارة الأمريكية في القاهرة، الأحد 20 نوفمبر  الجاري، بالشراكة مع مركز الأبحاث الأمريكي في مصر (ARCE) وممثلين عن منظمات يهودية أمريكية ومصرية، مقابر "ليشع ومنشه" التي تم ترميمها حديثا في حي البساتين بالقاهرة.

وقدمت وزارة الخارجية الأمريكية منحة قدرها 150 ألف دولار ، في إطار صندوق السفراء الأمريكيين للحفاظ على التراث الثقافي، لتمويل ترميم المقبرة، وقدم اليهود القراءون في الولايات المتحدة أيضا مساهمات مادية.

وفي حفل الافتتاح، سلط القائم بالأعمال الأمريكي، السفير دانيال روبنستين، الضوء على التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على ذكرى الدور الجوهري الذي لعبته الجالية اليهودية في التاريخ المصري.

إذ قال: "لقد خدمت مقبرة البساتين الجالية اليهودية في مصر منذ إنشائها عام 1482 من قبل سلطان المماليك الأشرف قايتباي، وستظل حكومة الولايات المتحدة الشريك الملتزم لمصر في الحفاظ على المواقع الثقافية والدينية القيّمة في مصر وترميمها وحمايتها، مثل مدافن ليشع ومنشه، والتي تساهم في إثراء التاريخ المصري وتنوعه".

كما انضم إلى السفير روبنستين في الحدث ديفيد عوفاديا، ولويز بيرتيني المديرة التنفيذية لمركز الأبحاث الأمريكي في مصر، وماجدة هارون رئيسة الجالية اليهودية في القاهرة، وإيلي إلتشان رئيس الجالية .

وفي العام 2018، وفي خطوة متناقضة مع الظروف الاقتصادية المتردية التي تمر بها البلاد؛ خصص السيسي مبلغ مليار و270 مليون جنيه لترميم التراث اليهودي في مصر.

وقال وزير الآثار خالد العناني آنذاك  إن "التراث اليهودي جزء من التراث المصري، مؤكدا أن الحكومة لن تنتظر أي دعم دولي، وأن المسألة ذات أولوية".

ويبلغ عدد اليهود في مصر حاليا ستة يهود فقط، بعدما بلغ العدد نحو مئة ألف قبل موجات الهجرة إلى إسرائيل وأوروبا في خمسينيات القرن الماضي.

 

تشجيع الطائفة اليهودية

الإعلان عن ترميم التراث اليهودي سبقه تصريح للسيسي خلال منتدى شباب العالم الذي عقد في مدينة شرم الشيخ ، وأكد فيه عدم وجود موانع لبناء معابد لليهود، قائلا "لو لدينا يهود سنبني لهم معابد، لأن هذا حق المواطن في عبادة ما يشاء".

وقد دفعت تحركات الحكومة وتصريحات مسؤوليها تشجيع الطائفة اليهودية لتحتفل ، للمرة الأولى منذ عقود، بعيد "الأنوار" في العام 2018، وهو أكثر الأعياد اليهودية شعبية، وذلك في معبد "عدلي" بمنطقة وسط القاهرة.

حضر الاحتفال أعضاء جمعية "قطرة اللبن" المهتمة بالحفاظ على التراث اليهودي، ووفد يهودي أميركي مكون من 24 شخصا.

وكانت الطائفة اليهودية المصرية أعلنت عن الاحتفال على صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ووجهت الدعوة لأول خمسين شخصا يبدون رغبتهم في الحضور بتعليق على المنشور، وهي المرة الأولى التي توجه فيها الطائفة دعوة عامة لحضور احتفال في المعبد اليهودي.

في حين أعلنت رئيسة الطائفة اليهودية ماجدة هارون خلال الاحتفالية عن ترميم جمعية "قطرة اللبن" معبدي مصر الجديدة والمعادي لاستغلالهما في أنشطة ثقافية، وتجهيز معبد المعادي لإقامة عروض مسرحية وموسيقية.

وأشارت إلى السعي نحو فهرسة أرشيف الطائفة اليهودية المصرية تحت إشراف وزارة الثقافة.

ويوجد في مصر 19 معبدا يهوديا، موزعة على محافظتي القاهرة والإسكندرية، وكانت تمارس فيها الشعائر الدينية بشكل منتظم، قبل خروج اليهود من مصر في خمسينيات القرن الماضي، منها 11 معبدا في القاهرة، ويعد المعبد الكائن بشارع عدلي وسط القاهرة أهمها، حيث تقام فيه بعض الاحتفالات الدينية.

وفي الإسكندرية توجد سبعة معابد، أشهرها معبد "إلياهو النبي" في شارع "النبي دانيال" كما يوجد معبد واحد في محافظة الغربية، هو معبد "خوخة" وترفض وزارة الآثار تسجيله كأثر بسبب تهدم جانب كبير منه.

ولا تمارس الشعائر الدينية في هذه المعابد، ليس فقط لقلة عدد اليهود في مصر، ولكن لسبب يتعلق بالشعائر نفسها؛ فإقامة الصلاة بالمعبد لا تتم إلا في وجود عشرة رجال على الأقل، وهو عدد يزيد على عدد الطائفة نفسها.

وكان خبراء انتقدوا خطوات  الحكومة التي وصفوها بأنها غير متسقة مع الأوضاع المتردية للخدمات والمرافق، مشيرين إلى  أنه كان الأولى بالنظام أن يرمم المستشفيات والمدارس.

إلا أن خطوة ترميم التراث اليهودي يرتبط أكثر بتوجه سلطة السيسي نحو تعميق التطبيع مع إسرائيل، والسعي لإظهار "أدوار مهمة" لليهود في التاريخ السياسي المصري ،هو ما قد يكون عربونا لإرضاء أمريكا التي سيزورها السيسي قريبا.

 

إهمال المساجد وترميم المعابد

وفي مقابل الاهتمام الكبير من قبل السيسي ونظامه بمعابد اليهود، رغم أن أعداد اليهود بمصر لا تتجاوز 6 أفراد فقط، يجري إهمال المساجد وتحميل مرتاديها بأعباء دفع فواتير الكهرباء والمياه،  بجانب إهمال نظافتها والتضييق على مرتاديها بالقبضة الأمنية وتقصير أوقات الصلوات وخطب الجمعة.

وهو ما يكشف عن توجهات السيسي واهتماماته، واتباعه سياسات التضييق الديني ضد المسلمين في الوقت الذي ينال فيه اليهود أكثر من حقوقهم في مصر.

Facebook Comments