أشعلت الفاتورة الإلكترونية التي تسعى حكومة الانقلاب إلى فرضها على أصحاب المهن الحرة كالمهندسين والأطباء والمحامين ثورة بين المحامين ودفعتهم للاحتشاد في النقابة العامة بالقاهرة والنقابات الفرعية احتجاجا على قوانين الجباية التي تعمل حكومة الانقلاب على فرضها على المصريين .  

كانت مصلحة الضرائب ألزمت، في نوفمبر الماضي، المنشآت الفردية، سواء كانت تجارية أو صناعية أو خدمية أو مهنية (مثل الأطباء، والمحامين، والفنانين، والمحاسبين القانونيين، والمهندسين والاستشاريين) وجميع أصحاب المهن الحرة، بالتسجيل في منظومة الفاتورة الإلكترونية، في موعد أقصاه 15 ديسمبر الجاري وهو ما آثار اعتراض المحامين ودفعهم إلى تنظيم وقفات احتجاجية أمام النقابة العامة بالقاهرة والنقابات الفرعية بالمحافظات وأمام عدد من المحاكم على مستوى الجمهورية، ورددوا هتافات تطالب بإلغاء النظام الجديد؛ مؤكدين أنه يمثل جباية جديدة ويخالف القانون، فيما امتنع عدد من المحامين عن التعامل مع خزائن المحاكم والنيابات. 

وحذروا من تداعيات حصار حكومة الانقلاب للمحامين ضريبيا بهذا الشكل غير المنضبط والذي يضر بالمهنة، في ظل إثقال كواهل المواطنين بأعباء إضافية، رغم الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تستوجب تخفيف الأعباء وليس الإصرار على زيادتها. 

وأشار المحامون إلى أن الإصرار على تحصيل أموال من ممارسي مهنة لا يتلقى أبناؤها أي خدمات ولا يكلفون دولة العسكر أي أعباء مالية يكشف عن شكل من أشكال الجباية غير القانونية 

 

تسليع المهنة 

من جانبه قال مالك عدلي المدير التنفيذي للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إن "الضريبة الإلكترونية هي نظام تسجيل ضريبي يتعلق بالتجار الذين يقدمون منتجات سلعية، مؤكدا أنه لا يمت بأي صلة لمهنة المحاماة التي تعد رسالة إنسانية وليست عملا تجاريا ".

وحذر عدلي في تصريحات صحفية من أن تسليع المهنة والعدالة لا يخدم المحامي ولا القاضي ولا المواطن ولا الدولة ذاتها، لافتا إلى أن حصار المحامين ضريبيا بهذا الشكل غير المنضبط يضر بالمهنة، خاصة في ظل إثقال كواهل المواطنين بأعباء إضافية، على الرغم من الأزمة الاقتصادية الطاحنة بالفعل، ما يستوجب تخفيف هذه الأعباء وليس الإصرار على زيادتها دون مراعاة لتأثيراتها الكارثية على حياة المواطنين". 

وأضاف أن أبناء المهنة لا يحملون دولة العسكر أي أعباء ولا يستفيدون من أي من خدماتها، حيث أنهم يتكفلون بجميع مصاريف علاجهم وتأميناتهم ومعاشاتهم وغير ذلك من الخدمات، ورغم ذلك لا يتأخرون في دفع الالتزامات الضريبية المفروضة عليهم بالفعل، من ضرائب أرباح مهن حرة، وغيرها، فضلا عن رسوم التقاضي الآخذة في الزيادة. 

وتابع عدلي ، نحن معترضون على ضريبة القيمة المضافة بالفعل، ورفعنا الكثير من الدعاوى القضائية للمطالبة بإلغائها، ولم تفصل فيها المحكمة الدستورية بمجلس دولة العسكر حتى الآن، موضحا أنه حتى في أشد النظم الليبرالية شراسة تكفل للمواطن حقه الكامل في التقاضي. 

وأشار إلى أنه وفقا للمادة (69) من الدستور فإن حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول، ويكفل القانون لغير القادرين ماليا وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم، متساءلا، كيف مع إقرار دولة العسكر بالتزامها بدفع أتعاب محام للدفاع عن المتهم غير القادر على دفع هذه التكاليف، أن تلجأ لمحاصرة المحامي الحر ضريبيا، في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة؟ 

 

جباية 

وأكد المحامي خالد علي أن المحامين يخضعون لضرائب الدخل والقيمة المضافة والدمغات والرسوم التي يتم تحصيلها على الدعاوى والإعلانات والطلبات، حتى الاطلاع على القرارات أو تقديم حوافظ مستندات، أضحى عليه رسوم، منها ما يدخل لخزينة الدولة ، ومنها ما يذهب لصناديق متعددة في جهات متعددة، في الوقت الذي يلتزم فيه المحامي ونقابته. 

وحذر من نهج الحكومة في الإصرار على انضمام المحامين إلى الفاتورة الإلكترونية، قائلا  "الجباية منهج يتجاهل تأثيرات فرض كل هذه المبالغ  على مستقبل المهنة وعلى أعضائها". 

وأوضح علي أن مهنة المحاماة تعاني من أزمات عميقة ومتشابكة، منها ما يرتبط بمنظومة العدالة وكفالة حقوق الدفاع وحماية المحامين أثناء ممارستهم المهنة وعدم التنكيل بهم، فضلا عن خلق التوازن بينها وبين مؤسسات العدالة ومؤسسات دولة العسكر، مؤكدا أن الإصرار على تحصيل أموال من ممارسي مهنة لا يتلقى أبناؤها أي خدمات ولا يكلفون دولة العسكر أي أعباء مالية يكشف عن شكل من أشكال الجباية غير القانونية. 

وأشار إلى أن المحامي يمثل الجناح الثاني في منظومة العدالة، وهو غير ملزم بفتح سجل تجاري لأنه يقدم خدمة قانونية ولا يبيع سلعة أو منتج، مؤكدا أن القانون لا يشترط لفتح مكتب محاماة سوى القيد في كشوف النقابة، واعتبر أن أزمة الفاتورة الضريبية تعد امتدادا لأزمة ضريبة القيمة المضافة، التي يعترض عليها المحامون أيضا، خاصة أنهم يدفعون ضريبة على الدخل بالفعل. 

وحذر علي من أن الفاتورة الإلكترونية قد تضع المحامي تحت طائلة القانون حال ترافعه عن موكل بالمجان أو بمبلغ زهيد، حيث قد يتم التعامل معها على أنها تحايل للتهرب الضريبي، لأنه سيكون مجبرا على مطالبة موكله بدفع أتعاب معينة لتوريد نسبة منها لوزارة مالية الانقلاب، وحال تقديمه الاستشارة القانونية أو الترافع مقابل مبالغ بسيطة، سيطلب منه تحمل نسبة الفارق التي تحددها المالية  لقيمة التقاضي في كل دعوى. 

وأكد أن متخذي مثل هذه القرارات لا يعبئون سوى بتحصيل أكبر قدر من “الجباية” من جيوب المواطنين، دون أن يضعوا في اعتبارهم تأثير كل هذه الأعباء اقتصاديا واجتماعيا وعلى جميع الجوانب، حيث قد يدفع ذلك المواطنين إلى الإحجام عن حقهم في التقاضي، خاصة من محدودي الدخل منهم غير القادرين على دفع هذه التكاليف، في ظل معاناتهم بالفعل من ظروف اقتصادية طاحنة معبرا عن أمله في ألا يلجأ مجلس النقابة لمواجهة الأزمة بمجرد مسكنات يصحو المحامون بعدها ليجدوا أنفسهم مجبرين على تحمل ضريبة جديدة، على شاكلة ما حدث في تطبيق ضريبة القيمة المضافة. 

 

3 إشكاليات 

وأكد المحامي الحقوقي أحمد فوزي، أنه في ظل المناخ الحالي لا يلجأ كثير من المواطنين إلى الفعاليات الاحتجاجية، خاصة في ظل تبعاتها الباهظة على حياتهم، مشيرا إلى أن لجوء جموع المحامين للتظاهر احتجاجا على القرارات الضريبية المفروضة عليهم تعني أنهم وصلوا بالفعل إلى مرحلة شديدة من المعاناة، لم يعد أمامهم ما يخسرونه بعدها. 

وكشف فوزي في تصريحات صحفية أن المهنة تعاني من 3 إشكاليات رئيسية، أولها ضعف التنظيم النقابي وتردي أدائه، بمفهوم تمثيل أبناء المهنة والدفاع عن حقوقهم، فالمحامون لا تؤخذ آراؤهم بشأن التشريعات التي هي من صميم مهنتهم، بالإضافة إلى انتهاك حقوق عدد من الزملاء أثناء ممارسة عملهم، دون تدخل جاد وحقيقي من مجلس النقابة. 

وقال  "الإشكالية الثانية هي عدم فهم سلطات الانقلاب لطبيعة عمل مهنة المحاماة، التي يتم التعامل معها على أنها مجرد سلعة تباع وتشترى، لذا يجوز تطبيق الضرائب التجارية على أبنائها، رغم دفعهم ضرائب ورسوم ودمغات بالفعل". 

وأوضح فوزي أن الإشكالية الثالثة، هي تعامل حكومة الانقلاب مع المحامين وجميع أبناء المهن الحرة وغيرها على أنهم “مجتمع كومباوند” يتقاضون ملايين الجنيهات، بينما 93% من ممتهنيها ومن المواطنين الذين يلجأون إلى جهاز العدل إما فقراء أو من الطبقة المتوسطة، ممن ليست لديهم القدرة على مواجهة مشاكلهم الاقتصادية المتزايدة بالفعل. 

وأشار إلى أن هناك نظرة دونية للمحامين من كثير من الأطراف وهذه الرؤية نراها حتى في الأعمال الدرامية أو السينمائية أو غيرها، حيث لا يتم تصوير المحامي سوى أنه رجل أعمال يملك الملايين، أو نموذج لشخص متحايل على القانون، وهو الأمر المنافي للواقع، ولا يمثل سوى 3% من أبناء المهنة. 

وتابع فوزي، المحاماة والطب وما على شاكلتهما مهن لا يلجأ إليها المواطنون سوى في الأزمات، لذا فإنها خدمات ضرورة وليست رفاهية، معتبرا أن من يتخذ هذه القرارات ـ فرض المزيد من الضرائب – يبرهن بمواقفه أنه بعيد كل البعد عن إدراك هموم أبناء المجتمع. 

Facebook Comments