لا ينقطع أملُنا فى عودة مصر إلى ما كانت عليه: شابّة، فتية قوية، قائدة رائدة، ولن يخيب رجاؤنا فى الله بذهاب الغُمّة وزوال المحنة وانكشاف البلوى، وإننا على ثقة بأن ما يمرُّ به بلدنا العريق الطيبُ أهله ظرفٌ استثنائى وحالة طارئة سوف يأتى بعدها فجرٌ جديدٌ، فيضىء أرضها وسماءها ويحيى -بإذن الله- مواتها.

نعم قد طال البلاء وقستْ المحنة، لكن لا زال فى رحمة الله متسع، وفى جوانحنا يقين بأن الجسد سليم، وأن عوامل السلامة والعافية فى أمتنا لا زالت حية قوية مستعصية على التلاشى والذوبان، وهى ما سوف تنتشل مصر من وهدتها وتعيدها إلى الواجهة أنضر مما كانت وأغنى مما كانت.

مصر التى شاخت أصابها ما يصيب الأمم التى تعرضت للأخطار؛ من التبعية ومدّ اليد للآخرين بالسؤال، وقد صار أبناؤها يتوجعون ويئنون بل يصرخون لما آل إليه حالُهم ولا مجيب. مصر أُصيبت بالضعف والهوان وفقدان القدرة على المقاومة بعدما تسلّط عليها طائفة من أبنائها فساموها سوء العذاب، وكانوا أخطر عليها من العدو الخارجى الذى كان سيخرجه أبناؤها صاغرًا وهم أعزّة، وقد شهد ماضيهم بأنهم كانوا الصخرة التى تحطمت عليها أحلام الصليبيين والتتار وغيرهما.

لقد أمات الذين غلبوا على أمرها كل جميل، ودفنوا كل حسنة، وأبرزوا كل سيئة بعدما قدّموا النفايات وأخّروا الكفايات، وحكمونا بالحديد والنار، والاستبداد والطغيان فعمّ الفساد، وساد النفاق، وقُسِّم الشعب شيعًا وأحزابًا، وبحث كلُّ مسئول عن مصالحه الشخصية ومنافعه الذاتية منفردًا بالقرار كأنه نصف إله، أو نبى يوحى إليه، فلا رادّ لحكمه ولا معقب لقوله، وكيف تسلم البلاد والعباد فى هذه الأجواء المسممة والأحوال المحبطة؟!

أما المقبل القريب فربما زاد استبداد ومظالم الذين أتلفوها، لكنّ ذلك لن يطول إن شاء الله؛ إذ سوف تعود مصر كما كانت: أم الدنيا، أو البلد العجيب المبارك، قرارها من رأسها، لا تخضع لتهديد أو وعيد ولا يغويها غاو أو تتبع أحدًا، أمة واحدة، سالمة آمنة مستقرة، قادرة قاهرة، ملجأ المهضومين وملاذ المظلومين، وهادية التائهين، منارة العلم ورمز الإسلام ومهد الحضارة والنور.

أما كيف تعود قريبًا، وهى عائدة لا شك، فهذا يتطلب إزالة عوامل الخطر ومسببات الهوان، ولن يقوم بهذا غير أبنائها البررة المجاهدين، وكلٌّ يعمل على شاكلته وحسب قدرته واستطاعته، والذين على عاتقهم أيضًا وقبل كل شىء: الائتلاف والوحدة والتعاون على البر؛ مستهدفين وقف المظالم وإعادة الحقوق لأصحابها، وتفعيل قيم المواطنة الحقيقية لا المواطنة المزيفة وهى: الحرية والمساواة والمشاركة، وما يستتبعه من تجفيف منابع المحسوبية والفساد، وإفساح المجال أمام الإنتاج بديلًا عن الجباية والمكوس التى قصمت ظهور المواطنين.

لقد دلّت الأحداث وأثبتت التجربة أن مصر مخطوفة منذ عقود، عكس ما تردده أجهزتها الرسمية من شعارات جوفاء وإنجازات وهمية، وقد بدت واهية منكسرة عاجزة عن منافسة الآخرين، بل عن إطعام نفسها رغم ما حباها الله من موارد ونِعَمٍ، وقد كانت فيما مضى موطن الخير وموئل البركة، غنية موفورة الطعام والشراب، لكنه الظلمُ المؤذِن بخراب العمران، والبطرُ الذى يمنع صاحبه النعيم ويورده النيران، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلىِّ العظيم.

Facebook Comments