بسبب التضخم والغلاء.. أكثر من 60 مليون مصري يعيشون في “كرب شديد”

- ‎فيتقارير

في جلسة لبرلمان الانقلاب انعقدت الإثنين 18 إبريل 2022م لمناقشة الحساب الختامي للسنة المالية (2020/2021)، وشهدت الجلسة مداخلة من محمد بدراوي عضو لجنة الخطة والموازنة، حذَّر فيها من أن هناك نحو 60 مليون مصري يعيشون في كرب شديد؛ مؤكدا أن نسب الفقر ارتفعت كثيراً مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات قليلة"، متابعاً "هناك ما يقرب من 30 مليون مواطن يعيشون بأقل من 25 جنيهاً يومياً، و30 مليوناً آخرين بأقل من 50 جنيهاً في اليوم". وعزا بدراوي هذه الأرقام إلى إلى "الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء"، وتعني أن هناك 60 مليون مصري يعيشون في أوضاع اقتصادية صعبة، وبحالة من "الكرب الشديد"، مطالباً الحكومة بضرورة وضع سقف زمني محدد للحد من ملف الاقتراض سواء الداخلي أو الخارجي.

كان ذلك في شهر إبريل وكان سعر صرف الدولار وقتها يساوي نحو 18.5 جنيها؛ فماذا عن معدلات الفقر اليوم في (ديسمبر 2022) بعدما أجرى النظام تعويما جديدا وانهار سعر صرف الجنيه حتى وصل إلى 24.64 جنيها بمعنى أن الجنيه فقد نحو 30% أخرى عما كان عليه في الشهور الأولى من 2022م.

 

الغلاء بمعدل يومي

من العجيب في مصر دون باقي دول العالم أن أسعار بعض السلع الاستراتيجية التي تشهد انخفاضا عالميا نجد الأسعار عندنا فى مرحلة ارتفاعات مستمرة، فقد انخفضت أسعار الزيوت والألبان واللحوم والحبوب عالميا عن مستوى ما قبل الحرب الأوكرانية. حسب المنظمات الرسمية، وانخفضت أسعار الأقماح فى البورصة العالمية إلى 300 دولار للطن أى ما يعادل 7500 جنيه للطن، وإذا ما أضفنا للطن مصروفات استيراده وشحنه التى قد تصل إلى ألف جنيه يصل سعره إلى 8500 جنيه للطن، لكنه سعر الدقيق في الأسواق يباع بسعر 17 جينها للكيلو بمعنى أن الطن الذي يوازي سعره العالمي نحو (8500 جنيها) يباع للمستهلك في مصر بـ17 ألف جنيها!! ومع ذلك تتزايد اسعار المخبوزات وتقل من حيث الحجم. وعليها فقس كل أسعار السلع! حتى لو سلمنا بقفزات فى سعر الصرف وانخفاضه بنسبة 56% أمام الدولار منذ شهر مارس بعد أن خفض البنك المركزى المصرى قيمة العملة المحلية مرتين، ومنذ إعلان البنك المركزى نهاية أكتوبر عن تبنى سعر صرف مرن، هبطت العملة المحلية بنسبة 24.5% لكن لا تقارن بأسعار السلع حتى لو كانت الربحية 20% فالأسعار قفزت اكثر من 150% للكثير منها.

 

البنك الدولي يرفع خط الفقر العالمي

واعتبارا من أكتوبر الماضي "2022"، رفع البنك الدولي الخط العالمي للفقر من 1.90 دولار كحد أدنى للدخل اليومي للفرد، إلى 2.15 دولار، الأمر الذي يؤدي تلقائيا إلى دخول ملايين المصريين في دائرة الفقر المدقع. وحسب الأرقام الرسمية (الملعوب فيها) فقد رصد الجهاز المركزي للإحصاء والتعبئة عام 2019-2020، وجود 29.7% من المصريين في دائرة الفقر.

أما اليوم  في ديسمبر 2022 وقد تراجع الجنيه بنسبة 57% وتضاعفت أسعار السلع، منذ بداية العام الحالي، وقع المزيد من المصريين في دائرة الفقر المدقع،  وهو ما ستظهر أرقامه الدقيقة في إحصاءات الدولة خلال المرحلة المقبلة. ولكن يبدو أن أجهزة الدولة ممنوعة حاليا من رصد المعدلات الحقيقية للفقر لأنها مرعبة وستكشف إلى أي مدى تدهورت الأوضاع نحو الأسوأ تحت حكم الجنرال الدكتاتور عبدالفتاح السيسي.

وكشفت دراسة للجهاز المركزي للإحصاء أجراها على عينة من 17 ألف أسرة في أغسطس الماضي (2022)، عن شكوى 99.8% من المصريين من غلاء أسعار الأغذية، وأكدت 31.9% من الأسر بالمدن عدم كفاية الدخل للوفاء بالاحتياجات الأساسية، ترتفع إلى 37.7% للمقيمين بالريف. وتبين الدراسة أن 65.8% من الأسر تأثرت نفقاتها سلبا على السلع الغذائية وغير الغذائية، وانخفض استهلاك 74% منها على السلع الغذائية و90% انخفض استهلاكها للبروتينات من اللحوم والأسماك والطيور و50% قلت نفقاتها على خدمات النقل والمواصلات. وفقا للدراسة، تعاني 33% من الأسر المصرية من عدم كفاية الدخل للوفاء بالاحتياجات الشهرية التي كانت تتوافر لهم قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا.

ويتوقع صندوق النقد الدولي، وفقا لدراسة حول آفاق الاقتصاد الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط، أصدرها في نهاية أكتوبر الماضي (2022)، زيادة معدلات التضخم بمصر في ظل استمرار تعرض المنطقة لأجواء من عدم اليقين ومخاطر حدوث تطورات سلبية تؤدي إلى تباطؤ النمو خلال عام 2023، ليصل إلى 3.6%. تؤكد الدراسة ارتفاع معدلات التضخم لأسعار المستهلك في مصر من 8.5% في المتوسط العام سنويا 2022 إلى 12% لعام 2023.

يؤكد خبراء اقتصاد أن زيادة الأسعار ستؤدي حتما إلى وقوع مزيد من الأسر المصرية متوسطة الدخل في دائرة الفقر وأخرى ستتجه إلى الفقر المدقع، في ظل استمرار تراجع قيمة الجنيه والدخول، مع ارتفاع أسعار السلع الضرورية، وعلى رأسها الغذاء والعلاج والمواصلات وخدمات التعليم، التي تمثل الجزء الأكبر من نفقات الأسر المصرية.

 

سياسات الإفقار

وكان تحليل أعده أعده مركز كارنيجي ونشر بموقع «open democracy»، في بداية أكتوبر "2020" قد انتهى إلى أن نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي يشن حربا بلا هوادة على الفقراء في المجتمع المصري، وأنه إلى جانب الطبيعة السلطوية للنظام، فإن الدعم الدولي الذي يحصل عليه في شكل تدفقات مالية وقروض يساهم في تعزيز جهوده الآيلة إلى إثراء طبقة النخبة في الأعمال والمؤسسات العسكرية على حساب المواطنين. ويضيف أن حكومة السيسي قد حصلت من حلفائها الإقليميين على دعمٍ مالي قدره 92 مليار دولار بين عامَي 2011 و2019، وتستمر في اقتراض مبالغ طائلة من المؤسسات الدولية. تتيح هذه الأموال للحكومة تنفيذ مشاريع ضخمة والإبقاء على منظومة الضريبة التنازلية التي تلقي العبء الأكبر على الفقراء دون الأغنياء.

التحليل الذي أعده الباحث الاقتصادي ماجد مندور، يعز أسباب تزايد معدلات الفقر في مصر إلى تبني النظام حزمة من السياسات المالية والاقتصادية تستهدف تسريع نقل الثروات من الطبقتَين الدنيا والوسطى إلى نخب الأعمال وعلى رأسها المؤسسة العسكرية وقادتها التي باتت تحتكر وتتحكم في مفاصل النشاط الاقتصادي بما تحوزه من امتيازات ونفوذ واسع.

تستند هذه السياسة إلى مرتكزات عدّة: 

  • أوّلها أن الحكومة تعتمد بشدّة على القروض، بدلاً من الضرائب، لتمويل عملياتها والمشاريع الضخمة في البنى التحتية. أما الإيرادات الضريبية فتُستخدَم على نحوٍ غير متكافئ في تسديد القروض والفوائد، ما يُفضي إلى نقل الثروات من الطبقتَين الدنيا والوسطى إلى الجهات الدائنة للنظام، الخارجية والداخلية على السواء.
  • ثانياً، تواصل الحكومة خفض الدعم والإنفاق الاجتماعي.
  • ثالثاً، يستمر العمل بالضريبة التنازلية التي تلقي بالعبء الضريبي على كاهل الطبقتَين الوسطى والدنيا. (في إشارة  إلى عدم تبني فلسفة الضريبة التصاعدية التي تحدد قيمة الضريبة بناء على حجم المكاسب والأرباح وفق معادلة (ترتفع الضريبة كلما ارتفع الدخل وتقل كلما قل الدخل). وفي الوقت نفسه، تستمر الحكومة في العمل على تنفيذ مشاريع ضخمة في البنى التحتية بقيادة الجيش، ما يُشكّل أداةً للاستحواذ على الأموال العامة، لا أداةً لتطبيق برامج الإنفاق الاجتماعي والحد من الفقر. ويسمح هذا بدوره للأعمال والشركات المملوكة من الجيش بأن تزدهر، ما يساهم في تعزيز نفوذ المؤسسة العسكرية وشبكة المحسوبيات التابعة لها. وهذا الدعم الخارجي يحمي الجيش أيضاً من التدقيق العام، ويقترن مع الاعتماد المتزايد على الضرائب باعتبارها مصدراً للإيرادات الحكومية.

وحول انعكاسات تبني نظام السيسي العسكري لهذه السياسات المالية والاقتصادية على الأوضاع الاجتماعية والسياسية، توقع "مندور" أن تفضي هذه المقاربة إلى آثار خطيرة في المدى الطويل تذهب أبعد من الفقر المتزايد والحرمان الاجتماعي الذي يعاني منه المواطن العادي، إذ إنه من المحتّم أن يصبح هذا النظام أكثر قمعاً وسلطوية فيما يستمر في فرض سياساته القاسية. وهذا بدوره سيغذّي صعود المقاومة العنيفة للدولة. وينتهي إلى أن هذه المقاومة حتى وإن لم تتبلور إلى إطار حركة سياسية متماسكة، فلا بد من أن يتفاقم مستوى العنف الاجتماعي، ما يفضي إلى تداعيات مزعزعة للاستقرار في المدى الطويل. فضلاً عن ذلك، يؤدّي توسّع الأعمال والشركات المملوكة من الجيش إلى زيادة الضغوط على القطاع الخاص الاقتصادي فيما يسعى جاهداً للتنافس مع العملاق العسكري. وسوف تكون لهذا الأمر تأثيرات بنيوية طويلة الأمد على الاقتصاد والمنظومة السياسية، وهي تأثيرات يصعب العودة عن مفاعيلها وسوف تستمر على الأرجح إلى ما بعد السيسي ونظامه.