قرار النيابة تشجيع للرذيلة.. دلالات إخلاء سبيل متهمين بفعل فاضح في الطريق العام

- ‎فيتقارير

في تصرف غريب،  أمرت النيابة العامة الأحد أول يناير 2023م، أجهزة الأمن بملاحقة القائم بتصوير ونشر المقطع المتداول  على مواقع التواصل الاجتماعي لشاب وفتاة أثناء ارتكابهما فعلًا مخلًّا بالحياء أعلى كوبري الساحل بالقاهرة، والتحري عنه للتحقيق معه وبيان قصده من التصوير والنشر، في الوقت الذي أمرت بإخلاء سبيل الشاب والفتاة عقب ضبطهما واستجوابهما وإقرارهما بارتكاب الفعل المخلِّ؛ بضمان مالي قدره ألف جنيه لكل منهما.

وجه الغرابة هنا أمران: الأول، هو العقوبة المخففة للشاب والفتاة؛ فمبلغ ألف جنيه كضمان لإخلاء سبيل كل واحد منهما هو مبلغ  زهيد مقارنة بما تطلبه النيابة عادة في القضايا السياسية والتي يكون الأشخاص فيها غالبا أبرياء جرى اعتقالهم لأسباب واهية وتحريات الشرطة التي  تمتلئ بالكيد والانتقام والفبركة بناء على الانتماء الفكري أو السياسي والموقف من السلطة، فالنيابة تطلب أحيانا عشرات الآلاف لإخلاء سبيل المتمين في قضايا سياسية؛ الأمر الذي يفهم منه أن نأن السلطة القضائية تمضى على توجهات السلطة التنفيذية بتغليط عقوبة المتهمين في قضايا سياسية فإما أن يتم سجنهم لفترات طويلة دون محاكمة ودون وجود أي أدلة مادية تدينهم، وإما يتم إخلاء سبيلهم بأدوات احترازية تغل حركتهم وتقيد نشاطهم، وغرامات مالية باهظة بهدف ردعهم عن المشاركة في الأنشطة السياسية والتوقف عن معارضة السلطة.  وحين  تخفف النيابة غرامة المتهمين في أفعال فاضحة في الطريق العام فإنها بذلك تغري الكثير من الشباب والفتيات على ممارسة هذا الفعل الفاضح لأن العقوبة ليست رادعة؛ وبعض المهووسين بالشهرة قد يغريهم  ذلك في ظل حالة الانفلات الأخلاقي المنتشرة في كل مناحي المجتمع.

الثاني هو ملاحقة مصور الفعل الفاضح؛ والتحري عنه بهدف معرفة قصده من نشر السلوك الفاضح عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ فالنيابة بذلك تمضي في طريق تخويف وترهيب الناس من رصد السلوكيات الشاذة والجرائم التي تحدث في الميادين والطرق والشوارع؛ وهي بذلك تعمل على نشر الفاحشة داخل المجتمع؛ لأنها بذلك سوف تخيف المواطنين من رصد هذه السلوكيات الغريبة على مجتمعنا وديننا وأخلاقياتنا وبذلك سوف يتجرأ كثير من الشباب والفتيات  على فعل هذه الأفعال الفاضحة في الطرق العامة دون خوف؛ فالعقوبة مخففة وليست رداعة من جهة،  ومن يجرؤ على رصد وتصوير هذا السلوك الفاضح سوف يلاحق من جانب الشرطة والنيابة والقضاء! فهل يستقيم هذا  مع حكا نصوص الدستور والقانون التي تقر بأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع؟! النيابة بذلك تخالف الدستور والقانون صراحة،  والأهم أنها تخالف الإسلام ونصوصه وأحكامه وقرارها  يفضي تلقائيا إلى شيوع الرذيلة وانتشار الأفعال الفاضحة في الطرق العامة والميادين. لأن الفعل جرى تصويره في طريق عام وليس في شقة أو مكان خاص لقلنا إن من يقوم بتصوير الجريمة كان أولى به سترهما؛ فالشاب والفتاة لا يضعان اعتبارا للمجتمع وحق المجتمع ، ولا يكترثان مطلقا  للقيام بفعل فاضح في الطريق العامة جاهرين بالمعصية دون خوف من حساب الله أو مخالفة القانون وعادات وتقاليد المجتمع وأخلاقياته.

موقف النيابة المشين أغرى أصحاب النفوس المريضة بالمطالبة بمعاقبة راصد السلوك الفاضح وليس مرتكبه! حيث تقدم المحامي هاني سامح ببلاغ إلى النائب العام ضد مُصور الشاب والفتاة مرتكبا الفعل الفاضح على كوبري منطقة الساحل بالقاهرة، مطالبا بمحاكمة كل من صور ونشر الفيديو عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي مطالبا بحبسه سنتين؛ دون أن يتطرق مطلقا لجريمة الشاب والفتاة في رسالة غير خافية أنه يدافع عن هذه السلوكيات المنحرفة داخل المجتمع!

موقف النيابة مشين؛ ووكيل النيابة الذي اتخذ هذا القرار إما أنه  قليل الخبرة لا يعرف مآلات القرار والنتائج المترتبة عليه اجتماعيا، وإما أن وكيل النيابة يستخف بما فعله الشاب والفتاة ولا يرى به بأسا  وأن من رصد السلوك الفاضح  هو من يجب معاقبته والتحقيق معه! في كل الأحوال فإن وكيل النيابة لا يعرف مآلات قراراه وما يمكن أن يفضي إليه من تشجيع للرذيلة بتخفيف عقوبة إخلاء سبيل الشاب والفتاة،  وتخويف الناس من مواجهة السلوكيات المنحرفة والفاضحة بطلب ملاحقة الشرطة للشخص الذي رصد الفعل الفاضح وصوره ونشره كشكل من أشكل الإبلاغ عن الجريمة.  فإذا كان سلوك الشاب والفتاة جريمة وفقا لنصوص القانون؛ فإن المبلع عن الجريمة يجب أن يكافأ ويشكر على فعله  لا أن يلاحق ويساق كمتهم  لترهيب الناس عن مواجهة الفواحش المنتشرة في المجتمع.

وحتى ندرك  خطيئة النيابة في قراراها فلنا أن نتخيل مثلا موقف النيابة وقرارها لو كان الشاب والفتاة قد رفعا لافتة  تطالب بالحرية والعدل والكف عن اعتقال الأبرياء أو عدم بيع قناة السويس أو مواجهة الاستكبار الإثيوبي في ملف المياه أو رفض التطبيع والتحالف مع الكيان الصهيوني؛ وتم رصدهما فهل كانت النيابة ستتعامل بهذا اللطف وتخفف العقوبة كما فعلت مع الشابين على جسر الساحل، أم كانت سوف تغلظ العقوبة وتقرر حبسهما على ذمة القضية وقد يمتد سجنهما لسنوات؟!  وهل كان ستطالب  في هذه الحالة بملاحقة من رصدهما أم كان ستشكره وتكافؤه بوصفه وطينا يدافع عن الوطن ضد المحرضين على التظاهر وإشاعة الفوضى في المجتمع؟!

ومن عجائب القدر أنه في ذات اليوم الذي جرى فيه إخلاء سبيل الشاب والفتاة المتهمين بالفعل الفاضح في الطريق العام، أخلت نيابة أمن الدولة العليا الشاب أحمد بدوي.. اتذكرونه؟

إن الشاب الذي رع لافتة في ميدان التحرير  يرفض فيها التعديلات الدستورية التي جرى تمريرها في إبريل 2019م، فجرى اعتقاله ومكث في السجن بضع سنين لا لتهمة فعلها ولا لجريمة ارتكبها سوى أنها رفض بطريقة سلمية التعديلات الدستورية!

اضربوا هذه بتلك، وقارنوا بين موقف النيابة هنا وهناك؛ ستدركون أن هذه السلطة القضائية تحولت إلى أداة وسيف بيد السلطة التنفيذية تنتقم بها من كل من يعارضها؛ تلاحق الأبرياء الشرفاء ويفلت من ميزانها المختل المجرمون والفسدة والمنحرفون!  أفلا يتقون الله في مصر وشعبها ودينها وحضارتها؟ لماذا تحولت مؤسسات الدولة المصرية إلى أدوات هدم وتخريب ممنهج لإسقاط الدولة وتفكيكها اجتماعيا ودينيا واقتصاديا وسياسيا وفي كل مناحي الحياة؟!