"مصر قادرة على سداد أقساط مديونياتها الخارجية " تصريح لمدبولي يحمل الكثير من المخاطر عن إفلاس مصر.
ففي ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي تضرب مصر، بسبب نهب عصابة العسكر لمقدرات مصر، إثر ارتفاع مستويات خدمات الديون المقررة على مصر دفعها حتى نهاية يونيو المقبل والتي تقدر بنحو 17 مليار دولار، وسط تراجعات كبيرة في الاحتياطي النقدي بالبنك المركزي واتساع الفجوة التمويلية المطلوبة، جاء تصريح رئيس وزراء الانقلاب، مصطفى مدبولي، أمس الأربعاء، كاشفا ومعبرا عن كثير من المخاطر حول مستقبل مصر.
حيث قال مدبولي عقب اجتماع مجلس الوزراء الأسبوعي "مصر قادرة على سداد أقساط مديونياتها الخارجية لدى المؤسسات الدولية، ومن الوارد طرح شركات أخرى مملوكة للدولة في البورصة أو أمام المستثمرين، بخلاف الـ32 شركة التي أعلنت الحكومة عن طرحها مؤخرا، بغرض توسيع قاعدة مشاركة القطاع الخاص في ملكية الشركات العامة".
هذا التصريح الغريب الذي يصرف الانتباه إلى حجم الأزمة المالية، التي تواجهها مصر.
كما أن توقيت التصريح يحمل الكثير من الدلالات، خاصة وأنه يأتي بعد يوم واحد من إعلان الحكومة تغطية الطرح المالي لأول صكوك إسلامية في مصر بقيمة 1,5 مليار دولار، بفائدة تقترب من 11% ، في أكبر كارثة اقتصادية، إذ إنها تحمل ميزانية مصر أعباء مالية كبيرة، خاصة وأن تلك الأموال لن توجه إلى مشاريع تنموية جديدة، وإنما ستوجه لسداد ديون مستحقة على مصر، أي ما يسميه الخبراء "تلبيس طواقي" أي سداد الديون المستحق موعدها بديون جديدة وبفوائد أعلى، وهو ما يزيد الديون ولا يخفضها، وهو أساس الأزمة المالية القائمة حاليا.
وتعمل عصابة العسكر في مصر منذ أكثر من عام على بيع حصة الحكومة، في العديد من الشركات العامة المهمة لمستثمري الخليج، ضمن إجراءات أخرى تستهدف تدبير عدة مليارات من الدولارات، من أجل الوفاء بالتزاماتها الخارجية.
وفي خطة صندوق النقد الدولي، التي رسمها عند منحه سلطة الانقلاب تسهيلا ممتدا بمبلغ ثلاثة مليارات دولار، على 46 شهرا، ظهر توقع الصندوق والحكومة المصرية جمع ما يقرب من 14 مليار دولار من حصيلة بيع تلك الشركات، كما استثمارات الأجانب في أدوات الدين بالعملة المحلية (الأموال الساخنة).
الصكوك الإسلامية
فيما احتفت حكومة المنقلب السفيه السيسي بإصدار أول صكوك إسلامية سيادية بضمان رهون عقارية عامة، بأعلى عائد دولي، بلغ 11.625%، مقابل ضمان وزارة المالية لسداد القرض والعائد السنوي، ولمدة 3 سنوات.
وفي الوقت الذي أكد وزير المالية الانقلابي محمد معيط، الأربعاء، نجاح مصر في طرح أول إصدار من الصكوك في تاريخ مصر، بطلبات اجمالية بلغت نحو 6.1 مليارات دولار، وهو ما يعادل أكثر من 4 أضعاف قيمة الطرح، وصف خبراء اقتصاد عملية الطرح بأنها بداية تدشين رسمي لبيع أصول الدولة، عبر شركة مساهمة للصندوق السيادي، تمكنت من إبرام صفقة بيع صكوك بقيمة 1.5 مليار دولار، خلال فترة قياسية، عبر بنوك إماراتية ودولية، لسداد 1.25 مليار دولار فوائد ديون مستحقة في نفس يوم البيع للصكوك، قبل أن تدخل الدولة في مرحلة الإفلاس.
والذي يثير قلق الأوساط الاقتصادية، هو معدل الفائدة المرتفع جدا للصكوك البالغ 11.625%، يسدد على 3 سنوات، مقابل سداد دين دولي تم الحصول عليه في هذا التوقيت من العام الماضي بسعر فائدة، 5.57%، تدفع أقساطه وفوائده على 5 سنوات، مع فارق ضمان الرهن العقاري لسداد قيمة الصكوك والفوائد، فإذا ما عجزت الدولة عن سداده، سيتحول الأصل العقاري إلى ملكية خاصة لحائزي تلك الصكوك فور حلول موعد السداد، حسب الخبراء.
اعتبرت الحكومة كثرة الراغبين في شراء الصكوك المطروحة في بورصة لندن، أول من أمس الثلاثاء، إلى ما يوازي 4 مرات لتغطية الطرح، علامة على ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري، وإبداء رغبتها في التوسع بطرح المزيد من الصكوك لمواجهة العجز المتزايد في الدولار، وفي المقابل اعتبره الخبراء كارثة اقتصادية، تحمل الأجيال القادمة قروضا لن يستفيدوا منها، وبيعا لأموال الشعب بأسعار بخسة عبر رهن عقاري، يصدر في شكل صكوك سيادية، إضافة إلى تكلفة الاقتراض المبالغ فيها.
يشار إلى أن الديون المصدرة عبر الصكوك محملة على شركة مساهمة، أسسها صندوق مصر السيادي لتتمكن الدولة من إصدار الصكوك بضمان ملكية الأصول العقارية، على أن تعاد قيمة الأصل إلى الدولة، بعد سداد الموازنة العامة لقيمة دين الصكوك.
ووفق الخبير الاقتصادي والمصرفي رشاد عبده، فإن الصكوك التي تصدر برهونات عقارية، تعني أن الدولة المصدرة إما متعثرة أو موقفها سيئ، ولا تملك رؤية مستقبلية، لوجود تدفقات نقدية، تسمح لها بدفع الديون أو التزاماتها.
كما أن ارتفاع سعر الفائدة إلى هذا النحو على تلك الصكوك، انعكاس طبيعي للمركز المالي، والأزمة التي يمر بها الاقتصاد حاليا، مشيرا إلى أنه كلما اشتدت الأزمة تدفع المقرض إلى طلب ضمانات وفوائد أعلى من السائدة بالأسواق.
إذ إن الدولة ستضطر إلى سداد تلك المستحقات للمقرضين مع تكلفتها العالية، وإلا ستؤول ملكية الأصول المرهونة إلى حاملي الصكوك.
مطالبا الحكومة أن تتوقف عن الاقتراض بعد أن بلغ حدا يصعب على الدولة تحمل أعبائه، ويحمل الأجيال المقبلة ديونا لا قبل لهم بها، مشيرا إلى ضرورة الحد من الفساد والبيروقراطية والعمل على تسهيل الأعمال للمستثمرين بما يمكن من حل الأزمة الاقتصادية بدلا من التساهل مع معوقي الاستثمار، الذين يبددون القروض.
تراجع التصنيف الائتماني
وأرجع مراقبون ارتفاع سعر الفائدة إلى تراجع التقييم السيادي والتصنيف الائتماني للبلاد بشكل خطير، حولها إلى منطقة غير مرغوب فيها وفقا، لمؤشرات مؤسسات التمويل الدولية، مع ارتفاع معدلات مخاطر التأمين على القروض الحكومية، فهل يعي المصريون خطورة سياسات السيسي ومخاطرها الآنية والمستقبلية؟