السيسي ووزير الدفاع  في لجنة اختبارات المتقدمين لوظائف في «النقل».. قراءة هامشية

- ‎فيتقارير

الصورة التي نشرتها  صفحة المتحدث الرسمي باسم الرئاسة على  موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك) الثلاثاء 28 فبراير23م، تحمل كثيرا من الرسائل والدلالات بالغة الأهمية التي تستوجب الرصد والتحليل واستخلاص النتائج. الصورة كانت لاختبارات موظفي هيئات  تابعة لوزارة النقل كانت هذه اللجان تجري اختبارات للمتقدمين للتعيين بالوزارة، وهذا إجراء عادي لا يستحق كل هذا الاهتمام، لكن الصورة تستحق التأمل؛ لماذا؟ لأن السيسي ووزير دفاعه محمد زكي كانا حاضرين ضمن اللجنة؛ الأمر الذي يفتح أبوابا لكثير من التساؤلات.

أولا، هل انتهى السيسي من حل كل مشاكل مصر المستعصية والتي تهدد الدولة بالانهيار أو على الأقل تمثل تهديدا  ضخما للأمن القومي لكي يجد وقتا  لمتابعة لجنة اختبار تعيين موظفين داخل أحدى الوزارات؟!  وما الهدف من حضور السيسي ووزير دفاعه لمتابعة مثل هذا الإجراء البسيط؟ أليس من الأولى أن يوجه (الرئيس) وقته للقضايا الكبرى المصيرية التي أظهر فيها فشلا منقطع النظير خلال السنوات الماضية؟ أليس من الأولى متابعة ملف الجنيه المترنح والذي انهار أمام الدولار وجرجر وراءه عشرات الملايين من المصريين إلى ما دون خط الفقر؟!

ثانيا،  الصورة تمثل انعكاسا لمدى العسكرة وتغلغلها كالسرطان في جسد الدولة المصرية العليل؛ فهذه الاختبارات تتم بالتعاون مع الأكاديمية العسكرية المصرية، فما تواجهه مصر من تحديات، يتطلب ـ بحسب المتحدث الرسمي ـ إعداد أجيال وكوادر على مستوى مرتفع من الكفاءة. وحسب موقع "مدى مصر"، لم تكن مشاركة السيسي والقادة العسكريين في اختبارات الموظفين المدنيين الشاهد الأول على تعويل الجنرال على المؤسسة العسكرية في تزويد «النقل» بـ«كوادر على مستوى مرتفع من الكفاءة»، حيث وضع على رأس الوزارة في 10 مارس 2019 الرئيس السابق للهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة، الفريق كامل الوزير، مقدمًا إياه بقوله: «والله أنا بدي للمرفق ده واحد من أحسن ضباط الجيش، والله بكلمكو بجد، وهما في الجيش عارفين كدا». بدوره، أصدر الوزير في أغسطس الماضي، قرارًا بإنهاء أي تعيين أو تعاقد أجرته الهيئة القومية لسكك حديد مصر أو أي من الشركات التابعة لها مع أي أفراد من تاريخ 10 مارس 2019، عدا من تم تعيينهم بتصديق من الرئاسة.

 

سرطان العسكرة

هذه الصورة تفتح الباب أمام التذكير بأن وزارة النقل من الوزارات التي جرى عسكرتها على نحو كامل؛ وأن الوزارة يقودها من الألف إلى الياء ثلة من العسكريين واللواءات في جميع هيئاتها الاقتصادية والخدمية؛ فالوزير (فريق عسكري) ونائبه لواء، ومديرو الهيئة القومية لسكك حديد مصر والهيئة العامة للموانئ البرية والجافة وهيئة ميناء الإسكندرية وهيئة موانئ البحر الأحمر وهيئة موانئ دمياط والهيئة العامة لسلامة الملاحة البحرية، وهيئة تخطيط مشروعات النقل والمعهد القومي للنقل والهيئة العامة للطرق والكباري والنقل البري والهيئة العامة للنقل النهري والهيئة القومية للأنفاق، كلهم لواءات. ولا ننسى أن المجرى الملاحي لقناة السويس باعتباره أهم شريان نقل بحري في العالم يتبع هيئة قناة السويس التي يديرها لواءات البحرية من الألف إلى الياء؛ ثم بعد ذلك يزعمون أن الجيش هو رمز النجاح والإنجاز في مصر؛ فمن أين يأتي كل هذا الفشل في كافة قطاعات الدولة التي يديرها جنرالات؟!

في أغسطس 2017 بعث الأستاذ عبد الناصر سلامة شكوى لرئيس الجمهورية ينذره من خطر عسكرة وزارة النقل، وقام بتحديد 22 مسؤولا بوزارة النقل قادمين من المؤسسة العسكرية لإدارة المواقع القيادية العليا بوزارة النقل. ذكرهم بالاسم، ثم أشار سلامة إلى أن هناك عسكريين آخرين لكنه يريد ألا يطيل في الحديث وأن نواب هؤلاء المسؤولين في معظمهم من العسكريين. وكانت جريدة التحرير (الموالية للانقلاب وتم غلقها لاحقا لأسباب مالية) قد نشرت تقريراً عام 2016 يفيد بحصول 100 جنرال في وزارة النقل على رواتب شهرية تصل لـ 50 مليون جنيه شهريا، بينما يتقاضى باقي الموظفين 8 ملايين فقط مؤكدةً على رفع وزارة النقل والمواصلات شعار: “لا مكان للمدنيين”، وكشف التقرير استمرار كل القيادات الحالية بالديوان العام وبقطاعات الوزارة والهيئات والشركات التابعة لها، الذين جاء بهم الوزير السابق اللواء الدكتور “سعد الجيوشي”، والذين يحمل أغلبهم رتباً عسكرية “عقيد/ عميد/ لواء”، ويتقاضون رواتب باهظة تبدأ من 50 ألف جنيه وتنتهي بـ 200 ألف جنيه بأسعار 2016 قبل التعويم حيث كان سعر الدولار 10 جنيهات فقط. وتطرَّق التقرير إلى حصول الجنرالات على بدل حضور الاجتماعات واللجان المختلفة، بالإضافة إلى الحوافز، حتى بلغ إجمالي الرواتب الشهرية التي يتقاضاها هؤلاء العسكريون أكثر من 50 مليون جنيه شهرياً.

وتزعم حكومة السيسي أنها أنفقت أكثر من 45 مليار جنيه خلال الفترة بين 2014 – 2020، من أجل تطوير وتحسين مرفق السكك الحديدية، أحد أعرق المرافق في مصر، لكن الواقع يشير إلى أن ذلك لم يمنع من استمرار وقوع كوارث متتالية في هذا المرفق أبرزها حادث اصطدام جرار برصيف في محطة رمسيس في فبراير2019م واحتراق 22 مصريا وغيرها. وفي مطلع سنة (2021)، كشف وزير النقل خلال كلمته بالجلسة العامة لمجلس النواب أنه "تم التخطيط لتنفيذ مشروعات سكة حديد بإجمالي عدد 257 مشروعا بإجمالي تكلفة 220 مليار جنيه حتى عام 2024، مشيرا إلى أنه تم الانتهاء من تنفيذ عدد 177 مشروعا بإجمالي 45 مليار جنيه. إلا أنه بمراجعة الإحصاءات الرسمية عن حوادث القطارات على موقع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن أقل فترة شهدت حوادث قطارات هي الفترة ما بين 2006 و2016، حيث بلغت 12 ألفا و236 حادثا فقط، أقلها كان في 2012 بواقع 447 حادثا فقط! لكن المفارقة أن عدد الحوادث ارتفع إلى 1793 حادثا في عام 2017، و2044 حادثا في عام 2018، و1863 حادثا في 2019، وهي السنوات التي شملتها عملية التطوير والتحديث، أو الإحلال والتجديد.  وحسب تقرير أصدره البنك الدولي في ديسمبر 2018، فمصر بحاجة إلى إنفاق نحو 10 مليارات دولار على إصلاح السكك الحديدية، البالغ طولها نحو 10 آلاف كيلومتر، وذلك في الفترة بين عامي 2019 و2029م.