الإعلام شوه صورة العثمانيين في عقول المصريين لهذه الأسباب

- ‎فيتقارير

نظرة العرب لتاريخهم في ظل حكم العثمانيين تتسم بكثير من الظلم والجهل وقليل من الموضوعية والمعرفة، وذلك على الرغم من قرب عهد الدولة العثمانية من ذاكرة الشعوب العربية كونها آخر خلافة حكمت العرب والمسلمين.

ومع أن تدوين تاريخ العثمانيين لم يخل من التزييف والتشويه شأنه في ذلك شأن الكثير من تواريخ الأمم والحضارات، إلا أن الباحث عن الحقيقة يدرك أن التزييف كان ممنهجا، والتشويه كان متعمدا.

 

طمس معالم الخلافة

ولا أدل على ذلك من محاولات طمس معالم الخلافة العثمانية المشرفة أو تغييبها مع الإصرار على إبراز بعض سلبياتها أو أخطائها والتركيز عليها، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية عن الهدف من وراء ذلك.

في برنامج بثته قناة سعودية قيل فيه إن "أرطغرل والد مؤسس الدولة العثمانية كان كافرا، وأن الفكر الداعشي الإرهابي مستلهم من العثمانيين أنفسهم".

قد لا تتجاوز هذه الإدعاءات في شكلها حدود الفرقعات الإعلامية أو النكايات السياسية، لكن خطورتها تكمن في اتساق جوهرها وتناغمه مع سياسة تشويه الحقبة العثمانية والإساءة لرموزها أو تغييبها والتي بدأت خلال الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية ونشوء فكرة الدويلات القومية المتفرقة كبديل عن الخلافة الإسلامية الجامعة واستمرت حتى وقتنا هذا.

المؤرخة المصرية نيللي حنا، أستاذ الدراسات العثمانية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، لا تحب الأحكام القطعية، وتميل دوما إلى الموضوعية والتوازن في قراءة التاريخ، مما جعلها تتبنى نظرية أن الدولة العثمانية لم تكن دولة استعمارية، وهو ما تسبب في اتهام الأستاذة الجامعية بأنها إسلامية التوجه رغم أن ديانتها مسيحية.

 

لم يكن استعمارا

وقالت إن "وصف الدولة العثمانية بأنها دولة استعمارية غير دقيق، وحددت ثلاثة أسباب لذلك، هي عدم سعيها لفرض اللغة أو تغيير نمط النشاط الاقتصادي والزراعي، وأشارت إلى التعايش بين الأديان في فترة الدولة العثمانية، وقالت إنها من أقل الفترات التي شهدت حوادث فتنة طائفية، إذ كانت كما هي الآن حوادث فردية".

وتطرقت إلى العلاقة بين مصر وتركيا في فترة الدولة العثمانية، وقالت إن "التجارة كانت جزءا مهما من هذه العلاقة، حيث كان يوجد تجار أتراك في مدينة رشيد بدلتا النيل شمالي مصر، وكان هناك تبادل بين الموانئ المصرية والتركية".

ويجمع المؤرخون والدارسون على أن أكثر من ثمانين بالمائة من تاريخ العثمانيين قد دون بأياد غير عربية ولا إسلامية، وأن جل ما نعرفه عن الخلافة العثمانية قد أرخه الأوروبيون أنفسهم.

وأن أكثر من نصف المراجع المعتبرة المعنية بسير بني عثمان وأخبارهم قد وضعت بعد سقوط دولتهم على قاعدة أن المنتصر هو من يكتب التاريخ.

وعليه فإنه من السذاجة بمكان أن يتوخى المرء المصداقية والموضوعية في تاريخ نسجه أعداء الدولة العثمانية أو من افتتن بنهجهم.

فالذاكرة الأوروبية متخمتة بمشاهد مؤلمة ومهينة ظهر فيها العثمانيون بمظهر الظافر والمنتصر، كفتح القسطنطينية ومعارك كوسوفو الأولى والثانية وموهاكس وحصار فيينا وبلجراد ونيكوبولس وفارنا وغيرها الكثير من الفتوحات والانتصارات التي بدا واضحا أنها تركت جرحا غائرا في ذاكرة الأوروبيين وتاريخهم، انعكس كذبا وتزويرا في تأريخهم للحقبة العثمانية، لم يكن ذلك هو المسبب الوحيد الذي أدى إلى العبث بتاريخ العثمانيين وإرثهم، بل إن مسببين آخرين أحدهما سياسي والآخر عاطفي كانا وراء ذلك أيضا.

وتقول الحكمة الإسكندنافية القديمة "إن لم يكن لك تاريخ فلتصنع واحدا، فالأمة التي لا تاريخ لها، حاضرها بائس ومستقبلها مجهول"، مقولة تدلل بلا شك على أهمية التاريخ في ضمائر الشعوب ودوره في صياغة الحاضر وبناء المستقبل، ذلك أن محاولة التعمق في فهم الحضارات سيقودنا إلى نتيجة، مفادها أن للتاريخ دور فاعل في راهن أبنائها.

لذلك دأبت كثير من الأمم المتقدمة منها خاصة على استحضار تاريخها السحيق على الرغم من مناقضته لحاضرها المتطور، في محاولة لاستلهام تجارب الماضي المضيئة والحفاظ عليها في ذاكرة أجيال الحاضر والمستقبل.

وعلى الرغم من أن تاريخ الأمم والحضارات بشكل عام لا يخلو من التشويه والمبالغة وإفتقار للموضوعية والحيادية، فإن الشعوب غالبا ما تميل إلى التمسك بالمحطات المضيئة والشخصيات الملهمة من تاريخها ونبذ ما سوى ذلك من حقب مظلمة أو شخوص جدلية، ياليت من يحاربون التاريخ العثماني لو كانت لديهم الشجاعة الحديث عن قيام البريطانيين بوضع 15 ألف جندي عثماني في أحواض الأسيد في صحراء مصر.