مع اقتراب الانتهاء من ملء خزانات سد النهضة واصلت أثيوبيا تحديها لنظام الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي، ورفضت الدخول في مفاوضات حول قواعد تشغيل السد التي من المفترض أن تحكم وتنظم عمل السد في المستقبل، ما يكشف عن مطامع أثيوبيا في الاستيلاء على مياه النيل وحرمان مصر من حقوقها التاريخية فيه وتعطيش الشعب المصري.
في المقابل يلتزم نظام الانقلاب الدموي الصمت ويواصل تجاهله الضغط على أديس أبابا ويرفض التهديد بعمل عسكري ضد سد النهضة، ما يؤكد تآمر السيسي ضد الشعب المصري وتعاونه مع أديس أبابا، وهو ما كشف عنه توقيعه على ما يعرف باتفاق المبادئ الذي أعطى الحق لأثيوبيا في بناء السد.
المسار التفاوضي
من جانبه أكد الباحث السياسي أسامة جاويش فشل المسار التفاوضي بين الأطراف الثلاثة مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة، محذرا من تأثير السد المباشر على حصة مصر والسودان من مياه النيل الذي يعتبر شريان الحياة الرئيسي لأكثر من مائة مليون إنسان.
وقال جاويش في تصريحات صحفية “في مصر يعيش أكثر من أربعين في المائة من السكان على الزراعة، ما يعني أن ما يقارب الأربعين مليون مصري يعيشون تحت تهديد كبير؛ أولا بالعطش، وثانيا بنقص حاد في مياه النيل الشريان الرئيسي لآلاف الأفدنة الزراعية من شمال مصر إلى جنوبها”.
وانتقد تعويل نظام الانقلاب على دور المجتمع الدولي، موضحا أنه لم يصدر أي قرار بإدانة إثيوبيا أو التلويح بأي إجراء أممي ضد لجوئها إلى ملء خزان سد النهضة بقرارات أُحادية، واستبعد جاويش أن يحدث تدخل عسكري من جيش السيسي أو حتى التفكير أو التهديد بتوجيه ضربة مباشرة لسد النهضة، مشيرا إلى أن السيسي زعم أن مصر بكل مؤسساتها ملتزمة بحماية الحقوق المائية المصرية في مياه النيل، ثم عاد وكرر تهديده بأنه لن يسمح بالمساس بمياه النيل.
وأكد أن الشعب المصري لا يثق في وعود السيسي وتصريحاته، لافتا إلى أن السيسي هو سبب الأزمة الكبرى لأنه في مارس 2015، وقع على ما يعرف باتفاق المبادئ والذي تستند إليه إثيوبيا في كل إجراءاتها حتى الآن. ومنذ ذلك اليوم الذي تنازل فيه السيسي بمحض إرادته عن مياه النيل؛ بات الفشل والتعثر هما المحصلة لأي اجتماع بين الدول الثلاث.
وأعرب جاويش عن استغرابه لتصريحات السيسي، لأنه في الوقت الذي أصبحت الحقوق المصرية في مياه النيل مهددة يحاول طمأنة الشعب المصري بأن كل شيء على ما يرام، حتى إنه قال كلمته “اطمئنوا فلن يحدث شيء”.
وخلص إلى القول إن “الفشل المتكرر والمستمر منذ مارس 2015، أفقد المصريين الثقة في نظام الانقلاب ووعوده بحل الأزمة، مؤكدا أن الجانب الإثيوبي يفعل ما يريد ويتقدم خطوة خطوة حتى قارب على إنهاء السد وملء الخزانات، وهو ما جعل المواطن المصري لا يصدق تصريحات السيسي ونظامه لأن العطش بات خطرا حقيقيا يطرق أبواب مائة مليون مصري”.
إعلان المبادئ
وأكد ياسين أحمد بعقاي رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية بالسويد أن إثيوبيا ترفض بشكل قاطع ما تسميه دولتا المصب الحقوق التاريخية لهما في مياه النيل، التي قررها الاستعمار الغربي، مشيرا إلى أنه مع الاتفاق الملزم العادل، والاستخدام الرشيد لمياه النيل.
وقال بعقاي في تصريحات صحفية إن “قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي اعترف بحقوق إثيوبيا في بناء السد، من خلال التوقيع على اتفاق إعلان المبادئ في الخرطوم عام 2015 الذي يشكل قاعدة صلبة في مواجهة أي مزاعم تتعلق بتفرد إثيوبيا وفرض الأمر الواقع”.
وأشار إلى أن تشييد السد لن يتوقف لأن إعلان المبادئ يعطي الحق لإثيوبيا في بناء سد النهضة والاتفاقية تستند أيضا إلى اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية الذي دخل حيز التنفيذ في عام 2014.
وأضاف بعقاي أن نظام الانقلاب حاول محاربة إثيوبيا ومنعها من الحصول على أي تمويل دولي لبناء السد، لكن إثيوبيا اتخذت قرارا استراتيجيا ببناء السد بجهود ذاتية، مؤكدا أن إثيوبيا نجحت في تحقيق تنمية اقتصادية خلال السنوات القليلة الماضية وكانت أسرعها نموا في أفريقيا، وهناك تنافس بين قوى دولية وإقليمية وخليجية وعربية الآن للاستثمار في البلاد، وقد يكون للسد دور، ولكن إثيوبيا كانت لها رؤيتها الخاصة.
وكشف أن إثيوبيا ترفض الاتفاق الملزم من وجهة نظر مصر والسودان؛ والتي تعني فرض الحقوق والحصص التاريخية لهما، وتزعمان أنها حقوق مشروعة إلا أن إثيوبيا ترى أن هذه الحقوق جاءت لخدمة المستعمر آنذاك، وهي اتفاقيات جائرة وظالمة.
وشدد بعقاي على أنه بأي حال من الأحوال لن تقبل إثيوبيا أن يُفرض هذا الأمر في أي اتفاق جديد لأن اتفاق سد النهضة لا يتحدث عن تقسيم مياه النيل، إنما يتحدث عن التشغيل والتعاون في فترة الجفاف، أما مصر فتريد أن تستغل حاجة إثيوبيا لبناء السد لتكريس فرض ما يسمى بالحقوق التاريخية وتمنعها من بناء مشروعات استثمارية مستقبلية وتحرمها من حصتها الحقيقية في النيل الأزرق وفق تعبيره.
وأوضح أن إثيوبيا ترضى باتفاق ملزم عادل على أساس صفقة جديدة، أما ما يتعلق بتقسيم مياه النيل فنحن نوافق عليه في إطار اتفاقية عنتيبي في أوغندا التي رفضتها مصر والسودان عام 2010 ووقعت عليها 9 دول من دول حوض النيل، كما نرفض تقليص حجم التخزين البالغ 74 مليار متر مكعب وهو كان معلوما منذ البداية، وهو أقل من نصف حجم خزان السد العالي .
حصة مصر
وحذر الدكتور محمود أبو زيد، وزير الموارد المائية الأسبق من أن تأثير سد النهضة على حصة مصر في مياه نهر النيل أمر مؤكد، وسيخفض من حصة مصر البالغة حاليا 55 مليار متر مكعب سنويا من المياه، متوقعا أن يتراوح مقدار النقص من 5 إلى 15 مليار متر مكعب، حسب كمية التبخر والتسرب والفيضان والتدفق السنوي من مياه الأمطار التي تتدفق على النيل الأزرق.
وقال أبو زيد في تصريحات صحفية إن “كميات المياه التي تتدفق على النيل الأزرق هي التي ستتحكم في الأمر، وستكون حاسمة في معرفة مصير المياه الواردة لمصر، وتحديد تأثير السد من عدمه فإذا كانت الكمية كبيرة فستحصل إثيوبيا على حاجتها من المياه اللازمة لها وللسد، وستحصل مصر أيضا على حصتها دون نقصان وكذلك السودان، مؤكدا أن المشكلة الأساسية التي تعتبر نقطة الخلاف الرئيسية تنصب في حالة ما إذا كانت المياه المتدفقة على النيل الأزرق قليلة وغير كافية في أي عام من الأعوام”.
وأكد أن التخوفات المصرية منطقية وعلمية وفنية، فالتنبؤ بكمية المياه المتدفقة على النيل الأزرق سيكون صعبا، والدراسات تؤكد أن نسبة أخرى من المياه يتم فقدها في التبخر والتسرب، ومن ثم كل هذا سيؤدي لتأثر مصر وتقليل حصتها، خاصة أنها ليس لها مصدر آخر للمياه سوى مياه النيل.
وطالب أبو زيد بأن تكون هناك مفاوضات حول قواعد التشغيل التي ستكون مدى الحياة، خاصة مع اقتراب أثيوبيا من ملء خزانات السد، لافتا إلى أن هذه القواعد ستحتاج لجولات تفاوضية واجتماعات مطولة، لأن بنودها طويلة الأجل وستلتزم بها الحكومات القادمة والمتعاقبة، لذلك يجب أن يكون هناك اتفاق وتوافق حولها.
وأشار إلى أن هناك الكثير من الحلول التي يجب أن تتبعها مصر لمواجهة نقص المياه بسبب السد أهمها ترشيد استهلاك المياه، واستخدام أدوات الترشيد في المنازل والمساجد والمدارس، فضلا عن استخدام طرق الري الحديثة ومشاركة مستخدمي المياه، مشددا على ضرورة التوسع في استخدام المياه الجوفية، والاعتماد على تحلية المياه عالية الملوحة ومعالجة مياه الصرف الصحي والزراعي والتوسع في استخدام المياه غير التقليدية.