مع تراجع قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي لتصل في السوق السوداء إلى أكثر من 37 جنيها بسبب خضوع نظام الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي لإملاءات صندوق النقد الدولي بجانب الانهيار الاقتصادي وتراجع الإنتاج في مختلف القطاعات أكد مصرفيون أنه من الصعب توقع مستوى محدد لسعر الجنيه مقابل الدولار في الأجل القصير.
وقال المصرفيون إن “التوقعات تشير إلى أن الجنيه المصري سيواصل تراجعه أمام الدولار وستصل قيمة الدولار إلى 50 جنيها نهاية العام 2023 موضحين أن العامل الأساسي في حسم تحركات سعر الجنيه أمام الدولار خلال الفترة المقبلة يتمثل في العرض والطلب بشكل أساسي، وهو ما يعني أنه سيتوقف على مستوى تدفقات العملات الأجنبية التي تعاني البلاد من تراجعها بشكل كبير.
وحملوا حكومة الانقلاب مسئولية التراجع المستمر في قيمة الجنيه لاتباعها ما تسميه آلية سعر صرف مرن منذ أكتوبر الماضي خضوعا لإملاءات صندوق النقد، موضحين أن هناك عوامل اقتصادية أخرى لها دور مؤثر في اتجاه سعر الصرف.
4 بنوك عالمية
كانت 4 بنوك عالمية، هي كريدي سويس السويسري، وبنك أوف أمريكا، وسوسيتيه جنرال الفرنسي قد توقعت في تقارير منفصلة، هبوطا قياسيا جديدا للجنيه المصري مقابل الدولار خلال الشهر الجاري.
وقال تقرير صادر عن بنك كريدي سويس إن “الجنيه سيشهد تراجعات جديدة مقابل الدولار الأمريكي، متوقعا أن تنخفض قيمته إلى 35 جنيها للدولار الواحد خلال شهر مارس الجاري، لعدة أسباب أبرزها عدم وضوح برنامج طروحات الشركات الحكومية”.
وتوقع بنك أوف أمريكا أن يشهد الجنيه المصري سلسلة تراجعات مقابل الدولار الأمريكي، دون أن يضع حدودا لمستويات التراجع، فيما توقع بنك “إتش إس بي سي” البريطاني أن يصل سعر الدولار في سوق الصرف المصري خلال فترة قصيرة إلى 35 جنيها.
وقبل يومين توقع بنك سوسيتييه جنرال الفرنسي، أن تفقد العملة المصرية نحو 10 بالمئة من قيمتها خلال شهر مارس الجاري لتصل إلى 34 جنيها للدولار الواحد.
وأكد أن تزايد الديون أدى إلى حاجة نظام الانقلاب إلى عملة أرخص، مع اتساع عجز الحساب الجاري والنقص الحاد في الدولار.
وقال البنك الفرنسي “على الرغم من فقدان الجنيه 50 بالمئة من قيمته خلال عام، بعد خفض قيمته ثلاث مرات، فإن العملة لم تصل بعد إلى سعر صرف متوازن قصير الأجل”.
هبوط مفاجئ
يشار إلى أنه منذ مارس 2022، بدأ سعر صرف الجنيه في تراجع مستمر وكبير مقابل العملات الأجنبية، ليرتفع سعر الدولار في مقابله بنحو 95%، ووصل متوسط سعر البيع في معاملات البنوك إلى 30.66 جنيها حاليا من 15.76 جنيها في 20 مارس الماضي”.
وأسهم في هذا التراجع الكبير التداعيات السلبية للحرب الروسية الأوكرانية والتي أدت إلى خروج 22 مليار دولار استثمارات أجنبية غير مباشرة من مصر خلال النصف الأول من العام الماضي.
وخلال الساعات الماضية، شهد السعر الرسمي للجنيه مقابل العقود الآجلة غير القابلة للتسليم، هبوطا مفاجئا إلى مستويات الـ 37 جنيها للدولار الواحد، وهو أدنى مستوى له في التاريخ، وفقا لوكالة بلومبيرج الأمريكية، وارتفعت تكلفة التأمين على الديون السيادية المصرية بنحو 55 نقطة إلى 1047 نقطة، وهو الأعلى خلال 2023، كما سجلت السندات المصرية الدولية، أسوأ أداء بين سندات الأسواق الناشئة، خلال تعاملات الثلاثاء الماضي.
العرض والطلب
من جابنه قال الخبير المصرفي محمد عبد العال، إن “نظام الانقلاب يتبع حاليا سعر صرف مرن وليس مدارا، ولذلك فإن صعود أو هبوط الجنيه أمر متوقع وفقا لآلية العرض والطلب دون تدخل من البنك المركزي أو البنوك، مؤكدا أنه من الصعب توقع سعر صرف محدد للدولار مقابل الجنيه على الأجل القصير”.
وأوضح عبد العال في تصريحات صحفية أنه في حال زيادة التدفقات الدولارية من الموارد الرسمية من تحويلات المصريين العاملين بالخارج أو السياحة أو صادرات الغاز سينعكس ذلك على قوة الجنيه أمام الورقة الخضراء، أو العكس سيرتفع الدولار في حال زيادة الطلب على الدولار مقابل نقص المعروض.
ولفت إلى أن كبح جماح التضخم والسيطرة على زيادة الأسعار يعد العامل الأهم الذي سيساهم في تعزيز قوة الجنيه أمام الدولار، لكن تكلفة خفض التضخم مرتفعة متمثلة في المزيد من رفع سعر الفائدة وطرح شهادات مرتفعة العائد وإطلاق مبادرات بفائدة مدعمة لتقليل التكلفة على المنتجين من القطاع الخاص.
وشدد عبد العال على أن ارتفاع التضخم يتسبب في خلق ضغوط قوية على الجنيه بسبب ارتفاع الأسعار، لكن البنك المركزي يستطيع مواجهته بما يمتلكه من أدوات مختلفة تتمثل في رفع الفائدة وزيادة الاحتياطي الإلزامي النقدي.
وطالب حكومة الانقلاب بسرعة إطلاق مبادرة توفير التمويلات بفائدة مخفضة 11% للقطاع الصناعي والزراعي عبر البنوك، بهدف مساعدة السياسة النقدية على تنفيذ مستهدفاتها في كبح التضخم دون القلق من زيادة عبء الإقراض الذي سينعكس بدوره على زيادة الأسعار والتضخم.
عوامل نظرية
وقال محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، إن “بنك سوسيتيه جنرال اعتمد في بناء توقعاته لسعر صرف الجنيه أمام الدولار على عوامل نظرية تعتمد على التضخم وسعر الفائدة، وليست عوامل عملية تقوم على الافتراض الأساسي في تحديد سعر الصرف وهو العرض والطلب من العملة الأجنبية”.
وأكد نجلة في تصريحات صحفية أن المعلومات المتعلقة بالعوامل الأساسية في تحديد قيمة الجنيه أمام الدولار على المدى القصير قد لا تكون واضحة أمام أي بنك أو محلل في الوقت الحالي سوى للبنك المركزي الذي يرى الصورة كاملة بناء على حجم البيانات المتعلقة بالطلبات والتدفقات من العملة.
وأشار إلى أن سوسيتيه جنرال بنى توقعاته لسعر الصرف على فرضية اتجاه البنك المركزي في آخر اجتماع له إلى تثبيت سعر الفائدة في ظل استمرار ارتفاع معدل التضخم، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من تراجع سعر صرف الجنيه أمام الدولار وهي توقعات صحيحة نظريا وعلى المدى الطويل في حال عدم ظهور مستجدات قد تؤدي لتحسن أوضاع التدفقات”.
وأضاف نجلة أن آلية تحديد سعر صرف العملة أمام العملات الأخرى بين الدول تعتمد على سعر صرف حر تقوم على معادلة حسابية معروفة وهي احتساب سعر الفائدة والتضخم، وفي حال زيادة معدل التضخم مع عدم وجود عائد حقيقي على المدخرات في البنوك ينعكس ذلك على سعر الصرف الحقيقي للعملات.
وأوضح أن قرار رفع أو تثبيت سعر الفائدة يرجع إلى البنك المركزي ويخضع تحديده إلى موائمات مختلفة بناءً على البيانات المتاحة لديه بشكل أكثر وضوحا وكذلك حسب الأولويات الاقتصادية.
قرارات تنشيطية
وكشف علاء عبد الحليم، عضو مجلس إدارة شركة الرواد للأوراق المالية، أن نظام الانقلاب يعاني من أثار أزمة اقتصادية عالمية، ولكن مشكلته الأساسية تتمثل في تضخم الدين الخارجي والمحلي، موضحا أن الفوائد قد تتجاوز 800 مليار جنيه للدين المحلي، إضافة إلى الالتزامات الدولارية لسداد الديون الخارجية وفوائدها، وهو ما يمثل العقبة الكؤود أمام البلاد.
وقال عبد الحليم في تصريحات صحفية إن أسعار المواد الأساسية تحركت ارتفاعا على مستوى العالم، وارتفاع الأسعار في الأسواق المصرية لهذه السلع أمر طبيعي، وهو أمر ليس خاصا بمصر فقط ولكنه أمر عالمي.
وأضاف، الاقتصاد الألماني يشهد تراجعا، وهناك مخاوف من أن يدخل الاقتصاد الأمريكي في ركود، والتضخم في أوروبا وصل إلى 8% وهو الذي لم يتجاوز 2% سابقا مطالبا حكومة الانقلاب بأن تقلل من النفقات، أو تؤجل المشروعات الفنكوشية وتعتمد سياسة مالية ونقدية لتجاوز هذه الأزمة، وبالطبع سنعاني من التضخم، لكن الخوف كل الخوف أن ندخل في ركود وهو ما يحتم على حكومة الانقلاب أخذ بعض القرارات التنشيطية للأسواق .