في مفارقة عجيبة لا تخرج إلا من دماغ السفاح السيسي، عرض على فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر، تبادل الخبرات في مجال الزراعة وإدارة المياه والري، والنظر في سبل التعاون لمواجهة أزمتي الغذاء والطاقة العالميتين، وهو عرض أدهش المراقبين وأهل الاقتصاد وجعلهم يضربون كفا بكف ويرددون “سبحان الله”.
وأثني السفاح السيسي وقوف المجر في ظهر الانقلاب بمصر، وقال “كان لنا صوت في الاتحاد الأوروبي وكان الصوت ده هو دولة المجر، اللي بتقدم وتشرح وتفسر كتير من الأوضاع اللي كانت موجودة في المنطقة، بما فيها الأوضاع اللي موجودة في مصر”.
ويستمر السفاح السيسي، في سياسته التي انتهجها مؤخرا ببيع أصول الدولة المصرية لدول الخليج والمستثمرين الأجانب، أملا في الخروج من الأزمة الكارثية التي تسبب بها للاقتصاد المصري وانهياره، بسبب حكمه القمعي وسياساته الفردية.
وبعيدا عن سندان الضغوط الخارجية التي هرم وشاب من ينتظرونها أو يراهنون عليها، ومطرقة التحرك الشعبي الذي تتضاءل فرصه أمام قسوة القبضة الأمنية وعنفها والإغلاق التام للمناخ، فالاستقرار بات مهددا أمام أزمة اقتصادية غير مسبوقة، جلبت معها عشرات الملايين من المواطنين بعنف إلى خط الفقر والديون، وفوائدها أكلت فرص وجود فائض يقدمه السيسي للنظم المتحالفة معه كرشاوى لغضّ الطرف عن أفعاله وأكاذيبه وانتهاكاته المروعة، كما بدأت بشائر تخلي الدول الخليجية عنه، بعد أن التهمت بثمن بخس اقتصاد الدولة، وبدأت مطامعها وطموحها تتجاوز ذلك إلى اقتصاد الجيش.
في تلك اللحظة، بدأت الأصوات تتعالى، ربما للمرة الأولى، للحديث عن رحيل السيسي عن السلطة بشكل سلمي، بعيدا عن أي انقلابات عسكرية جديدة أو هزات عنيفة، إذ لم يعد هناك شك في أن الأزمة الاقتصادية في مصر تتجاوز الحرب الأوكرانية، والأسباب الدولية، فأوكرانيا ذاتها لا تعاني بالحجم الذي يعاني منه المصريون.
تتمركز الأزمة في عقل السفاح السيسي والجيش اللذين التهما بلدا كبير الحجم بسكانه الذين يتجاوز تعدادهم 107 ملايين نسمة، وفرضا عليه حصارا غير مسبوق، يليق بفاشيات العصور الوسطى.
ما تقوله الأحداث أخيرا إن “مزيدا من القمع لن يضمن استقرارا بعد الآن، وخطورة وضع الجيش هذه المرة بوصفه شريكا، والتي تختلف عن وضعيته في 25 يناير 2011، كـ “تكنوقراط” بعيد عن الشأن السياسي والاقتصادي، أو شبه محايد، ستجعل المعركة موجّهة ضده”.
والمعركة هذه المرة صفرية، بعد أن انتهت كل فرص التراجع أو تصحيح المسارات، هذا الفشل محصلة القاعدة التحليلية التي مفادها أن “النظم الاستبدادية، لا تبني اقتصادا سليما، والاستبداديين لا يمكن أن يتجهوا بالأوطان إلى نظم ديمقراطية”.
يضاف إلى ذلك أن المشاريع الضخمة ستنتهي إلى كوارث اقتصادية، بحسب ستيف هانكي، فلا هي قامت على دراسة أو أسس وأهداف سليمة، وإنما هي الابن السفاح للديكتاتورية المتطلعة بنهم إلى شغل الجماهير وتقييدهم بعائدات افتراضية ومشروعات وهمية وخيلاء مرضية.
ويعتقد الخبراء أن مصر التي كثيرا ما يُنظر إليها باعتبارها “أكبر من أن تفشل” بسبب تعداد سكانها، وأنها تحظى بأقوى جيش في منطقة الشرق الأوسط، باتت على مقربة من الفشل، إلى درجة أن خبراء يتحدثون عن بدء العد التنازلي لسقوط النظام بلغة الأرقام والنتائج، وهي المؤشرات التي كان ينتظرها بعضهم منذ سنوات، لولا الدعم الخارجي.
ويشرح الباحث المتخصّص في الاقتصاد المصري، تيموثي كلداس، ذلك قائلا “ما يجعل مصر محظوظة أن الداعمين الخارجيين يعلقون أهمية أكبر على قابلية الدولة للاستمرار، بغض النظر عن مدى سوء إدارتها”.
ولكن إذا كان الاستقرار مهددا بالفعل، فلماذا لا يتوقف الداعمون عن مشروعهم الفاشل في استنقاذ النظام السلطوي في مصر، وتقديم كل أنواع الدعم له؟.