بلادنا العربية موبوءة بشرذمة من صعاليك الطغاة والمستبدين، الذين فرضوا سلطانهم على الشعوب بأدوات القهر والإرهاب، ضاربين عرض الحائط بكل قيم العدل والإنصاف والشورى والحرية، متجاهلين حق الأمة في السيادة على الدولة وتوجيه مؤسساتها نحو خدمة الناس لا الحكام. وكلما مضى جيل من الطغاة تبعه جيل جديد؛ وكأن بلادنا تنزلت عليها لعنة تبقيها تحت سلطان كل ظالم غشوم، لا يتقي الله في الناس، ولا يتورع عن ارتكاب كل الخطايا والجرائم والمظالم من أجل أن يبقى على العرش المصنوع من جماجم الضحايا وأنين المظلومين.
في بلادنا العربية هناك مجنون مصر (عبدالفتاح السيسي)، ومجنون سوريا (بشار الأسد)، ومجنون السعودية (محمد بن سلمان) الذي غير هوية بلاد الحرمين الإسلامية ويحولها إلى كباريه كبير على غرار كباريهات شارع الهرم في مصر. وهناك مجنون الإمارات (محمد بن سلمان) الذي قرر أن يلغي الإسلام ويخترع دينا جديدا اسمه الديانة الإبراهيمية وهي خليط من التوحيد والشرك يستهدف بها تمييع العقائد ونشر الضلال والفساد بين المسلمين.
وهناك مجنون تونس (قيس سعيد)، وهذا له قصة خاصة جدا؛ لأنه الوحيد الذي جاء بانتخابات حرة واستبشر به الناس خيرا؛ فإذا به أحد أعمدة الطابور الخامس الفرنسي في بلاد قرطاجنة مهد العالم الجليل (عبدالرحمن بن خلدون)، لكنه انقلب على الدستور والتجربة الديمقراطية الوحيدة في بلادنا، وتكفل بإطفاء الشمعة الوحيدة في بلادنا التي تغط في ظلام دامس منذ عقود طويلة، بدأت بالاحتلال وانتهت بحكم عسكري بغيض اتضح أنه وكيل حصري للاحتلال الغربي.
خطاب كراهية ضد المهاجرين الأفارقة
آخر مهازل مجنون تونس أن البنك الدولي أوقف منذ الأحد (05 مارس 23م) تعاملاته المستقبلية مع تونس بعد أيامٍ قليلة من تصريحات قيس سعيد، التي استهدفت المهاجرين من إفريقيا وتسببت في مضايقات وأعمال عنف بدوافع عنصرية. وبحسب رويترز، أوقف البنك الدولي إطار عمل الشراكة مع تونس، الذي يحدد البرامج المستقبلية بين عامي 2023 و2025، بشكل مؤقت وأرجأ اجتماع مجلسه الذي كان مقررًا في 21 مارس الجاري حول مراجعة اتفاق استراتيجي جديد مع البلاد حتى إشعار آخر، فيما لم يُعلق البنك نشاطاته الجارية.
وقال رئيس البنك الدولي، ديفيد مالباس، إن البنك يرى الوضع في تونس «مقلق للغاية»، مؤكدًا أن سلامة المهاجرين والأقليات ودمجهم جزء من القيم الأساسية لمؤسسة البنك الدولي المتمثلة في الاحتواء والاحترام ومناهضة العنصرية بجميع أشكالها وصورها. وكان مجنون تونس أعلن، في فبراير الماضي، التصدي لهجرة الأفارقة إلى تونس، وطالب قوات الأمن بضرورة وقف تدفق المهاجرين فوريًا، واصفًا الهجرة بأنها مؤامرة لتغيير التركيبة السكانية لتونس بجعلها «دولة إفريقية فقط» لا تنتمي إلى العالم العربي والإسلامي، قبل أن يعود بعدها ويشير إلى العواقب القانونية التي قد يتعرض لها من يهاجمون المهاجرين، بعدما أدان الاتحاد الإفريقي تصريحاته ووصفها بأنها خطاب كراهية عنصري. لكن، خلال الفترة بين تصريحات سعيد وتراجعه عنها، قال المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إن الشرطة اعتقلت مئات المهاجرين، فيما طرد أصحاب العقارات المئات من منازلهم دون مراعاة الإجراءات المتعارف عليها، وسُرّح مئات آخرين من العمل. وتقول مؤسّسة مبادرة «فالصو» لرصد الأخبار الزائفة وتدقيق المعلومات، زينة الماجري، في حوار مع «بي بي سي»، إن الحزب القومي التونسي الذي تشكل افتراضيا في 2011م وحصل على رخصة قانونية في 2018م، دأب على الإشارة إلى أن تونس تحتضن 700 ألف مهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء، في الوقت الذي تشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد المهاجرين المقيمين، بصرف النظر عن جنسياتهم، لا يتجاوز 59 ألفًا. بالإضافة لذلك، يعمل معظم المهاجرين غير النظاميين في البناء والحراسة والزراعة، وفي مهن أخرى يرفض كثير من التونسيين امتهانها. ورغم نفي قادة الحزب الطابع العنصري لخطابهم وتوجهاتهم، دعت صفحات يشرف عليها عدد من المنتسبين للحزب إلى حل الاتحاد العام التونسي للشغل وإعدام قادته، واحتفت باغتيال مسؤولين كونهم «عروبيين».
اعتقال معارضين
وفي منتصف فبراير"23م"، اعتقلت شرطة قيس سعيد معارضين بارزين للنظام، بينهم قيادات بارزة في حركة النهضة التونسية كبرى الأحزاب السياسية في البلاد، حيث تم اعتقال نائب البرلمان المجمد سيد الفرجاني، والقيادية في حركة «الخلاص»، شيماء عيسى، ورئيس الحزب الجمهوري، عصام الشابي، وجوهر بن مبارك. وكان سعيد قد وصف معارضيه قبل الحملة الأمنية بأيام، بـ«الخونة والمجرمين»، قائلًا إن «تونس تريد التخلص من هؤلاء المجرمين». الحملة الأمنية شملت اعتقال سياسيين وقضاة ورجل أعمال، ومدير إذاعة موزاييك إف.إم، التي تُعد أهم وسيلة إعلام مستقلة في البلاد. واعتبرت منظمة العفو الدولية غير الحكومية أن حملة الاعتقالات «محاولة متعمدة للتضييق على المعارضة ولا سيما الانتقادات الموجهة للرئيس». ويحكم سعيد، منذ يوليو 2021، وفق قوانين استثنائية فرضها عقب انقلابه بالإعلان عن تجميد العمل بالدستور، وإعفاء رئيس الوزراء حينها، هشام المشيشي، وتعليق البرلمان ورفع الحصانة عن النواب. وفي الوقت الذي وصفت فيه قوى المعارضة تلك الخطوة بـ«الإنقلاب»، استند سعيد على تأويل خاص به للفصل 80 من دستور 2014 الذي يسمح لرئيس الجمهورية اتخاذ «تدابير استثنائية» إذا ما كان هناك «خطر داهم» يهدد البلاد، وهي الذريعة التي اتضح أنها الشماعة التي استند إليها وفق تفسيره الشخصي للانفراد بالسلطة وإجهاض الديمقراطية بدعم من مؤسسات القوة في الدولة (الجيش الشرطة) ودعم مطلق من الحكومة الفرنسية.