كيف تتعنت حكومة الانقلاب في استخراج الوثائق الرسمية  للمعارضين السياسيين؟

- ‎فيتقارير

يعاني كثير من المعارضين السياسيين لنظام الانقلاب العسكري في استخراج الوثائق الرسمية الثبوتية من أجهزة الدولة المختلفة، وأبرزها تجديد البطاقة الشخصية وجواز السفر  وكافة الأوراق الثبوتية الأخرى. وهو نفس ما تفعله  السفارات المصرية مع المصريين في الخارج لا سيما المعروف عنهم مواقفهم المناهضة لنظام الانقلاب العسكري.

شبكة الجزيرة نت  نشرت تقريرا حول هذه الأزمة بتاريخ 25 مارس 2023م تحت عنوان: (عالقون بين السجن والحرية.. لماذا لا يسمح للمفرج عنهم في سجون مصر باستخراج أوراق رسمية؟). وسردت قصة أحد المعتقلين السابقين الذي تم الإفراج عنه مؤخرا، والذي وجد نفسه مطالبا باستخراج أكوام من الأوراق الرسمية حتى يتسنى له البدء في حياته بشكل طبيعي؛ لكنه فوجئ عند استخرج أهم الوثائق (بطاقة الرقم القومي) بأنه محظور من التعامل مه حسب موظف السجل المدني، وعندما استفسر عن سبب ذلك رجح الموظف أنه ربما يكون مدرجا على قوائم التحفظ على الأموال، فربما كان هذا هو السبب؟ نفى يحيى بثقة، فنصحه الموظف بالذهاب إلى الجهة التي ترسل الحظر على الأسماء للجهات الرسمية، وهي جهاز الأمن الوطني.

وعندما ذهب إلى الأمن الوطني أخبره الضابط أنهم ليسوا مسئولين عن ذلك. فعاد  مسرورا لأنه خرج  من عندهم على قدميه، وعندما شرع في مخاطبة أحد المحامين أخبره أن العشرات يعانون من هذه الأزمة. والمحامون عاجزون عن حل المشكلة؛ لأن أيديهم "مغلولة" عن التحرك لمقاضاة الجهات الممتنعة عن تجديد بطاقة هويته، ذلك لأن تحركهم لا بد أن يكون بتوكيل من المدعي، والتوكيل يتطلب إثبات شخصية سارية المفعول.

وتؤكد ماهينور المصري، الناشطة التي تعتبر نفسها محظوظة لأنها تمكنت من استرداد جواز سفرها بعد سحبه مرتين، أن خبرتها بالمسألة تقول إنها لا تتعلق بوجود تشابه في الأسماء في بعض القضايا أو حتى قضايا حقيقية، بل بـ"التعنت الأمني"، وغالبا ما تكون الجهات المتصدرة في الواجهة بالمنع "لا تملك من الأمر شيئا"، فـ"القرار الحقيقي" بيد الأجهزة الأمنية. وتشدد الناشطة الحقوقية على أن الحل الوحيد هو اللجوء إلى القضاء كما كانت ستفعل بإقامة دعوى في مجلس الدولة بشأن امتناع الجهة الإدارية عن إصدار أوراق رسمية، لكن معظم السجناء المفرج عنهم يحجمون عن تلك الإجراءات "خشية العودة للسجن"، خصوصا أن معظمهم يكونون قد جرى إخلاء سبيلهم على ذمة قضايا أخرى.

هذا الإجراء الذي تنصح به المصري لا يعيقه الخوف فحسب، بل يعرقله كذلك انعدام وجود أوراق رسمية تقتضيها إقامة الدعوى، كما يشير المحامي والحقوقي أحمد حلمي. ويصف حلمي مشكلة العجز عن استخراج أوراق رسمية بأنها "أم الأزمات" بالنسبة للمفرج عنهم، سواء من صدرت بحقهم قرارات تحفظ على الأموال أم لا، كما توسع الأمر من التحفظ على الأموال إلى حظر التعامل عموما مع الجهات والمصالح الحكومية، ثم أخذ يشمل كل المفرج عنهم ليجمد حياتهم ويجعلهم عاجزين عن قيد أبنائهم، وتجديد رخصة السيارة مثلا. ورأى المتحدث أن الحل الوحيد للخروج من تلك الدائرة "الجهنمية" المغلقة هو أن يذهب صاحب المشكلة مع المحامي الخاص به إلى المحكمة، وهناك يطرح أمام القاضي مشكلته، محاولا إثبات أنه هو نفسه الشخص المعني بها، و"الأمر متروك لتقدير القاضي وقناعته".

بريق أمل انبثق من تلك العتمة حينما أرسل النائب العام قائمة إلى مصلحة الأحوال المدنية تتضمن أكثر من ألف شخص لرفع أسمائهم من حظر التعامل مع الجهات الحكومية. سارع العشرات إلى استخراج أوراقهم الثبوتية وتيقنوا من صحة الخبر، فتسلموا أوراقهم غير مصدقين أنهم أخيرا بات لديهم ما يثبتون به هوياتهم. لكن هناك آخرين لا يزالون عالقين وليس أمامهم إلا الانتظار لورود قائمة أخرى من النائب العام أو اللجوء إلى القضاء لعل حظهم يكون مع قاض "متفهم" للظروف.

 

معاناة المهاجرين

نفس الأمر يتكرر  مع المهاجرين في الخارج من معارضي النظام العسكري؛ وقد أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش، بيانا في 13 مارس 2023م، جاء فيه أن السلطات المصرية تمتنع عن إصدار الوثائق الثبوتية أو تجديدها لعشرات المعارضين، والصحفيين، ونشطاء حقوق الإنسان المقيمين في الخارج بشكل ممنهج خلال السنوات الأخيرة، ما يهدف إلى «الضغط عليهم للعودة إلى مصر، ليواجهوا الاضطهاد شبه المؤكد».

واعتمدت «هيومن رايتس» في إصدار البيان على مقابلات أُجريت بين شهري يونيو وديسمبر 2022، مع 26 معارضًا في الخارج. وقالت المنظمة أن مصر تواجه منذ يونيو 2013 موجة هجرة لأسباب سياسية ضمت آلاف المصريين، حسبما رصدت «هيومن رايتس»  من عدد من التقارير الحقوقية. أغلب هؤلاء؛ لا يستطيعون حتى دعوة أسرهم بمصر لزيارتهم في الخارج، خوفًا من المضايقات الأمنية في ظل شيوع الاحتجاز في المطارات المصرية، وفقا للبيان.

وعدد البيان مخاطر الحرمان من الوثائق الرسمية على المصريين بالخارج، حيث تؤثر على «الحقوق الأساسية الأخرى مثل الحصول على الرعاية الصحية، والتعليم، والعمل، والحق في الحياة الأسرية، وحرية التنقل، والحق في مغادرة الوطن». وهو ما يعد انتهاكًا لـ«الدستور المصري والقانون الدولي لحقوق الإنسان»، والتي تعد مصر طرفًا فيه. وركز البيان على الأطفال المولودين بالخارج، فرغم أن «جميع البلدان مُلزمة بتسجيل مواليد الأطفال وضمان حقهم في الجنسية»، إلا أن حرمان آبائهم من جوازات السفر، التي تعتبر دليل على الجنسية والهوية المعترف بها خارج البلد الأصلي، قد «يضع الأشخاص في وضع يشبه انعدام الجنسية».

كما أفرد البيان معظم مساحته لأوضاع المصريين بتركيا، التي تعد بجانب قطر، أكبر الدول المستقبلة للمصريين بعد تغير النظام السياسي المصري في 30 يونيو 2013، حيث أغلقت «القنصلية المصرية في إسطنبول أبوابها فعليًا أمام المصريين منذ عام 2018». إضافة إلى إلزام القنصلية المتقدمين للحصول على أوراق رسمية عبر الفيسبوك «بملء نماذج غير رسمية خارج نطاق القانون»، تطلب هذه النماذج «تفاصيل خاصة؛ مثل سبب مغادرتهم مصر، وروابط حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي».

وأوضح أحد المتحدثين مع «هيومن رايتس»؛ أنه رغم عدم أحقية حصول المصريين على لجوء وفقًا للقانون التركي، إلا أنهم منحوا تصاريح إقامة لأسباب إنسانية. لكن تلك التصاريح «لا تشمل في كثير من الأحيان تصريح العمل». ويضاف إلى صعوبة أوضاع المصريين في تركيا، التقارب بين حكومتَي رجب طيب أردوغان والسيسي مؤخرًا، بعد سنوات من العداء السياسي، حيث قال معارضون مصريون في تركيا لـ «هيومن رايتس» إنه «يتزايد شعورهم بانعدام الأمان». فيما زعم أحد المتحدثين، عمرو حشاد، أنه تعرض لمحاولة خطف داخل القنصلية المصرية لدى إسطنبول. وكما يحيط بأسر المعارضة في مصر تهديدات سلطات الانقلاب، يخشى المعارضون في الخارج احتمالية ترحيلهم، قياسًا بما حدث مع بعض المصريين في الكويت ودول أخرى.

وأشار البيان إلى أن البعثة المصرية في الخارج «تجسست على مصريين في بعض البلدان، ما سبب أزمات دبلوماسية بين مصر من ناحية، وألمانيا وأمريكا من ناحية أخرى»، وفقًا للبيان. وكانت وزيرة الهجرة السابقة، نبيلة مكرم، قد صرحت خلال اجتماعٍ حضرته مع الجالية المصرية بكندا في 2019، بإن «أي حد يقول كلمة على بلدنا يتقطع»، مهددة المصريين بالخارج بعلامة النحر، مما أثار جدلًا حينها.