تفسير مغاير.. هل تم القضاء حقا على  المسلحين في سيناء؟

- ‎فيتقارير

قبل شهور تعهد جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي بإقامة احتفال ضخم لتطهير سيناء مما أسماه بالإرهاب في مدن العريش ورفح والشيخ زويد وليس في القاهرة، والسبت غرة إبريل 2023م اكتفى السيسي بزيارة مدينة القنطرة شرق وسط عدد من الضباط والجنود بمناسبة ذكرى العاشر من رمضان. لكنه لم يف بوعده على الأقل حتى كتابة هذه السطور بالاحتفال في الشيخ زويد ورفح.

قبل زيارة السيسي للقنطرة شرق كان الجنرال قد اكتفى  بتنظيم  استعراض عسكري (الأحد 26 فبراير 2023) باصطفاف معدات تابعة للجيش تشارك في مشروعات التنمية في سيناء. وهو الاستعراض الذي تابعه السيسي تلفزيونيا وأجرى مداخلة مع كبار القادة المشرفين عليه.  خطاب السيسي وتصريحاته خلال المداخلة ركزت على  التأكيد على نجاح الدولة في القضاء على الإرهاب بسيناء. بل يذهب السيسي إلى أبعد من ذلك بالزعم أن الدولة لم تنجح فقط في القضاء على الإرهاب بل  نجحت أيضا في تحقيق التنمية! يقول السيسي: «إن التنمية فى سيناء تحققت بفضل الله والجيش والشرطة وأهالي سيناء بعد دحر الإرهاب، الذى كان يعيق التنمية وحياة المواطنين».

كان من اللافت أن هذا الاستعراض بمعدات الجيش المشاركة في مشروعات سيناء أنه جرى في إحدى الثكنات العسكرية التابعة للجيش الثاني في محافظة الإسماعيلية على بعد نحو (200) كم عن بؤرة التوتر في شمال سيناء.  من جهة ثانية، لم يحظ هذا الاستعراض برضا كثير من أهالي سيناء الذين تساورهم الكثير من الشكوك حول وعود السيسي وأجهزته بشأن هذه المشروعات التي لا يستفيد منها السيناوية شيئا. فالسيسي وعد في مداخلته بالعمل من أجل تحسين البيئة الأمنية وضرورة عودة انتشار الشرطة بكثافة، وتحسين خدمات التعليم والصحة، رابطاً غياب إنشاء مشاريع لخدمة أهالي بالمنطقة بـ"وجود الإرهاب" فيها. كذلك جرى تكريم عدد من أبناء سيناء، العاملين في القطاعات الحكومية المختلفة، إضافة إلى تكريم أصحاب شركات اقتصادية عملت تحت مظلة الهيئة الهندسية لتنفيذ مشروعات سيناء خلال الأعوام الماضية. في حين لم تشمل المناسبة تكريم أي من مشايخ أو قادة أو أفراد المجموعات القبلية المساندة للجيش، ولا عوائل قتلى المجموعات أو المصابين منهم. وضجت مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات سلبية على خطاب السيسي حول الوضع في سيناء، ومستقبل المنطقة.

 

الإرهاب المصطنع

على مدار السنوات الماضية، هناك شكوك كثيرة حول هذه الحرب المزعومة على الإرهاب المزعوم بسيناء؛ لأن مثل هذه الحرب لو كانت حقيقية فإنها مدعاة للسخرية؛ إذا كيف يعجز الجيش المصنف العاشر عالميا عن القضاء على حفنة مسلحين لا يزيد عددهم على المئات؟ من جهة ثانية، فإن التقديرات في بداية هذه الحرب كانت تصل بالمسلحين إلى نحو ألف مسلح على أقصى تقدير، لكن الحرب استمرت نحو عشر سنوات؛ اعتقل نحو 8 آلاف سيناوي، وقتل منهم عدة آلاف أخرى؛ بمعنى أن مسلحي التنظيم قد تم القضاء على معظمهم فعلا وعلى معظم قدرات التنظيم قبل عدة سنوات ومن تم قتلهم أو اعتقالهم خلال السنوات الأخيرة هم من الأهالي الغاضبين الذين تعرضوا للظلم على يد الجيش والشرطة. ذلك ليس معناه نفي وجود لتنظيم ولاية سيناء بل يميل أكثر إلى أنه تم التضخيم المتعمد لهذه الظاهرة لأهداف سياسية تحت رعاية أمريكية إسرائيلية مباشرة.

من جانب آخر، فإن بقاء واستمرار هذه الحرب المزعومة وهذا الكيان المزعوم (ولاية سيناء)، كان يمثل مصلحة إسرائيلية في المقام الأول على مدار السنوات الماضية للأسباب الآتية:

  • الأول، أن تلك الحرب المفتعلة تمثل غطاء ضروريا للتواجد الإسرائيلي في سيناء التي باتت مستباحة للطيران الإسرائيلي الذي يشارك بالفعل إلى جانب السيسي في قصف مناطق بسيناء بدعوى ملاحقة الإرهابيين والعناصر المسلحة، وهو ما أكدته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية في تقرير لها  نشرته في فبراير 2018م، نقلا عن مسئولين أمريكيين بأن الطيران الإسرائيلي شن أكثر من مائة ضربة جوية على سيناء بموافقة من السيسي. وهو الأمر الذي التزمت القاهرة وتل أبيب حياله الصمت. وفي يناير 2019م اعترف السيسي بذلك في لقائه مع برنامج "60 دقيقة" على  قناة "سي بي إس" الأمريكية، مقرا بأن الجيش المصري يعمل مع إسرائيل ضد الإرهابيين في شمال سيناء، وأن العلاقات حاليا هي الأكثر متانة منذ بدئها بين البلدين. ومن خلال هذا التواجد العسكري والأمني والمخابرات وحتى عبر بوابة السياحة والاستثمار تفرض حكومة الاحتلال هيمنتها المطلقة على سيناء حتى تبقي  منطقة عازلة تهيمن عليها مصر صوريا وتهمين عليها إسرائيل فعليا.
  • الثاني، تمثل هذه الحرب غطاء  ممتازا لتحركات الموساد من أجل ملاحقة شبكات تهريب السلاح من سيناء إلى حركات المقاومة في قطاع غزة لا سيما حماس والجهاد. وقد كشف ذلك تقرير نشره موقع "وللا" العبري يوم 6 يناير 2019م، مؤكدا أن إسرائيل استغلت سماح نظام السيسي لها بالعمل في سيناء، وعملت بشكل مكثف على إحباط إرساليات السلاح التي تهرّب عبر الصحراء إلى "كتائب عز الدين القسام"، الجناح العسكري لـ"حماس". التقرير الذي أعده المعلق العسكري للموقع أمير بوحبوط، يؤكد أن الإعلانات التي تصدر عن القاهرة، والتسريبات التي صدرت في إسرائيل عن استهداف تنظيم "ولاية سيناء"، كانت مجرد "حجة" للتغطية على الهدف الحقيقي من العمل العسكري الإسرائيلي في سيناء، والهادف إلى إحباط وصول إرساليات السلاح إلى "حماس" في غزة. ويكشف أن رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، غادي إيزنكوت، هو الذي أعد مخطط إحباط عمليات تهريب السلاح إلى "حماس" في سيناء، والذي اعتمد بشكل أساس على شنّ غارات مكثفة ضد إرساليات السلاح لحركة المقاومة الفلسطينية. وأن ذلك تسبب في تدمير نحو 15 ألف صاروخ كانت متجهة إلى مخازن كتائب القسام.
  • الثالث، هو التمهيد لإخلاء سيناء وإعدادها  لتكون جزءا من الحل البديل الذي تم الاتفاق عليه بين واشنطن وتل أبيب وعواصم عربية، وما كان الانقلاب على مرسي ثم عمليات التهجير والتدمير الممنهج لسيناء، ثم التنازل عن جزيرتي "تيران وصنافير" إلا شروعا في تنفيذ هذه المخططات على الأرض؛ وبالتالي فإن اختلاق هذه الحرب على الإرهاب وضمان استمرارها كان مصلحة إقليمية وأمريكية وأمنية لنظام السيسي، فكل ذلك كان صدى من أصداء «صفقة القرن» الأمريكية والتي تقف وراءها «إسرائيل» متسترة بلافتة تنظيم "ولاية سيناء"، وأنها  تأتي في إطار مخططات «الوطن البديل»  حيث يرى أصحاب هذا الرأي أن ما يجري في سيناء عموما منذ اتفاق كامب ديفيد مع هو إلا تمهيد لتوطين الفلسطينيين في غزة وشمال سيناء مع ضم المناطق ذات الكثافة السكانية في الضفة الغربية المحتلة للأردن لتبقى القدس وغور الأردن ومناطق المستوطنات تابعة للكيان الصهيوني؛ في إطار التصورات النهائية لتصفية  القضية الفلسطينية. ويبرهن أصحاب هذا الرأي على صحة تفسيرهم بأن المشروعات التي تضمنتها "صفقة القرن" الخاصة بغزة ستقام في سيناء وليس غزة، وهو ربط ليس عشوائيا بقدر ما يمهد لعلاقة أبدية بين غزة وسيناء وفق  مخططات "الوطن البديل" خصوصا وأن الذين صاغوا الصفقة والمتواطئين معهم يدركون حجم الرفض الشعبي الواسع في مصر وحتى في فلسطين لأي تصورات حول توطين الفلسطينيين في غير فلسطين وحق العودة إلى بيوتهم التي أخرجوا منهم بغير حق. والبرهان على ذلك أن حملات الجيش المستمرة منذ سنوات على سيناء لم تسفر عن شيء سوى تدمير سيناء وتهجير أهلها. يبرهن على التورط الإسرائيلي أيضا أنه إلى جانب سلاح الجو الإسرائيلي الذي يعمل بشكل مكثف داخل سيناء، فإن كل مكونات المجمع الاستخباري الإسرائيلي تعمل هناك، وهي جهاز الاستخبارات الداخلية "الشاباك"، الذي دشن لواء خاصاً لجمع المعلومات من مصادر بشرية هناك، وجهاز الاستخبارات العسكرية "أمان"، الذي كشف النقاب في يناير 2019، أنه خصص المزيد من الموارد لجمع المعلومات في سيناء، إلى جانب وحدة التجسس الإلكتروني المعروفة بـ"وحدة 8200"، المسؤولة عن التنصت والتصوير وغيرها من مهام.

ليس معنى ذلك أن هذه الحرب المزعومة لن تتوقف، بل تدور مع مصلحة القائمين على المخطط يبقونها وفق مصالحهم وقد ينهونها إذا كان ذلك في يخدم هذه المصالح وفق مخططات الحل الاقتصادي الذي تقوم فيه القاهرة بدور بارز وبالغ الخطورة بهدف تفكيك شبكات المقاومة وإخضاع الفلسطينيين للحلول الأمريكية الإسرائيلية خلال المرحلة المقبلة.

الخلاصة أن ما يجري في سيناء ليس صراعا حقيقيا مع تنظيم "إرهابي" لكنه صراع مفتعل يقف وراءه تحالف (إسرائيل ـ  أجنحة داخل السلطة في مصر) هم من صنعوا تنظيم "ولاية سيناء" أو استغلوه سياسيا عبر تضخيمه والتخويف منه،  وهم من يبثون الروح فيه حتى يستمر ويبقى مصدر تهديد متواصل؛ من أجل تحقيق المخططات المرسومة بعناية من أجل إعادة تصميم خريطة المنطقة بما يضمن حماية إسرائيل وتفوقها واستمرارها ، وحتى تبقى هذه الحرب القذرة غطاء على عمليات التجسس والملاحقة التي تقوم بها إسرائيل في سيناء بهدف ملاحقة شبكات تهريب السلاح للمقاومة من جهة، وتمهيد الأرض وفق مقترحات  "الوطن البديل"،  بربط غزة بسيناء من جهة أخرى؛ ولذلك من العجيب حقا أن السسي يصر على إنشاء مشروعات بنية تحتية وميناء ومطار ومحطات كهرباء ومياه رغم أنه يهجر الأهالي ويتعنت معهم إلى أقصى حد؛ فهل من العقل أو الحكمة إقامة مشروعات استثمارية في منطقة ملتهبة من أكثر مناطق العالم تهديدا وإرهابا؟! إذا هناك أهداف خفية يراد تحقيقها على المدى الطويل،  والحرب على الإرهاب ما هي إلا صدى وغطاء لهذه المؤامرات التي تستهدف حصار حركات المقاومة وإجبارها مستقبلا على الإذعان للاحتلال وكفلائه في واشنطن والعواصم العربية. وأي حديث عن فشل الجيش المصري أمام حفنة مئات من المسلحين هو من قبيل السطحية التي نرددها دون وعي بعمق الأمور وجوهرها. فما يجري هو إفشال متعمد من جانب أجنحة داخل السلطة متحالفة مع قوى إقليمية، بينما معظم القيادات العليا والقيادات الوسطي والدنيا لا تعرف عن هذه المخططات والمؤامرات القائمة شيئا، أو تعلم ولكنها تخشى عواقب الرفض والاعتراض؛  هي فقط تتلقى الأوامر وتنفذها دون نقاش رغم عبثية المشهد برمته، بينما يمارس الإعلام هوايته في التطبيل والرقص انصياعا لأوامر السلطة وتوجهاتها.