4 عناصر خطيرة تهدده  الـ (BBC) وفاة نهر النيل

- ‎فيتقارير

 

أعد موقع بي بي سي  تقريرا للمحرر الصحفي بيتر شوارتزتاين بتمويل (مركز بوليتزر للبحث في شؤون الأزمات) تحت نفس العنوان (وفاة نهر النيل) بصراع السدود وتوسع المدن وغزو الصحراء والبحر المسمم الملوث، بل وأضافت لهم الأمطار التي ستشح.
 

وقالت إن "نهر النيل، أطول أنهار العالم، مريض ويزداد مرضه خطورة بمرور الأيام، وأن ازدياد عدد البشر الذين يعيشون في واديه أدى لتلوثه واستنفاد مياهه، بينما يهدد التغير المناخي بإزالته بالمرة، حيث يخشى كثيرون من أن التنافس حول مياه النيل المتضائلة قد يؤدي إلى اندلاع نزاعات إقليمية بين الدول المشاطئة له.

 

الأمطار

وأوضحت أن الأمطار التي كانت تهطل على أثيوبيا بين يوليو وسبتمبر من كل عام من الغزارة بمكان، بحيث تحول الطرق في ذلك البلد إلى مستنقعات لا يمكن تجاوزها.

ونهر النيل الأزرق، ونهر النيل الأبيض، يندمجان في الخرطوم بالسودان ليكونان نهر النيل، فلا يشكل إلا نسبة صغيرة من المياه التي تنساب شمالا نحو مصر، وأوضح التقرير أن الأمطار التي تغذي النيل الأزرق لا تسقط بالكميات التي كانت تسقط بها في الماضي، مما ينبئ بنتائج كارثية لحوض النيل بأسره.

فموسم "الميهير" وهو موسم الأمطارالطويل الذي يقع في فصل الصيف، يتأخر قدومه بمرور السنين، كما توقف هطول الأمطارفي أشهر الشتاء والربيع تماما.

 

ونقلت عن لاكيميريام يوهانس ووركو، المحاضر والاخصائي في شؤون المناخ في جامعة إربا مينش الإثيوبية، تخوفه من أن "هطول الأمطار مختلف عن الماضي في كل الأحوال.".

 

 

وأضاف عندما تهطل الأمطار، يكون ذلك من الشدة بحيث تجرف أكثر من مليار طن من الطمي الإثيوبي في نهر النيل كل عام، مما يؤدي إلى انسداد السدود وحرمان المزارعين من الطمي الذي يغذي أراضيهم ويزيدها خصوبة.

عدد السكان

وعن توسعة المدجن قالت إن "الزيادة السكانية تتسبب في قطع المزيد من الأشجار لتوفير المزيد من المساحات والحصول على المزيد من المواد الإنشائية لبناء الدور وغيرها، مما سيؤدي لاضمحلال المحاصيل الزراعية ورفع أسعار المواد الغذائية، وتزداد معاناة الكثيرين من المزارعين الذين كانوا يعتمدون تاريخيا على الأمطار عوضا عن الأنهار لسقي محاصيلهم".

 

صراع السدود

وأضافت التقرير أنه كلما سار نهر النيل شمالا زادت المشاكل المحيطة به، وذكر من ذلك أن المنطقة يخيم عليها غمامة من التوتر وعدم الاستقرار لأسباب عدة على رأسها تشييد أكبر سد في القارة الأفريقية على مجرى النيل قرب الحدود مع السودان وقيام الحكومة الأثيوبية بترحيل عشرات الآلاف من القرويين من أجل تأجير أراضيهم لشركات الزراعة الأجنبية.

وعن صعوبة التحقيق لفت المحرر إلى "مداهمة قوات الأمن الأثيوبية غرفتين في الفندق الذي كنت أقيم فيه، وصادرت التسجيلات التي كنت قد قمت بها مع أحد المزارعين".
 

ولكن، وفي خضم كل هذه المشاكل والقضايا الشائكة، تبرز قضية السد الذي يطلق عليه اسم سد النهضة الأثيوبي العظيم بوصفه أهم القضايا التي تؤجج المخاوف وتزيد آمال المنطقة في آن واحد.

وبالنسبة لمصر، فواضح أن مصر تطغى الصحاري على معظم مساحته، ولا تهطل عليه إلا القليل من الأمطار، والذي يعتمد بالتالي على النيل لأكثر من 95 % من احتياجاته المائية، ينظر إلى سد النهضة وإمكانية أن يؤدي إلى خفض منسوب النهر بوصفه خطرا وجوديا.".

وأشار إلى اتفاقية عام 1959 وتنص على أن مياه النيل يجب أن تكون من حصة مصر والسودان حصرا، ولكن دولا أخرى كأثيوبيا وغيرها من الدول الأفريقية المشاطئة تطعن في شرعية ذلك الاتفاق قائلة إنه "أُبرم إبان الحقبة الاستعمارية التي لم يكن فيها للدول الأفريقية رأي في أمورها الداخلية".

 

وأبانت أن القاهرة تهدد بإعلان الحرب حول الموضوع، كما يتبادل طرفا النزاع التهديدات، خلاصة الأمر أنه لو نشب نزاع حول الموارد المائية، سيكون نهر النيل وواديه الأخضر الجميل في قلب ذلك النزاع.

المدن الكبرى والصرف في النيل

وأشار إلى أن الخرطوم، أول مدينة كبرى تعانق النيل، تبدأ نوعية مياه النهر بالتدهور، فالخرطوم تلقي بمياهها القذرة في النيل لحظة وصوله إليها، وفي الخرطوم يبدأ النيل بالتعرف على الذي ستعني زيادة السكان بالنسبة لعافيته.

وفي مصر، ارتفع عدد السكان أربع مرات منذ عام 1960 بحيث بلغ اليوم 104 ملايين نسمة حسب أرقام الحكومة المصرية، أما أثيوبيا فيزيد عدد سكانها بمعدل 2,5 مليون في العام، وتشير التقديرات إلى أن عدد سكان وادي النيل سيتضاعف ويبلغ 500 مليون نسمة بحلول عام 2050.

المشاكل التي تعاني منها الخرطوم فيما يتعلق بالنيل ليست محددة بها بل تعكس المشاكل التي تعاني منها الكثير من المدن الواقعة على هذا النهر والتي تشهد نموا كبيرا في عدد السكان، ففي الخرطوم، لم يتم توسيع شبكة الصرف الصحي في العقود الأخيرة بينما توسعت المدينة توسعا كبيرا.

غزو الصحراء

وقال التقرير إن "الصحراء بدأت بالتمدد في الشريط الضيق الذي لا يكاد عرضه يتجاوز 150 مترا  والذي يمكن أن يستخدم للزراعة بسرعة غير مسبوقة، فالرمال تتمدد في هذا الشريط ليلا ونهارا، ولم تعد الأساليب التقليدية لمحاربة هذا التمدد، كزراعة الأشجار ذات الجذور العميقة وإقامة السياجات حول المحاصيل، ذات جدوى".

يبدو أن التصحر يعود لظاهرة التغير المناخي، وهو أمر يحدث على طول وادي النيل، فقد تمددت الصحراء بمسافة 120 كيلومترا في الأحراش الواقعة إلى الجنوب من الخرطوم في السنوات الـ 30 الأخيرة، حسبما يقول برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة، كما تستمر درجات الحرارة بالارتفاع بشكل ملفت، مما يزيد من نسبة التبخر في النيل.

البحر المسمم

وأضاف محرر التقرير أنه "عندما يصل النيل إلى القاهرة، يكون من القذارة بمكان" إذ إن جانبيه مليئان بالقاذورات، ومياهه سميكة القوام وزاخرة بالسموم، ويشكو المزارعون من شح المياه في دلتا النيل الشمالية، حيث تمنع قنوات الري المليئة بالطمي جريان المياه إلى المزارع.

 

 

وقال "يبدو الموقف بالنسبة للمسؤولين في القاهرة تصويرا كالحا لمستقبل مصر فيما يخص المياه" يقول علي المنوفي، المسؤول في وزارة الموارد المائية المصرية "يمثل النيل كل شيء بالنسبة لنا، من شراب وطعام، ستكون كارثة لو حصل شيء له."

كان مسؤول في إحدى الأنظمة المصرية السابقة قد دعا في عام 2013 إلى ضرب سد النهضة، مما أدى إلى ردود غاضبة من جانب وسائل الإعلام الرسمية في أديس أبابا.

وفيما يتكامل العمل في تشييد السد الأثيوبي، تعكف السلطات المصرية على تعزيز قدرات البلاد الإستراتيجية، فقد اشترى المصريون مؤخرا سفينتين حربيتين فرنسيتين من فصيلة "ميسترال" لهما القدرة على ضرب الأهداف البعيدة، وذلك في خطوة يقول محللون إنها تهدف  جزئيا على الأقل إلى إيصال رسالة  لأثيوبيا.

 

رد أحمد أبو زيد، الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية والمفاوض السابق في شؤون النيل، على سؤال حول ما إذا كان الحل العسكري مازال مطروحا بالقول "كل الخيارات مطروحة.".

 

ولكن السياق التاريخي يشير إلى أن الدول المشاطئة لوادي النيل لن تلجأ للخيار العسكري في المستقبل المنظور، فهناك سوابق عديدة تم حل النزاعات المائية فيها بشكل سلمي، وثمة مؤشرات إلى أن مصر بدأت بالإقرار بحتمية وجود سد النهضة.

 

ولكن السرية التامة التي تمارسها أثيوبيا حول النتائج المترتبة على تشغيل سد النهضة ما زالت تشكل عقبة، كما تشكل عقبة أيضا المفاوضات الدائرة حول الوقت الذي سيستغرقه ملء خزان السد الكبير، بحسب التقرير.

وأضاف إن لاجئي الأورومو الأثيوبيين في مصر قالوا إن "حالات المضايقة التي يتعرضون لها تزداد كلما يتصدر موضوع سد النهضة الأنباء، ومن جانب آخر، عمدت بعض الأديرة الأثيوبية، بما فيها الكنائس الواقعة في بحيرة تانا، والتي تمتعت تاريخيا بعلاقات وطيدة مع الأقباط المصريين، إلى قطع علاقاتها مع هؤلاء وطرد الكهنة المصريين".

 

وفي وقت تقوم فيه السلطات السودانية بتأجيرملايين الدونمات من الأراضي الزراعية على ضفاف النيل لشركات خليجية، فقد أجّرت 2,5 مليون دونم على الأقل لدولة الإمارات، ويبدو أن الكثير من المشاكل ما زالت تقف في طريق أي تقدم.

 

وأوضح أنه بالنسبة لصيادي السمك الذين يعملون بالقرب من رشيد، مصب الفرع الغربي من النيل في البحر المتوسط، يعد وضع النهر المزري كارثة حقيقية لحياتهم ومعيشتهم.

فقد قُضي على الكم الأكبر من الأسماك التي كانوا يعتمدون عليها، أما الأسماك التي يتمكنون من اصطيادها فلا تسر الناظر ولايمكنهم تناولها في أغلب الأحيان، وفي حقيقة الأمر فإن المياه في المسار النهائي للنيل مسممة إلى حد لا تتمكن فيه إلا القليل من المخلوقات أن تبقى على قيد الحياة كما يقول الصيادون.