من أحد أهم الأدوار التي تقوم بها الحكومة (أي حكومة) هو حماية المواطنين صحيا واقتصاديا من خلال الرقابة الصارمة على المنتجات والسلع والأسواق؛ من أجل مواجهة عمليات الغش والاحتكار والاحتيال، والإعلانات الخاطئة والمضللة لحماية المستهلكين من أصحاب الذمم الفاسدة الذين يسعون إلى تكوين ثروات طائلة عبر وسائل الغش والخداع. هذه الحكومة تطلب من المجتمع مساعدتها للقيام بهذا الدور من أجل ضمان سلامة الجتمع ككل، وبدورها تسن التشريعات والقوانين التي تحقق هذه الأهداف ومنح المستهلكين الحق في الحصول على سلع غذائية صحية ومنتجات تتميز بالجودة من خلال الحصول على المعلومات الصحيحة عن السلع والمنتجات والخدمات، وحق إرجاع واستبدال أو إصلاح المنتج مجانًا، إذا كان به عيب أو خلل أو لا يلبي المواصفات القياسية أو الغرض منه، وكذا الحق في اللجوء للقضاء في حال وجود أي خرق أو تقييد لحقوق المستهلك.
ولكي نفهم ونعرف أبعاد الأمر يتعين علينا المقارنة بين ما يجري حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية، وما يجري في مصر تحت حكم العسكر؛ ففي الولايات المتحدة توفر الدولة للمواطنين حق الحماية القانونية والتي تصل إلى حد إغلاق الشركات التي تضر بالأسواق والصحة العامة، أو على الأقل فرض غرامات كبيرة على الشركات المخالفة تدفع بها نحو الإفلاس والخروج من السوق. والدليل على ذلك ما يحدث مع شركة (جونسن أند جونسون) الشهيرة في صناعة الأدوية ومستحضرات التجميل؛ حين أقام آلاف المستهلكين دعاوى قضائية ضدها أمام المحاكم تتهمها بإنتاج بودرة (التلك) الشهيرة للأطفال والمسببة للسرطان، ويوما بعد يوم اتسعت دائرة الدعاوى وسط ضغوط لفرض حظر عالمي على مبيعات البودرة، بسبب مخاوف من احتوائها على مادة مسرطنة. واللافت أن معظم الدعاوى كانت مقامة من سيدات قلن إنهن أصبن بسرطان المبيض، إثر استخدامهنّ بودرة الأطفال الخاصة بالشركة. ونجحت تلك الدعاوى المتلاحقة في انتزاع واحد من أكبر التعويضات في تاريخ الشركات الأميركية، فقد وافقت جونسون آند جونسون يوم الأربعاء 05 إبريل 2023م، على دفع نحو 8.9 مليارات دولار لتسوية الدعاوى المقامة ضدها أمام المحاكم في الولايات المتحدة بشأن بودرة التلك، كما سددت الشركة نفقات تقاضٍ قيمتها 7.4 مليارات دولار في الفترة بين عامَي 2022 و2021. هذه الغرامات دفعت الشركة العالمية الشهيرة إلى وقف إنتاج وبيع وتسويق بودرة التلك في الولايات المتحدة وكندا في مايو 2020م، ثم توقفت عن إنتاجها وبيعها في كل دول العالم بدءا من العام الجاري 2023م.
في المقابل؛ فإن مصر تعاني من فوضى عارمة على كافة المستويات؛ أسعار جنونية تفوق الأسعار العالمية، احتكار ليس له مثيل في العالم لأن القائمين عليه هم حيتان شبكات المافيا داخل مؤسسات الدولة من الجيش والمخابرات والشرطة، رداءة في المنتجات تفوق التصور؛ فلا توجد أي حماية للمستهلكين أمام توحش وأطماع الحكومة ورجال الأعمال؛ بخلاف آلاف المصانع غير الشرعية التي تعمل (تحت بير السلم)، والتي تقوم بتقليد معظم السلع والمنتجات بخامات رديئة وقد تكون سامة بنفس الاسم والغلاف وكل شيء لتبدو كالسلعة الأصلية تماما؛ وهذه السلغ المغشوشة والتي قد تكون قاتلة تعزو السوق المصري على نحو مرعب في ظل غياب كامل للحكومة وجهاز حماية المستهلك!
وفي منتصف فبراير 2023م، كشفت جمعية "مواطنون ضد الغلاء لحماية المستهلك"،، في مذكرة عاجلة لجهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الإحتكارية، عن وجود معلومات موثقة لديها حول احتكار ورفع أسعار في سوق اللحوم والدواجن، تتطلب المواجهة السريعة لوقفها. وفي يناير23م، اتهم مجلس النواب، وزير التموين بحكومة الانقلاب على المصيلحي، بالفشل في ضبط الأسواق والأسعار، ورد الوزير بطلب مهلة شهرين تنتهي في مارس/آذار المقبل، لإحداث تغيير، مؤكدا وجود ضعف في الرقابة على الأسواق، بسبب وجود نقص في عدد المعينين، ولعدم تعيين مراقبين جدد منذ عام 1995م!.
وحسب طلب الإحاطة الذي تقدمت به النائبة غادة علي، فإن المواطن لا يشعر بأي دور من أدوار جهاز حماية المستهلك المنوط له القيام بها، لافتة إلى انه مع شكاوي المواطنين اليومية من تضارب اسعار السلع وعدم توافرها احيانا في الأسواق في ظل هذه الظروف الاقتصادية القهرية التي تمر بها مصر نجد أن هذا الجهاز قد اوشك أن يفقد هيبته ومكانته. وتابعت: «وبالرغم من اعتمادنا في اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب موازنة جهاز حماية المستهلك بزيادة في الباب الأول أجور وتعويضات لأعضاء الجهاز تقدر بقيمة 17 مليون جنية إلا أن ذلك لم ينعكس على أداء الجهاز بل أخذ في التدني». لاوأشارت «بالرغم ايضا من أن اعتمادات الباب السادس من موازنة الجهاز كانت في الأساس مخصصة من السنوات السابقة لفتح عدد ستة أفرع جديدة بالمحافظات حتى التغطية الكاملة للمحافظات تباعا وهو ما لم يتم تنفيذه منذ تولى رئيس الجهاز الحالي مسئوليته، بالإضافة إلى عدم استخدام الجهاز سيارات الضبطية القضائية المخصص لها جزء من موازنة الباب السادس ايضا في الأغراض المخصصة لها ومن ثم لا يراها المواطن في الشارع المصري ولا يهيبها التاجر ولا الموزع في الأسواق».
وتوجد في مصر حاليا عدة جهات رقابية من أجل ضبط الأسعار والتصدي للممارسات الاحتكارية والغش والخداع؛ من أبرزها: جهاز حماية المنافسة، ويتبع رئيس مجلس الوزراء، ويهدف لتطبيق قانون حماية المنافسة ومراقبة الأسواق، ومن حقه التنسيق مع أجهزة رقابية أخرى بالسوق المصري، مثل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، وجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، والهيئة المصرية للرقابة على التأمين. هناك أيضا جهاز حماية المستهلك، ويتبع وزارة التموين والتجارة الداخلية، ويهدف إلى حماية المستهلك وصون مصالحه، والتعاون مع الأجهزة الرقابية فى ضبط الأسواق، والتصدي لأي مخالفة لأحكام القانون، ويمتلك أعضاؤه حق الضبطية القضائية.ثالث الجهات هو جهاز مكافحة الدعم والإغراق والوقاية، ويتبع وزارة التجارة والصناعة، ويهدف للحفاظ على الأسواق من الإغراق والممارسات التجارية غير العادلة من خلال التأكد من أن قيمة السلع المُصدَّرة إلى مصر توازي قيمتها العادية في بلد التصدير. وأخيرا هناك الإدارة العامة لشرطة التموين والتجارة، وتتبع وزارة الداخلية، وتنفذ العديد من الحملات التموينية المكبرة لضبط الجرائم التموينية، تسفر بشكل شبه يومي عن ضبط الآلاف من القضايا المتصلة بالأمن الغذائي والأسعار. ورغم ذلك فإن جهود هذه الجهات أشبه بالجري في المحل والممارسات المشبوهة والاحتكارية تزداد وتمتد حتى تحولت إلى سرطان يحتاج إلى جهد كبير لاقتلاعه والتصدي له؛ ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بتغيير شامل لكل المنظومة الحاكمة على مستوى الفلسفة والأفكار وعلى مستوى القوانين والتشريعات وعلى مستوى الأشخاص والآليات وهو ما يمكن أن يمثل تغييرا مدروسا لكل المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعيةبما يسهم في دعم قيم الحوكمة، ومواجهة أي تغول لجماعات المصالح في أجهزة الدولة، بالتزامن مع إشراك المجتمع المدني في إدارة تلك الأجهزة وإعادة الاعتبار للمجتمع المدني والسماح بأنشطة النقابات للمساهمة في مواجهة أزمات المجتمع بمشاركة كل مؤسسات الدولة وخاصة الإعلامية والدينية.