يحمل الاقتراح الذي طرحه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب حول تنظيم مؤتمر فقهي عالمي لحسم الخلاف الناشب حول مسألة الطلاق الشفوي كثيرا من الرسائل والدلالات؛ أبرزها أن هذا الطرح يمثل تأكيدا على رفض الأزهر بمشيخته وهيئة كبار علمائه لضغوط السيسي وفرض وصايته على العلماء في مسألة الطلاق الشفوي التي ينوي النص عليها في مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد المرتقب صدوره خلال الفترة المقبلة.
وفي 27 مارس 2023م خلال احتفالية المرأة المصرية، أشار السيسي إلى أن العمل جارٍ على صياغة قانون جديد يقضي بضرورة توثيق الطلاق في المحاكم مدعيا بأن ذلك لا يخالف الشريعة الإسلامية، مستخفا بقيمة الكلمة بأنه من الصعب على أي مجتمع ضبط الكلام فيه، ولكن يكون هناك ضبط للتصرف" في إشارة إلى الطلاق الشفوي. وقال السيسي: «تحدثت في هذا الموضوع قبل ذلك، وقلت إننا نريد أن يكون هناك توثيق للطلاق، وحدث نقاش كبير فيه حينها، لكن من المهم أن نقوم بعمله الآن». مضيفا أن «قانون توثيق الطلاق يحتوي على أكثر من 140 بنداً»، فيما أوضح وزير العدل عمر مروان أن اللجنة المشكلة بصدد تضمين توثيق الطلاق الشفوي في نصوص مشروع القانون المرتقب مضيفا أن "الأحكام الموضوعية في القانون الذي تتم صياغته حالياً تجاوزت حتى الآن الـ180، فضلاً عن الأحكام الإجرائية، لأننا نقوم بعمل مشروع متكامل حتى نلغي القوانين الستة السابقة التي كانت تنظم الأحوال الشخصية".
وفي حلقة الخميس 13 إبريل 2023م، من برنامج «الإمام الطيب» على فضائية "CBC" ناقش شيخ الأزهر الآراء التي تذهب إلى ضرورة الإشهاد في الطلاق كشرط لصحته. وراح الطيب يشرح الحكم من خلال ما ورد في أول سورة الطلاق من تكاليف في صيغة أوامر تبين للمسلمين أنه إذا عزم أحدهم على طلاق زوجته فعليه أن يطلقها في بداية عدتها وفي طهر لم يتماسا فيه". وأشار إلى الآية الكريمة (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم). وأوضح أن البعض يتساءل: "لو قلنا إن الأمر بالإشهاد متوجه على الطلاق في الآية الأولى، فهل يراد به الأمر على سبيل الوجوب، أي أن من يطلق دون أن يشهد اثنين ذوي عدل على طلاقه آثم ومخالف لأمر الله تعالى ويكون طلاقه لاغيا كأن لم يكن؟ أم يراد به الأمر على سبيل الاستحباب فقط وحين إذ لا يأثم المطلق بدون إشهاد ويقع طلاقه؟".
الإشهاد في الطلاق كالإشهاد في البيع
ويؤكد الطيب أن "جمهرة علماء التفسير وجمهرة أئمة مذاهب أهل السنة قاطبة، ذهبت إلى أن الأمر بالإشهاد في الآية الثانية يتوجه على الطلاق في الآية الأولى، ولكن على سبيل الاستحباب والندب وليس على سبيل الوجوب واللزوم". وبين أن "من يطلق زوجته بدون إشهاد لا إثم عليه وطلاقه واقع، إذا استكمل شروط الوقوع وأهمها ألا يكون الطلاق في حالة غضب أو حالة اضطرار".
ويؤكد شيخ الأزهر أن الأمر بالإشهاد في آية الطلاق للندب لا الوجوب؛ مستدلا على ذلك بأمرين:
- الأول، أن ذلك هو رأي جمهور العلماء على وقوع الطلاق بغير إشهاد، وأنه لم ينقل عن النبي محمد ولا أحد من أصحابه القول بأن الإشهاد شرط في الطلاق».
- الثاني، أن العلماء استدلوا على ذلك بأن الإشهاد على الطلاق، مثل الأمر بالإشهاد على البيع في قوله تعالى في سورة البقرة: (وأشهدوا إذا تبايعتم)».وأكمل: «والإجماع منعقد على أن الأمر هنا على سبيل الندب وليس على سبيل الوجوب، وإلا لوجب على من يشتري أو من يبيع أي شيء صغر أو كبر أن يحضر شهيدين وإلا كان بيعه وشراؤه باطلًا وكأن لم يكن، ولم يقل ذلك أحد؛ لأنه من باب التكليف بما لا يطاق، وهو ما يتنافى مع قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، وقول النبي: (إن هذا الدين يسر)».
ولمزيد من التوضيح والاستدلال استشهد الطيب بفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية حيث ينقل قوله: «ظن بعض الناس أن الإشهاد هو على الطلاق وظن الطلاق الذي لا يشهد عليه لا يقع، وهذا خلاف إجماع السلف وخلاف الكتاب والسنة ولم يقل به أحد من العلماء المشهورين، فإن الطلاق أذن فيه أولًا ولم يؤمر فيه بالإشهاد، وإنما أمر بالإشهاد على الرجعة حين قال تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف او فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم)». واختتم: «والمراد بالمفارقة في الآية إخلاء سبيل الزوجة إذا مضت العدة وهذا ليس بطلاق أو برجعة، فعلم أن الإشهاد إنما هو للرجعة، وهو الرأي الذي اعتمده علماء أهل السنة في تلك المسألة وهو عدم اعتبار الإشهاد في وقوع الطلاق».
فرقتان خالفتا جمهور العلماء
وأوضح الطيب أن هناك فرقتين خالفتا جمهور أهل العلم في صحة الطلاق الشفوي:
- الأولى علماء الشيعة الجعفرية الذين ذهبوا إلى أن الإشهاد شرط في صحة الطلاق، موضحًا أنهم قالوا: «ويلزم ذلك أن من يطلق زوجته بدون إشهاد فطلاقه لاغ كان لم يكن حتى لو تكرر عشرات المرات». و
- «الفرقة الثانية هي الفرقة الظاهرية التي ذهبت إلى أن الإشهاد واجب مأمور به في الآية الثانية من سورة الطلاق أمرًا على سبيل الوجوب في الطلاق والرجعة، بمعنى أن من يطلق بدون إشهاد آثم ومذنب». ونوه أن «ابن حزم – من كبار أئمة هذا المذهب – يؤكد على أن المطلق بغير إشهاد وإن كان آثما إلا أن طلاقه صحيح ويقع، ويمثل لذلك بالصلاة في الأرض المغصوبة فإنها تقع صحيحة وإن كان صحابها قد ارتكب إثما بصلاته فيها».
ضرورة التوثيق
وبعد أن دلل الطيب على وقوع الطلاق الشفوي دون إشهاد؛ شدد على ضرورة توثيق الطلاق؛ بوصفه مكملا للشكل القانوني والشرعي للطلاق لا منشئا له لأنه قد وقع بمجرد النطق به وفق الضوابط المقررة، موضحا أن «هيئة كبار العلماء (التابعة للأزهر) تُشجِّع على توثيق الطَّلاق، وتُطالب بسَنِّ قانون يُلزم الزوج بالتوثيق، ولكن لا تستطيع الهيئة أن تفتي بأن الطَّلاق المستوفيَ للشروط إذا صدر من الزوج بدون إشهاد أو توثيق لا يقع، وكأنَّه لم يكن، بل ترى أن هذا الرأي مخالف لما استقرَّ عليه جمهور فقهاء أهل السُّنَّة، بل جمهور المسلمين، وأنَّ مذاهب الفقه التي يجري عليها العمل في أقطار أهل السُّنَّة، والتي تُدرَّس في الأزهر منذ أكثر من ألف عام وحتى اليوم ليس فيها هذا الرأي".
وانتهي شيخ الأزهر إلى ضرورة انعقاد مجمع فقهي عالمي لحسم الخلاف في المسألة؛ مضيفا «نحن نرى أننا إذا أردنا أن نُناقش هذا الأمر، ونصل فيه إلى رأي جديد شرعًا؛ فإنَّه لا مفرَّ لنا من عقد مؤتمرٍ عالمي جامع، يضم علماء متخصصين ممثلين لدول العالم الإسلامي، يجتمعون فيه ويناقِشون وينتهون إلى رأي يصبح هو الرأي المعتمد بالإجماع أو الأغلبية. إذْ من المعلوم أن ما ثبت بالإجماع لا يتغيَّر إلا بإجماع مُماثل».