يشير عدد من المراقبين إلى أن مصر قد تقزّم دورها في التعامل مع الملفات وثيقة الصلة بها لعقود، وتلاشى تأثير القاهرة باتجاه أطراف أخرى على رأسها الإمارات وإثيوبيا باعتبارهما أكبر الرابحين من المعارك الدائرة في السودان الآن، فضلا عن روسيا وفرنسا باعتبارهما أكبر مصدري السلاح لأطراف الصراع العسكري والصهاينة الطامعين في إزكاء نار الحروب والتي تفضي عادة لتفتت كما حدث مع جنوب السودان كمثال قريب.
وبفضل الملاءة المالية فرضت الإمارات والسعودية سطوتهما في الخرطوم بعد وعود بمنح تقدر ب3 مليارات دولار ؛ كمساعدات لدعم المجلس العسكري.
حساب "حنظلة الفلسطيني@Hanzpal2" كتب "لتفهم أحداث السودان ، لازم تفهم نظرة 3 جهات للجيش السوداني، نظرة إسرائيل و نظرة أثيوبيا ونظرة الروس، مضيفا أن كل طرف عنده مصلحة بقلب الأمور لمصلحته، ولكن أكثر الخاسرين في أحداث السودان هم من فقدوا التأثير التاريخي على الشعب السوداني وتركوه لمصيره، مصر أولا والعرب ثانيا".
واعتبر أن من مهازل الأحداث في السودان أن دولة مثل مصر لها تأثير تاريخي عميق في السودان تحتاج لوساطة إماراتية للإفراج عن جنودها في السودان، حدث يُبين عمق الكارثة.
وفي متوالية الوساطات ظهرت الإمارات وهي تبذل جهود الوساطة للإفراج عن جنود مصر، الذين احتجزهم حميدتي ثم سلمهم للصليب الأحمر، وتعرض دولة الاحتلال الصهيوني خدمات الوساطة، وأخيرا تقرر إقامة مؤتمر جامع للأطراف في الرياض، وذلك بعد أن أعلن السيسي أن السودان شأن داخلي.
تراجع الدور المصري
عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان السابق أسامة رشدي قال: "عندما تحتاج مصر لوساطة الإمارات للإفراج عن جنودها في السودان، ذلك يعني تراجع دورها لأدنى مستوى رغم عمق التاريخ المشترك والتواجد والتأثير الذي لا ينكره أحد".
وألقى باللائمة على زعيم الانقلاب قائلا: إن "حالة الفشل الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي للنموذج الذي يمثله السيسي جعلت القوى السياسية السودانية شديدة النفور من حكم العسكر ورافضين لتكرار النموذج المصري في بلادهم، بل ولا يرحب أحد في السودان بوساطته أو حضوره، بل وجرى استبدال الدور المصري التقليدي بأدوار لآخرين تمكنوا من ملء الفراغ".
فقدان التأثير
وفي الهدنة الأخيرة التي بدأت الثلاثاء ول72، كانت بمبادرة من وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، الذي لم يتواصل مع القاهرة بشأن المعارك الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي تنذر بحرب أهلية بل تواصل مع السعودية سعيا لوقف القتال.
كما اجتمع وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي، مع مسؤولي الإمارات والسعودية للسعي المشترك لإقناع طرفي الصراع البرهان وحميدتي بوقف الحرب، والتفاوض، وإطلاق عملية سياسية شاملة.
وكشف تقزم الدور المصري اعتقال الجنود المصريين في قاعدة "مروي" الجوية في بداية الاشتباكات، ونشرت قوات تابعة لحميدتي صورا مهينة للجنود وهم رهن الاعتقال.
الولايات المتحدة تسير مع السودان وفق آلية وضعت في 2019 للتنسيق بشأن السودان، وهي "الرباعية" التي تتكون من واشنطن ولندن والرياض وأبو ظبي، وما زالت القناة الأساسية للتعامل مع المواقف تباعا.
وتوقع الخبير البريطاني "أليك دا وول" المستشار السابق للاتحاد الأفريقي في تصريحات صحفية أن "مصر بحاجة إلى أموال الخليج، وأن للسعوديين والإماراتيين سياساتهم الخاصة تجاه أفريقيا، وإلى أن تصبح القاهرة مستقلة ماليا، سيكون تأثيرها محدودا".
الضغط على السودانيين
وأضاف الناشط أحمد البقري "أمريكا تبحث مع السعودية والإمارات الضغط على السودانيين لوقف القتال وإسرائيل تقدم وساطة، والسيسي يشاهد نفسه في مسلسل الاختيار".
أما السياسي السوداني د. تاج السر عثمان فقال: "إذا كنت تظن أن الصراع مقتصر على البرهان و حميدتي فأنت واهم ، و إن كنت تعتقد أن الأجندة ستقف عند حدود السودان فأنت غارق في أوهامك ، زعزعة السودان ستطال مصر والسعودية في مخطط قذر تُستخدم فيه الإمارات مطيّة لدعم ميليشيات التمرد وإعادة رسم المنطقة بما يخدم الصهيونية العالمية".
ورأى الخبير "جان بابتيست جالوبان" أن السعودية تركت إدارة ملف السودان للإمارات منذ أواخر 2019، فتركزت محاولات دول الخليج في دعم سلطة الجنرالات في تحجيم دور القوى المدنية.