أنف العسكر تدخل كل ثقب في مصر، وحينما تدخله تمرر كل شيء أتت عليه لصالح شركات وبيزنس عصابة المجلس العسكري، وربما هذا ما كشفه بـ"الصدفة" وكيل لجنة الخطة والموازنة في برلمان المخابرات، الذي أتى على تفاصيل ارتفاع أسعار اللحوم في مصر؛ مشيرا إلى أن عزوف الفلاحين عن التربية يأتي نتيجة لارتفاع الأسعار، كما تطرق لآخر تطورات فشل مشروع العسكر لتربية رؤوس البتلو في مصر، والذي لم يتمكن من تخفيض أسعار اللحوم.
عاصفة التعويم
وقال عضو برلمان الانقلاب ياسر عمر: إن "أسعار اللحوم ارتفعت بسبب عزوف الفلاحين عن التربية، إلى جانب انخفاض أعداد تربية رؤوس الماشية بنسبة 50%؛ ليتم تصفية مزارع الماشية بعد تعرض أصحابها لخسائر".
وطالب بمراقبة مشروع البتلو الذي تكلّف مليارات الجنيهات، مؤكدا أن هذا المشروع لم ينجح في تحقيق الهدف منه بتخفيض أسعار اللحوم؛ بعدما كلف الدولة مليارات الجنيهات؛ وإلا لما وصلت الأسعار لوضعها الحالي.
وذكر أن محاولة العمل على تخفيض أسعار اللحوم قبل استقبال عيد الأضحى المقبل أمر صعب جدا؛ لأنه يحتاج لدخول دورة تربية رؤوس ماشية خلال 8 أشهر، موضحا أن أسعار اللحوم في الأرياف وصلت إلى 300 جنيه كحد أدنى؛ مطالبا بتدخل القوات المسلحة لحل أزمة ارتفاع أسعار اللحوم.
وأوضح أن دعم الكهرباء والمواد البترولية في موازنة الدولة الجديدة، التي يتم مناقشتها، مُرتفع ويتخطى 200 مليار جنيه، بالإضافة لدعم الخبز والسلع التموينية.
ولفت إلى أن اللجنة ستوصي بزيادة بند العلاج على نفقة الدولة بقيمة 5 مليارات دولار إضافية؛ خلال المناقشات المقبلة مع وزارة المالية، مشددا على أنه لا تغيير في سعر رغيف الخبز المُدّعم ليحصل عليه المواطن مقابل 5 قروش فقط كما هو.
وزعم أن "السعر العادل للدولار 29 جنيها قد يزيد أو يخسر جنيهين، مؤكدا أن المضاربين على الدولار سيتعرضون لخسارة مالية؛ بعد دخول مصر موارد دولارية جديدة؛ ومنها زيادة هذه الموارد من عوائد قناة السويس، مؤكدا أن سعر الدولار في الموازنة الجديدة سيكون أقل من 31 جنيها".
شهادات المُربين حول الظروف التي دفعتهم لتقليل أعداد الماشية التي يقومون بتربيتها، أو توقف بعضهم بشكل نهائي عن تلك المهنة، كشفت أن سياستين اقتصاديتين أقرتهما حكومة الانقلاب منذ نهاية عام 2016 أثرتا بشكل سلبي على قطاع الثروة الحيوانية، ما أدى لانخفاض عدد رؤوس الماشية بشكل حاد، وتراجع نصيب الفرد من اللحوم الحمراء.
وأعلن البنك المركزي المصري يوم 3 نوفمبر 2016 عن تحرير سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية ليتم التسعير وفقا لآليات العرض والطلب، وهو ما تسبب في انخفاض قيمة الجنيه بشكل كبير.
يقول طه إمام طه إمام مُزارع بقرية محلة أبو علي، التابعة لمركز دسوق، التابع لمحافظة كفر الشيخ : "كنت أنا وأولاد عمي لغاية سنة 2017 نملك حوالي 500 بهيمة – مواشي – بنربيهم وعايشين على خيرهم، جنب الأرض وباقي مصالحنا، لكن لما الحكومة وسعت الاستيراد، وأسعار اللحوم في السوق بقت رخيصة، في نفس الوقت اللي الأعلاف رفعت جامد من بعد القرارات اللي رفعت سعر الدولار، من ساعتها ماعدتش التربية جايبة همها، ومافيش مكسب، وكان فاضل نصرف على البهايم من ريع الأرض، بعدها دبحنا أغلب البهايم، وكل واحد احتفظ ب 3 رؤوس ولا 5 رؤوس، يربيهم ويأخذ خيرهم وكفاية على كده".
شهادة طه إمام، و7 مزارعين ومربين مواشي آخرين، بقُرى مختلفة في دلتا مصر، عن تراجع عدد رؤوس الماشية التي يمتلكونها خلال آخر 4 سنوات، كانت حالات حية رصدها فريق عملنا، لتعبر بشكل واقعي عن إحصائيات رسمية رصدتها أجهزة حكومية في مصر تكشف تراجع أعداد رؤوس الماشية ( الأبقار – الجاموس – الإبل – الأغنام – الماعز ) خلال السنوات الأخيرة.
إذ كشفت إحصائيات صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (النشرة السنوية لإحصاءات الثروة الحيوانية – النشرة السنوية لحركة الإنتاج والتجارة الخارجية والمتاح للاستهلاك من السلع الزراعية ) عن تراجع أعداد الماشية في مصر بنسبة 59.5% بين عامي 2011 و 2021.
الجيش ضدنا!
وبلغت ذروة عدد رؤوس الماشية في مصر في تلك الفترة إلى 18 مليونا و989 ألف رأس من ( الأبقار – الجاموس – الإبل – الأغنام – الماعز ) في عام 2012، بينما تراجعت الأعداد لأدنى مستوى عام 2020 إذ بلغ إجمالي رؤوس الماشية والأغنام 6 ملايين و500 ألف رأس.
ويقول أيمن خليفة، خبير في تربية الماشية بدمياط: "فيه تراجع كبير في تربية المواشي، والفترة الأخيرة الحمى القلاعية قضت على العجول الصغيرة، مع ارتفاع تكاليف التربية بسبب أسعار الأعلاف، ماعدش فيه حد بيشتغل في تربية المواشي عندنا في دمياط إلا اللي عنده أرض، غير كده خلاص، زمان كان ال 5 بهايم يكفوا الفلاح هو وبيته، دلوقتي أصبح محتاج يشتغل بره علشان يكفي مصاريفه، لأن العائد من التربية قليل، زمان كانت الدولة بتدعم الفلاح، ويجي علف مدعم من وزارة الزراعة، وبتساعدك تربي، دلوقتي مفيش".
تحرير سعر صرف الجنيه أثر بشكل سلبي على مُربي المواشي، إذ تستورد مصر ما يزيد عن 90% من احتياجها من الأعلاف، وهو ما تسبب في ارتفاع تكاليف تربية المواشي بشكل كبير، أدى بدوره لارتفاع أسعار اللحوم بالأسواق.
تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016 وما صحبه من ارتفاع تكاليف الإنتاج أدى لارتفاع أسعار اللحوم بالأسواق بشكل كبير، لتبدأ القوات المسلحة بحملة كبرى لمضاعفة منافذ البيع الخاصة بها بالمدن والمحافظات لبيع اللحوم والسلع الأساسية، تحت عنوان ”مكافحة الغلاء والاحتكار“، وقامت وسائل الإعلام التابعة للمخابرات بحملة إعلامية كبرى للترويج لها.
بالبحث حول منافذ بيع السلع الغذائية التابعة لجهاز الخدمة العامة للقوات المسلحة، تبين أن عدد منافذ البيع بلغ 341 منفذ عام 2014، وارتفع إلى 417 منفذا حتى منتصف عام 2016 الذي شهد تحرير سعر صرف الجنيه، إلا أن القوات المسلحة عملت على مضاعفة منافذ البيع الخاصة بها عدة مرات لتبلغ 890 منفذا آخر عام 2017 قبل أن تبلغ 1502 من المنافذ عام 2022 منها 1200 منفذ متحرك و240 منفذا ثابت و62 مُجمعا وفرعا.
يقول السيد محمد ربيع، مُزارع بإحدى قرى مدينة تلا، بمحافظة المنوفية: "الجيش كان لازم يقدم اللحوم في المنافذ الخاصة بيه بأسعار أرخص من السوق علشان يمتص غضب الناس من الغلاء، فتجاهلنا كمربين للمواشي لأن أسعار البيع عندنا أصبحت مرتفعة بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف، واتجه الجيش لاستيراد مواشي حية، ولحوم مجمدة، بأسعار أقل من المتاح عندنا و في المزارع، سنة 2017 حركة البيع كانت أقل من السنين اللي قبلها، بسبب الغلاء اللي عم كل شيء، لكن سنة 2018 كانت سنة تكسير عظام من الجيش ضدنا، الجيش يبيع في المنافذ بتاعته بأسعار أرخص من متوسط الأسعار السوق، وبيزود المنافذ بتاعته في كل حتة، مستفيدين بنفوذهم مابيدفعوش جمارك ولا ضرائب، ومصاريفهم مش زي التجار، ولا بيدفعوا مرافق، ولا عندهم تكلفة نقل، ولا عمالة لانهم بيشغلوا الولاد المجندين، بيبيعوا بأسعار رخيصة ويقدروا يكسب كمان، وإحنا مش عارفين نلاقيها من أسعار الأعلاف ولا من منافسة الجيش، معدش مربي المواشي عارف يعيش، الأول كان معظم الموظفين بيحوشوا قرشين ويشغلوهم في تربية المواشي عند الفلاحين، لكن دلوقتي الدخل من التربية أصبح قليلا، وبدأت الناس تتخلص من المواشي اللي عندها، وتأخد فلوسها تشغلها في حاجات تانية بتكسب أكتر، وماعدش حد بيربي إلا اللي عنده أرض أو التجار الكبار وأصحاب المزارع".
شهادة ”ربيع“، أوضحت بشكل عملي آثار توسع القوات المسلحة في إنشاء منافذ بيع السلع الغذائية، معتمدة على الاستيراد من الخارج، وهو ما تطابق مع إحصائيات مركز التجارة الدولي، والذي كشف تزايد واردات مصر من اللحوم الحمراء، والماشية بشكل كبير بين عامي 2015 ـ العام السابق لتحرير سعر الجنيه – وعام 2021 .