كانت الفجوة بين النتائج الحقيقية للانتخابات الرئاسية الأمريكية سنة 2016م التي فاز بها المرشح الجمهوري دونالد ترامب، وبين نتائج استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات والتي رجحت فوز المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون صادما للجهات والمؤسسات التي أجرت هذه الاستطلاعات رغم أنها جهات عريقة وتحظى بسمعة إعلامية ومهنية جيدة كصفح نيويورك تايمز والواشنطن بوست وغيرها. واستخلص الخبراء والمتخصصون مجموعة من الاستنتاجات تُفَسِّر الأسباب التي أدَّت لإخفاق هذه الاستطلاعات في توقُّع نتائج الانتخابات الرئاسية بشكل صحيح بدءًا من التخطيط لها ومرورًا بتنفيذها وانتهاءً بنشر نتائجها التي لا تتقيَّد بالشروط العلمية ولا المنهجية اللازمة لضمان سلامة وصحة ومصداقية المعلومات التي تُقدِّمها للجمهور، حتى وإِنْ كانت الوسيلة الإعلامية التي تقوم بإجرائها عريقة وذات سمعة وتاريخ. وقد لا تكون هذه الاستطلاعات سوى وسيلة لتضليل وتغييب وعي الجمهور وإفقاده القدرة على اتخاذ قرارات سليمة وإصدار أحكام رشيدة تجاه ما يدور حوله من أحداث.
استطلاع الرأي هو وسيلة من وسائل الديمقراطية لمعرفة توجهات الرأي العام حيال قضية أو أكثر تحظى باهتمام ومتابعة جماهيرية، وهناك إجماع بين الخبراء والأكاديميين على أن استطلاع الرأي كوسيلة لا يمكن القبول بنتائجها إلا إذا توافرت عدة شروط، أهمها حيادة الجهة القائمة على الاستطلاع، ويعني ذلك عدم انحيازها المسبق لأي رأي من الآراء المطروحة لأن ذلك من شأنه أن يحول الاستطلاع من وسيلة كاشفة لتوجهات الرأي العام إلى وسيلة دعاية لطرح و
معين أو توجه يراد تسويقه لأهداف أخرى. الشرط الثاني أن تلتزم بالمعايير العلمية والمنهجية اللازمة لضمان سلامة وصحة ومصداقية المعلومات التي تُقدِّمها للجمهور. وثالثها أن تكون العينة عشوائية وليست عينة موجهة، كأن يقوم المشرفون على عمل الاستطلاع بسؤال أصدقاء ومعارف يعلمون حقيقة توجهاتهم من أجل ترجيح موقف على آخر. لكن الشرط الأهم على الإطلاق هو أن يتم استطلاع الرأي في مجتمعات ديمقراطية يحظى مواطنوها بحرية الرأي والتعبير وعدم الخوف من بطش السلطة التي تفرض على الناس نمطا محددا من الآراء والمواقف وتنكل بكل معارض أو مخالف لها.
لذلك نرصد في هذا التقرير نتائج الاستطلاع الذي أجرته إحدى الشركات الإقليمية لحساب معهد واشنطن في الفترة من (مارس وإبريل 2023م) حول رأي المصريين في عدد من القضايا تتعلق بالموقف من الاحتجاجات رغم الأزمة الاقتصادية والموقف من إسرائيل وإيران والخطاب الديني. ويتعين التنبيه إلى ضرورة عدم التسليم بهذه النتائج لاعتبارات كثيرة، أبرزها عدم الاطمئنان إلى الشركة التي نفذت الاستطلاع وتوجهاتها في ظل السياق الحالي والذي يهمين الجيش والمؤسسات الأمنية على كل مفاصل السلطة فيه. والراجح عندنا أن هذا الاستطلاع قد يكون موجها إن لم يكن في كل الملفات التي تناولها ففي بعضها على الأقل. لا سيما في ظل هذه الأجواء الضبابية التي تلف المنطقة والعالم بأسره.
هل يثور المصريون؟
من أهم ملفات الاستطلاع مدى القبول الشعبي لفكرة الاحتجاج في الشوارع ضد الفساد في ظل الضغوط والأزمة الاقتصادية؛ وحسب الاستطلاع فقد رفض 53% من المصريين فكرة الاحتجاجات في الشوارع على غرار عدد من الدول العربية الأخرى. في حين أيد نحو 47% ذلك حين طلب رأيهم في عبارة: «من الجيد أننا لا نشهد احتجاجات شوارع جماهيرية ضد الفساد، كما يحصل في بعض الدول العربية الأخرى». وتتماشى هذه النتائج مع نتائج استطلاع عام 2022 والتحليلات التي تشير إلى أن أي احتجاجات ناتجة عن الأزمة الاقتصادية الحالية في مصر ستكون متقطعة وغير منتظمة.
الملاحظة المهمة على هذه النتائج أن التقرير الذي نشره معهد واشنطن حول نتائج الاستطلاع لم يكشف عن أسباب عزوف المصريين عن الاحتجاجات الجماهيرية رغم الظروف الخانقة التي وصلوا إليها. لكن تقارير منظمات حقوق الإنسان قد تجيب عن جزء من ذلك، إذ إنها تظهر مدى تدهور الملف الحقوقي في مصر، واعتقال العديدين ممن انتقدوا الأوضاع الاقتصادية حتى عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
الموقف من "إسرائيل"
تناول الاستطلاع أيضا عدة موضوعات أخرى؛ أهمها الموقف من (إسرائيل) وتطبيع العلاقات معها، فقد كشفت النتائج أن غالبية المصريين لا يزالون يقاومون فكرة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، ويعتقدون أن لـ"اتفاقيات أبراهام" تأثيرًا سلبيًا على المنطقة؛ حيث يرفض 88% من المصريين هذه الاتفاقيات ويرى 12% فقط أن لـ"اتفاقيات أبراهام" التي عُقدت بين الاحتلال والإمارات والبحرين والمغرب والسودان آثار إيجابية إلى حد ما على المنطقة، وهي نسبة لم تتغير منذ الاستطلاع الأخير في خريف عام 2022. ويشير هذا الموقف إلى وجود انفصام بين الرأي العام والسياسة العامة، وإلى أن التطبيع لم يحدث إلا على المستوى الرسمي. وتحظى الاتصالات غير الرسمية مع الاحتلال بقليل من الدعم بين المصريين، ولم يؤيد «عقد بعض العلاقات التجارية مع الشركات الإسرائيلية في حال ساعدت اقتصادنا» إلا 15% فقط. ويرفض نحو 78% من المصريين تلقي مساعدات من إسرائيل حتى لو وقعت كارثة طبيعية في بلادهم بينما لم يؤيد ذلك سوى 22% فقط. ورغم تحفظ أكثر من منصف المصريين على الاحتجاجات في بلادهم إلا أن أكثر من الثلثين اعتبروا أن الاحتجاجات في إسرائيل ضد حكومة نتنياهو الجديدة إيجابية إلى حد ما، أو إيجابية للغاية.
الموقف من إيران
بخصوص الموقف من إيران فيرى (46%) من المصريين أن إيران بلد منافس لهم، فيما يرى (43%) منهم أنها "عدو" وفقا لنتائج الاستطلاع، وعلى الرغم من هذه المواقف السلبية الواسعة النطاق تجاه إيران، فقد عارض ثلثا المصريين، إلى حدٍ ما على الأقل، توجيه "ضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية كبيرة ضد إيران، واعتبروها ستكون خطيرة للغاية وأنها ستضر ببلدهم"، بينما لم يؤيد هذا الطرح سوى الثلث فقط. وانقسم المصريون، بشكل مفاجئ، حول "استعادة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة السعودية وإيران"، حيث ترى أقلية طفيفة (45%) من المصريين أنها خطوة إيجابية إلى حد ما، أو إيجابية جدًا، في حين اعتبر حوالي النصف (51%) أنها خطوة سلبية، إلى حد ما، أو سلبية جدًا. ويوافق نحو (29%) على الاقتراح القائل بأنه "على الرغم من خلافاتنا مع إسرائيل حول قضايا أخرى، فإنه يجب على بعض الدول العربية التعاون مع إسرائيل ضد التهديدات الإيرانية التي نواجهها". وكانت هذه النسبة أعلى مّما أظهره الاستطلاع في الخليج.
الخطاب الديني
وحول نقطة الخلاف بين الجنرال السيسي وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، فإن ربع المصريين فقط، وهذا العدد لم يتغير منذ استطلاع آب/ أغسطس 2022، يوافقون على تغيير الخطاب الديني، بينما رفضه 75% من المصريين رغم أن الصيغة التي طرح بها السؤال كانت لغما بحد ذاتها ومثلت انحيازا لموقف السلطة على حساب موقف الأزهر، وطلب من المشاركين في الاستطلاع رأيهم بالقبول أو الرفض على الصياغة الآتية: «علينا الاستماع إلى الذين يحاولون تفسير الإسلام بطريقة حديثة أكثر اعتدالًا وتسامحًا». فهل فعلا تريد السلطة تفسير الإسلام بطريقة حديثة أكثر اعتدالا وتسامحا؟! الأمر الذي يكشف انحياز المؤسسة الأمريكية المشرفة على الاستطلاع لموقف السلطة من أجل تسويق ما يسمى بالإسلام الأمريكاني. وجاءت النتيجة صادمة لهم حين رفض 75% من المصريين هذا الطرح رغم الصاغة المنمقة والمفخخة. وحسب تقرير معهد واشنطن «من اللافت للنظر أن المصريين لا يؤيدون تغيرًا كهذا»، ويعزو المعهد ذلك إلى «الدور الذي تلعبه فكرة الإصلاح الديني في خطاب النظام المصري ضد الشخصيات المؤيدة لجماعة الإخوان المسلمين»، بمعنى أن الرفض الواسع لهذه الفكرة إنما يعود إلى الحاضنة الشعبية الواسعة التي تحظى بها جماعة الإخوان المسلمين في المجتمع المصري وأن الرفض جاء بسبب توظيف هذه التغييرات على الخطاب الديني ضد رموز وقادة الإخوان.