التقى وفد عسكري إسرائيلي قيادات رفيعة بالجيش المصري الأحد 10 يونيو 2023م، في زيارة خاطفة لوفد إسرائيلي للقاهرة لبحث تداعيات حادث الحدود الذي نفذه المجند الشهيد محمد صلاح إبراهيم فجر السبت 3 يونيو 2023م، وأدى إلى مقتل ثلاثة جنود صهاينة وإصابة اثنين آخرين. وحسب تقرير للقناة الـ"13" العبرية فإن المسئولين المصريين تراجعوا عن الرواية المصرية الأولى التي أشارت إلى أن الجندي كان يلاحق مهربين على الحدود مؤكدين أن الجندي تمرد على الأوامر والتعليمات. وشدد الجانب المصري على أنه لن يسمح بتكرار مثل هذه العمليات ضد جنود الاحتلال مرة أخرى.
وحسب بيان صادر عن جيش الاحتلال فإنّ الوفد الذي رأسه قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال إليعازر توليدانو ضم أيضاً رئيس لواء العلاقات الدولية في هيئة أركان الجيش آفي ديفرين، ورئيس شعبة تشغيل النظم، الذي أشار إليه البيان بـ"العميد ج". ونقل موقع قناة "13" عن بيان الجيش أنّ اللقاء مع المسؤولين المصريين بحث استكمال التحقيق في حادثة تسلل الجندي المصري، مشيراً إلى أنّ الجانبين استكملا التحقيق الذي بدأ يوم الحادثة عندما وصل وفد عسكري مصري إلى مكان حدوث العملية على الحدود.
وبحسب البيان، فإنّ الجانبين أبديا التزاماً بإجراء "تحقيق معمّق والوصول إلى الحقيقة". وأضاف البيان: «لقد بدأ التحقيق المشترك في يوم الحادث عندما تفقد وفد يضم مسؤولين كباراً في الجيش المصري موقع الحادث في إسرائيل حيث يتواصل التحقيق المشترك في هذه الأيام. لقد أبدى الجانبان التزامهما في إجراء تحقيق معمّق والوصول إلى الحقيقة». وذكّرت القناة أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحدّث، الأسبوع الماضي، إلى الجنرال عبد الفتاح السيسي، الذي قدّم التعازي بمقتل الجنود الثلاثة. وأشار ديوان نتنياهو في حينه إلى أنّ الأخير شكر السيسي على "التزامه بإجراء تحقيق شامل ومشترك، وأنّ الزعيمين أبديا التزامهما بمواصلة تقوية السلام والتعاون الأمني، الذي يمثل قيمة حيوية للدولتين". ولفتت القناة إلى أن الجانب المصري وثق التعاون مع إسرائيل ويواصل التحقيق في العملية.
وبحسب القناة الإسرائيلية، فإنه بخلاف الرواية الأولية التي حاول الجانب المصري تسويقها بأنّ الجندي المصري كان يطارد مهربي مخدرات، فإنّ المسؤولين المصريين أقرّوا أمام زملائهم الإسرائيليين بأنّ الجندي محمد صلاح قد تمرّد على التعليمات وأنهم يفحصون دوافعه لتنفيذ العملية، وضمن ذلك فحص ما إذا كان قد "تأثر بهذه الأيديولوجية الدينية أو تلك". ولفتت القناة إلى أن المسؤولين المصريين أبلغوا إسرائيل أنه قد اتخذت خطوات تهدف إلى عدم السماح بتنفيذ عمليات مماثلة في المستقبل.
حقائق صادمة ومذهلة
وهناك شبه إجماع بين الخبراء والمحللين على أن العملية التي نفذها الجندي الشهيد محمد صلاح تعكس عدة حقائق أهمها أن سيناء خارج التغطية، لدرجة أن حدثاً أمنياً عسكرياً يحصل على أهم حدود في البلاد ومنطقة عمليات، ولا نعلم عنه شيئاً لمدة 12 ساعة، وعندما صدر بيان رسمي لم يضف أي شيء جديد أو معلومة مفيدة". كما كشف عن حالة من عدم الثقة المتناهية من الشعب تجاه البيانات الرسمية، لدرجة أن بيان المتحدث العسكري لا يرقى إلى أي مستوى من المصداقية. كما سقط إعلام النظام كما هو متوقع؛ فلا شيء صدق ولا مصداقية ولا مهنية ولا يحزنون.
كما فضح الحادث القصور العسكري للجيش الإسرائيلي، وقدّم دليلاً على تآكل سلاح الردع لديه، وكذلك عدم كفاءة التطور التكنولوجي في السياج الحدودي مع مصر، الذي لم يصمد أمام جندي مصري مسلح تسليحاً عاديا". وأن الجانب الإسرائيلي لديه حسابات سياسية وأمنية تحكم تصرفاته، فيجب أن يظهر سيطرته الكاملة على الوضع، وأن الاعتداء على جنوده لا يمر بسهولة، ولا يمكن أن يمر مثل هذا الحادث من دون أن يصدر بيانات توضيحية، على عكس ما يفعله الجانب المصري الذي لا يضع اعتبارا للرأي العام المصري ولا يعنيه كشف الحقيقة لمواطنيه.
والأهم أن الحادث يؤكد انهيار وفشل الجهود الرامية لتحقيق أي تطبيع شعبي مصري مع الاحتلال؛ فرغم السلام البارد قبل نحو 45سنة إلا أن هذه علاقات بين نظامي حكم أما الشعب المصري فلا يزال عصيا على الخضوع والإذعان، فلا يخلو بيت مصري من وجود شهيد أو مصاب خلال الحروب مع الاحتلال الصهيوني (حرب 48 ـ 56 ــ 67 ـ الاستنزاف ـ حرب 73). بخلاف الدعم والتعاطف الشعبي القوي مع المقاومة الفلسطينية ورباطها في سبيل الله ودفاعها عن الناس والمقدسات.
كما كشف الحادث عن انزعاج الغرب بشدة من الحفاوة الشعبية المصرية والعربية بالعملية واعتبار الشهيد فخر العرب الحقيقي بدلا من الأبطال الوهميين في مجالات اللعب والترفيه. ونقل موقع "مدى مصر" عن مصدر دبلوماسي أوروبي في القاهرة أنه أبدى اندهاشًا من حالة الاحتفاء الشعبي بالهجوم الذي نفذه المجند، ما اعتبره المصدر «عصيًا على الفهم» بعد سنوات طويلة من اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، مشيرًا إلى أن الدبلوماسيين الإسرائيليين في القاهرة مذهولين من هذا القدر من الاحتفاء بالعملية.
سيادة مصرية منقوصة
وأخيرا كشف الحادث عن مدى النفوذ الواسع الذي تتمتع به تل أبيب في صناعة القرار في القاهرة ولا سيما فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية في سيناء والتي تبدو فناء خلفيا للاحتلال يعربد فيها كيفما شاء، لا سيما وأن اتفاقية كامب ديفيد (مارس 1979م برعاية أمريكية) قسمت سيناء إلى ثلاثة مناطق (أ ـ ب ـ ج)، ويسمح للجيش المصري في المنطقة: (أ) فقط بتواجد معدات عسكرية ثقيلة تتكون من فرقة مشاة ميكانيكية واحدة ومنشآتها العسكرية وكذا تحصينات ميدانية عبارة عن ثلاثة ألوية مشاة ميكانيكية ، ولواء مدرع واحد، سبع كتائب مدفعية ميدانية تتضمن حتى 126 قطعة مدفعية، وسبع كتائب مدفعية مضادة للطائرات تتضمن صواريخ فردية أرض جو وحتى 126 مدفعا مضادا للطائرات عيار 37 مم فأكثر، و حتى 230 دبابة، و480 مركبة أفراد مدرعة من كافة الأنواع، وإجمال أفراد بنحو 22 ألف فرد مقاتل.
وتمتد المنطقة "ب" من مدينة الشيخ زويد (شرق العريش) إلى قرية أبو عويقيلة (مركز الحسنة) مرورا بجبل الحلال (نخل) ليلاقي الخط "أ" عند جبل كيد (نخل) ثم ينطبق عليه حتى مدينة شرم الشيخ. وتوفر الأمنَ فيها وحدات حدود مصرية من أربع كتائب مجهزة بأسلحة خفيفة وبمركبات تعاون الشرطة المدنية في المحافظة على النظام في المنطقة. وتتكون العناصر الرئيسية لكتائب الحدود الأربع من إجمالي حتى أربعة آلاف فرد. ويتيح البروتوكول لمصر إقامة نقاط إنذار ساحلية أرضية قصيرة المدى ذات قوة منخفضة لوحدات الحدود على ساحل هذه المنطقة. كما تنشأ بهذه المنطقة تحصينات ميدانية ومنشآت عسكرية لكتائب الحدود الأربع.
أما المنطقة "ج "، فتمتد على طول الحدود مع كل من قطاع غزة والأراضي المحتلة (من رفح إلى طابا) والشاطئ الغربي لخليج العقبة حتى شرم الشيخ، وتتمركز فيها القوات المتعددة الجنسيات والشرطة المدنية المصرية فقط. وحسب البروتوكول "تتولى الشرطة المدنية المصرية المسلحة بأسلحة خفيفة أداء المهام العادية للشرطة داخل هذه المنطقة"، دون وجود عسكري إلا بتفاهمات خاصة بين البلدين.
وتبقى المنطقة "د"، وهي خط حدود داخل الأراضي المحتلة بعرض 2.5 كم وعمق 4كم فقط. ويُسمح ملحق معاهدة السلام بأن تضع إسرائيل فيها قوة محدودة من أربع كتائب مشاة غير مزودة بدبابات أو مدفعية سوى صواريخ أرض جو. وينص الملحق على ألا يتجاوز مجموع الجنود الإسرائيليين في الكتائب الأربع 4 آلاف، مع 180 مركبة. ولكن يبقى جيش الاحتلال من خلفهم بكل معداته وأسلحته.
وكان حجم القوات المصرية على أرض سيناء يوم 28 أكتوبر 1973 بعد التوقف الفعلي لإطلاق النار, نحو 80 ألف جندي مصري وأكثر من ألف دبابة, ولكن السادات وافق على سحبها جميعا وإعادتها إلى غرب القناة إلا سبعة آلاف جندي وثلاثين دبابة.