يتمسك الطاغية عبدالفتاح السيسي بأسلوبه المعروف كأعتى الجبابرة والطغاة في الأرض؛ وجدد ــ في مداخلة في المؤتمر الوطني للشباب الذي انعقد في الإسكندرية منتصف يونيو ــ تعهده بعدم الإفراج مطلقا عن المعتقلين السياسيين حتى لو ثبتت براءتهم وقضوا مدة عقوبتهم؛ واعتبر السيسي كل ما فعله منذ انقلابه المشئوم في يوليو 2013م كان صوابا مطلقا؛ وقال السيسي ــ الأربعاء 14 يونيو 2023م ـ إن ما قام به كان «إنقاذا للوطن»! رافضا محاسبته على هذه الجرائم. وقال السيسي: "تكلفنا 80 مليار جنيه بعد أحداث 25 يناير، غير الإرهاب"، مضيفا: "والاحتياطي خلص خلال سنة ونص". وتابع: "جه ومشي، وضرب الكنائس والجوامع، ومحطات الكهرباء، ويزعل عبد المنعم، ويقول لي الناس الموجودة، ده إنقاذ وطن، اللي يحاسبني عليه مش أنت، اللي يحاسبني عليه ربنا". وواصل السيسي: "هيقولي (الله) ضيعت 100 مليون، وتشردوا في كل حتة"، مشددا على دوره بعد انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013: "أنا مبخافش أبدا، ولو خفت كنتم كلكم زمانكم في خراب ودمار".
وتنقل صحيفة "عربي 21" عن سيدة مصرية ــ زوجها وابنها معتقلان ـ قولها: «ليس لدينا شك بأنه لن يترك لنا أبناءنا وأزواجنا إلا وهم في أكفانهم محمولون"، موضحة أن ابنها وزوجها "في شهر أغسطس المقبل"2023"، يكملان عقدا كاملا من الزمان في سجون السيسي، رغم أن ابني قضى مدة حبسه كاملة وكان من المفترض أن يكون خارج السجن منذ 3 سنوات". وتضيف أن "كلام السيسي لم يشكل لنا صدمة، فنحن ندرك الحقيقة التي نشاهدها مع كل زيارة، ومن تعامل الأمن معنا ومع المعتقلين، فلن يتركوهم سوى جثث هامدة"، وتابعت: "زوجي الآن يقترب من عامه الـ60 وابني تعدى الـ30 بلا زواج"، داعية كل من له قلب، أن "يفعلوا شيئا لإنقاذهم من الموت".
وفي تقدير لمنظمة العفو الدولية نشرته في يناير2021م، يصل عدد المسجونين في مصر إلى 114 ألفا، وهو رقم يمثل أكثر من ضعف القدرة الاستيعابية للسجون المصرية والتي أكد السيسي في ديسمبر 2020م أنها تتسع لنحو 55ألف سجين. وتصف العدل الدولية الأوضاع في السجون المصرية بأنها "كارثية"، مشيرة لوجود "ناشطين سلميين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومحامين وأساتذة جامعيين وصحفيين محبوسين لمجرد ممارستهم حق التعبير عن الرأي". وحتى مارس 2021، أكدت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، أن في مصر 65 ألف سجين ومحبوس سياسي.
نسف منظومة العدالة
يتفق معظم الخبراء والمحللين والحقوقيين على أن تصريحات السيسي هي تأكيد واضح على انعدام العدالة في مصر، وأن مصير عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين في مصر مرهون بالموقف السياسي لا القانوني ولا القضائي. وتؤكد هذه التصريحات على أن ما يفعله السيسي، يعيد الأوضاع في مصر إلى العصور الفرعونية قبل الإسلام والتي كان يتمتع فيها الحاكم بالسلطات المطلقة دون مساءلة أو محاسبة. تصريحات السيسي تؤكد أن الدولة المصرية حاليا تدار بمنطق حكم الغابة، وخطاب السيسي يكرس حكم الفرد الذي بيده كل شيء، فإذا مستهم حسنة قالوا لنا هذه، إنجاز حققناه، وإذا مستهم السيئة اطيروا بالشعب والثورة والإخوان، وحملوا الناس المسئولية عن الفشل والانهيار. خطاب السيسي يؤكد أن القادم أسوأ بمراحل؛ وأن استمرار نفس المنظومة بنفس الفلسفة هي روشتة لتدمير مصر حاضرها ومستقبلها، فمعلوم في الإسلام وكل دساتير العالم أن للشعوب حق اختيار حكامها وحق محاسبتهم وتقويمهم وعزلهم إذا أساءوا بأدوات الدستور والقانون، لكن السيسي يرى غير ذلك. فليس من حق أحد أن يحاسبه إلا الله. وهذا عين الحكم الثيوقراطي البغيض الذي دشنته الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى بأوروبا وحكم رجال الكنيسة باسم الدين.
لماذا ينكل بالمعتقلين؟
ويرى مدير المعهد الدولي للعلوم السياسية والاستراتيجية، الدكتور ممدوح المنير، أن "كلام السيسي لا يحمل جديدا لملف المعتقلين في مصر سواء كان سلبيا أو إيجابيا". ويؤكد أن "بقاء المعتقلين في السجون هو ضرورة بقاء للسيسي في منصبه؛ وبالتالي لا يمكنه تقديم تنازلات فيه إلا بعمليات محسوبة بدقة وبغرض البروباجندا الإعلامية فحسب".
ويشرح ذلك بقوله إن "الوضع الاقتصادي على صفيح ساخن، والسيسي يعلم جيدا أن الشعب في حالة غضب مكبوت، وما يوقفه عن الانفجار عدم وجود معارضة قوية وحقيقية تقوده، وبالتالي هو مسكون بالفزع ممن هم في السجون حتى لو كانوا بلا حيلة أو تأثير حاليا". علاوة على ذلك فإن السيسي ـ حسب المنير ــ لا يزال يستخدم سردية أنه أنقذ الوطن من إرهاب الإخوان، وأن الإخفاق الاقتصادي كان الثمن للقضاء على (الإرهاب)، وبالتالي الإفراج عن المعتقلين يعني إفقاد هذه السردية لمصداقيتها، وهو لا يملك غيرها لتبرير فشله في إدارة الدولة". وبالتالي ــ حسب المنير ــ لا يمكن التعويل على أي تصريحات إعلامية للسيسي في هذا الجانب، وما يحدث في لعبة الحوار الوطني دليل كاف على العبث السياسي الحاصل حاليا في المشهد المصري، ومؤشر جيد يمكن أن نقيس عليه سلوك الدولة في باقي الملفات وأهمها المعتقلين".