كارثة غرق المركب المصري في المياه العميقة بالقرب من اليونان في الساعات الأولى من صباح الأربعاء 4 يونيو 2023م، وغرق نحو 78 شخصا وغرق المئات معظمهم من المصريين بينهم الكثير من الأطفال والنساء يفتح الباب أمام بحث أسباب هجرة المصريين، لا سيما وأن المركب كان على مته نحو 750 مهاجرا غير نظامي حسب تصريحات وزير الهجرة بحكومة الانقلاب سها جندي حيث نجا 43 مصريا فقط و104 من جنسيات أخرى من بين 750شخصا كانوا على متن المركب المصري الغارق.لكن العبارة الغامضة والمخيفة في تصريحات وزيرة الهجرة أن «عدد المفقودين من المصريين غير محدد، لأن الحادث كان فى مياه عميقة جدا».
فما أسباب هجرة المصريين؟
في تقرير لها في ديسمبر 2022م قالت صحيفة "جارديان" (The Guardian) البريطانية، إن آلاف المصريين يعرضون أنفسهم للموت غرقا في عرض البحر في نزوح جماعي جديد محفوف بالمخاطر نحو أوروبا. وأوضحت الصحيفة أن الفقر أوقع الآلاف في قبضة مهربي البشر الذين يمارسون تجارة قاتلة في البحر الأبيض المتوسط. وفي تقرير لمراسلتها في إسطنبول روث مايكلسون، أضافت غارديان أن أعدادا متزايدة من الشبان المصريين "يفرون" من بلدهم الذي يعاني اقتصاديا بعد أن فقد الجنيه المصري أكثر من ثلث قيمته مقابل الدولار هذا العام وحده، إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم الذي تسبب في ارتفاع حاد في تكلفة المعيشة مع غرق الدولة أكثر في الديون.
وطبقا لدراسة أجرتها المنظمة الدولية للهجرة في الفترة ما بين ديسمبر/كانون الأول 2021 ويناير/كانون الثاني 2022، فإن معظم المهاجرين المصريين في ليبيا يأتون من شمال شرق البلاد، وينحدرون أساسا من محافظات المنيا وأسيوط والفيوم والبحيرة. ويعزو موقع "ميدل إيست آي" البريطاني في تقرير له في مارس 2023م، أسباب هجرة المصريين إلى "الفقر المدقع"، حيث أدى ارتفاع تكاليف المعيشة إلى تآكل شبكة الأمان المتداعية بالفعل في مصر، مما أدى إلى تراجع المستوى المادي لنحو 60 مليون شخص فأصبحوا تحت خط الفقر وأجبر العديد منهم على عبور الحدود إلى ليبيا كوسيلة للوصول إلى أوروبا. وثمة سبب آخر، هو "العنف" الذي يعد من العوامل التي تدفع المصريين إلى مغادرة وطنهم. ونقل الموقع عن مركز مراقبة النزوح الداخلي (IDMC) في جنيف، أن هناك ألف حالة نزوح جديدة بسبب العنف في مصر. واعتبر التقرير عنف السلطة خصوصا جهاز الأمن الوطني من أحد أهم أسباب الهجرة غير الشرعية من مصر إلى أوروبا؛ حيث وثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" حالات اختفاء قسري وعمليات إعدام خارج نطاق القضاء حدثت بشكل واسع في إطار "حرب جهاز الأمن الوطني على الإرهاب". وأوضح الموقع البريطاني في تقريره أن الحملة، التي ظل الجيش المصري يشنها طيلة 8 سنوات ضد فرع تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سيناء، أسفرت عن حصيلة مرتفعة من القتلى ونزوح ما يقدر بنحو 100 ألف من سكان تلك المنطقة البالغ عددهم 450 ألفا.
ولا توجد إحصائيات رسمية حول معدلات الفقر في مصر، والتي كانت تزيد على 30% قبل جائحة كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا، وخفض قيمة العملة إلى النصف خلال سنة 2022م؛ ويمكن تصنيف 60 في المائة من سكان مصر البالغ عددهم 105 ملايين نسمة على أنهم فقراء أو ضعفاء ، وفقًا لتقديرات لبنك الدولي في 2019م. وفي يناير 2023م، أجرى موقع "المونيتور" استطلاع رأي، توصل فيه إلى أن 68% من المصريين يشعرون بالقلق بشأن قدرتهم على الحصول على الغذاء.
سبوبة للسيسى
وتعتمد السياسة الخارجية المصرية منذ اغتصاب السيسي للسلطة بانقلاب عسكري في منتصف 2013م بشكل كبير على استخدام ورقة المهاجرين غير النظاميين، ودور مصر في حماية أوروبا من تدفق اللاجئين، في تحقيق المكاسب من الدول الغربية التي تثمن هذا الدور المصري وتتغاضى بسببه عن إدانة الانتهاكات المستمرة للنظام في ملف حقوق الإنسان. وفي أواخر أكتوبر22م ، وقّع الاتحاد الأوروبي أحدث سلسلة من الصفقات مع مصر تهدف إلى الحد من الهجرة، وكان ذلك بمنحة قدرها 80 مليون يورو لتعزيز قوات خفر السواحل والقوات البحرية المصرية ووقف تدفق المهاجرين. ويتضمن التمويل أيضاً، حسب وثيقة نشرتها مفوضية الاتحاد الأوروبي مطلع نوفمبر22م، شراء معدات مراقبة مثل سفن البحث والإنقاذ والكاميرات الحرارية وأنظمة تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية. وتقول الوثيقة إن مصر "تشهد (تدفقات كثيفة) من المهاجرين على المدى المتوسط إلى الطويل بسبب عدم الاستقرار الإقليمي وتغير المناخ والتحولات الديموغرافية وتراجع الفرص الاقتصادية".
التمويل الأوروبي المربح لقوات الأمن المصرية، تراجع قليلاً في الفترة الأخيرة، حيث ضعفت الجهود الغربية في وقف شبكات التهريب المتمركزة الآن بشكل أساسي في ليبيا". و"في مارس2022م، أعلن الجيش الألماني وقف برنامج مثير للجدل لتدريب أفراد من خفر السواحل الليبي، تمّ تشكيله من المليشيات حول سواحل البلاد، بسبب معاملتهم التعسفية للمهاجرين". وتقول الوثيقة التي نشرها الاتحاد الأوروبي إن مصر "تتعامل حتى الآن مع الهجرة غير النظامية في الغالب من منظور أمني، وأحياناً على حساب الأبعاد الأخرى لإدارة الهجرة، بما في ذلك حماية المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء القائمة على الحقوق". وتشير الوثيقة إلى أن البرنامج "يسعى إلى تطوير قدرة وزارة الدفاع المصرية والجهات الحكومية وجهات المجتمع المدني المعنية اتباع مناهج قائمة على الحقوق وموجهة نحو الحماية وتراعي الفروق بين الجنسين في إدارة الحدود".
وتشهد الهجرة غير النظامية إلى أوروبا نموا مضطردا في الشهور الأخيرة من الموانئ الليبية تحت إشراف مباشر من قيادات عسكرية رفيعة بقوات الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، والذي يستهدف بذلك ابتزاز الأوروبيين لإجبارهم على تقديم المزيد من الدعم لقواته بعدما فقدت بعض مواردها المالية مؤخرا، وهو الملف الذي قد يشهد تنسيقا مصريا ليبيا أوروبيا خلال الشهور المقبلة.