العشرية المصرية السوداء (1): العيشة المرة والموت غرقا

- ‎فيمقالات

ارتبط مسمى العشرية السوداء بتلك الفترة الدموية في الجزائر التي أعقبت الانقلاب على الديمقراطية مطلع العام 1992، والتي فتحت الباب لردود فعل عنيفة راح ضحيتها 200 ألف مواطن من المدنيين والعسكريين، ناهيك عن تدهور معيشة المواطنين والأضرار التي لحقت بالاقتصاد.. الخ. نحن الآن نمر بذكرى مرور عشر سنوات على الانقلاب في مصر، الذي تسبب في إزهاق أرواح آلاف المصريين أيضا ناهيك عن عديد الكوارث الأخرى التي مرت بها مصر خلال هذه العشرية السوداء، ولعل المظهر الأبشع الذي عاناه المصريون ولا يزالون هو تردي الحالة المعيشية التي لا تخطئها عين.

"عايزين حكومة حرة.. العيشة بقت مرة" هتاف لطالما صدح به المتظاهرون المصريون احتجاجا على تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية، لكنه يكتسب اليوم أهمية أكبر في ظل هذا التردي المعيشي الذي لم يسبق له مثيل خلال نصف قرن على الأقل.. عبقرية هذا الهتاف هو جمعه بين الاقتصادي والسياسي، بين العيش والحرية، وهما الشعاران الرئيسان اللذان رفعتهما ثورة يناير إلى جانب العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

لم يعد المصريون يلاحقون ارتفاع أسعار السلع الذي يسبق توقعاتهم دوما، يدخل أحدهم إلى أحد الأسواق (المولات) فيسأل عن ثمن سلعة ما، يرفض الموظف إخباره بالسعر لأنه سيتغير خلال فترة التسوق ذاتها، يذهب المواطن إلى أحد الأرفف لاستطلاع أسعار بعض السلع، ثم يواصل جولته نحو أرفف أخرى، وحين يقرر الشراء ويعود لالتقاط احتياجاته يفاجأ بأسعار جديدة غير التي شاهدها قبل وقت قليل.. هذا هو وضع الأسواق في مصر حاليا بعد عشر سنوات من مظاهرات 30 حزيران/ يونيو؛ الذكرى التي يحشد لها النظام عبر أذرعه السياسية والإعلامية، ويفرض على الشركات ورجال الأعمال المساهمة بقوة فيها، لتدشين احتفالات صاخبة بطول البلاد وعرضها تدوس على آلام الناس وأحزانهم.

الشكوى من التغير الدراماتيكي للأسعار في المولات التجارية هي بالأساس شكوى الفئات المصنفة بـ"المتوسطة" و"فوق المتوسطة"، أما الطبقات الفقيرة التي لا تعرف تلك المولات، وتكتفي بالأسواق الشعبية فحدّث ولا حرج، لقد وصل بها الحال خلال هذه العشرية السوداء إلى التنافس على أرجل الدجاج بدلا من الدجاج نفسه الذي لم يعد بمقدورهم شراؤه. وتشترك كل الطبقات في الشكوى من ارتفاعات قياسية للأسعار بلغت أربعة أضعاف أو يزيد.

خذ مثلا لسلعة استراتيجية وهي اللحوم التي كان سعر الكيلو منها 67 جنيها في العام 2013 (دراسة اقتصاديات اللحوم الحمراء في مصر- الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء) وقد يتراوح سعر الكيلو حاليا بين 300 و400 جنيه حسب القطعية، كما أنه انخفض نصيب الفرد من اللحوم الحمراء من 12 كيلوجراما عام 2013 إلى 7.3 كيلوجرام عام 2020. وبحسب الجهاز نفسه فقد خفضت 93.1 في المئة من الأسر استهلاكها من اللحوم والطيور، فيما قللت 92.5 في المئة من الأسر استهلاكها من الأسماك. وفي المقابل، زاد 11 في المئة استهلاكهم من البقوليات. ولمواجهة الارتفاعات الكبيرة للأسعار فقد اتجهت الأسر المصرية إلى أنواع أرخص من الغذاء، مثل البطاطس والمكرونات.

في مواجهة هذا التضخم الفاحش اجتهد المصريون في سبل المواجهة الأخرى بحسب مسح للمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، حيث أوقف 84 في المئة منهم سداد الديون، وتحول 70 في المئة منهم إلى أطعمة وعلامات تجارية منخفضة الجودة، وخفض 47 في المئة منهم استهلاك الغذاء، كما اضطرت نسبة كبيرة من الأسر إلى خفض النفقات على الصحة (43 في المئة) والتعليم (25 في المئة)، وإلى وبيع المجوهرات والذهب (10 في المئة).

حين أصدر البنك الدولي تقريرا في أيار/ مايو 2019 أثبت فيه أن نحو 60 في المئة من سكان مصر إما فقراء أو عُرضة للفقر، هاجت السلطات الرسمية المصرية، وأصدرت أجهزتها تقارير مضادة تفيد بأن نسبة الفقر هي 32.5 في المئة فقط، ثم زعمت تراجعها إلى 30 في المئة. والنسب ليست بعيدة في حقيقة الأمر عن تلك التي أعلنها البنك الدولي الذي جمع بين فئتين وهما الفقراء والأكثر عرضة للفقر بسبب سياسات النظام.

مظاهر الفقر تتحدث عن نفسها، وانتقال الناس من الطبقة الوسطى المستورة إلى الطبقة الفقيرة أصبح ظاهرة تشهد بها الجمعيات الخيرية المتخصصة في تقديم المساعدات والتي يتحدث مسؤولوها عن استقبالهم لعينات جديدة من المصريين دخلت إلى دائرة الفقر، وهذا أحد الثمرات الواضحة لتلك العشرية السوداء.

هذا التردي المعيشي جعل الانتحار ظاهرة في مصر، لتتصدر به قائمة الدول العربية وفقا لتقارير منظمة الصحة العالمية، حيث جاء العامل الاقتصادي في طليعة الأسباب، ورغم محاولات النظام المصري التهوين من أرقام حالات الانتحار، والتشكيك في مصداقية التقارير الدولية حول هذا الشأن، كما أنها تسجل العديد من الحالات كوفيات طبيعية، إلا أن وسائل الإعلام تنشر كثيرا عن حالات انتحار جديدة، كما تنشر منظمات حقوقية معنية تقارير شهرية بتلك
الحالات.

لم يكن المركب الغارق مؤخرا قبالة السواحل اليونانية مغرقا معه أعدادا كبيرة من المهاجرين المصريين غير الشرعيين هو الأول، ولن يكون الأخير الذي يحمل المزيد من الهاربين من لظى العيش المر في مصر بحثا عن حياة آدمية في مكان آخر. قبل أيام شاهدنا صورا لطوابير متزاحمة من المصريين المبعدين من ليبيا، والذين كانوا في طريقهم أيضا للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وحين نبهنا مبكرا لهذه الظاهرة باعتبارها استحقاقا طبيعيا لسياسات الإفقار والتجويع التي شهدتها مصر عقب الانقلاب كان البعض يتهمنا بالمبالغة، والتفكير الرغائبي، لكن ها هي موجات الهجرة تتواصل أمام أعين الجميع، وأصبح حديث الساعة لدى قطاعات واسعة هو البحث عن طريقة للفرار من مصر.
…………..

الذكرى الرابعة لاستشهاد مرسي

مرت أمس الذكرى الرابعة لاستشهاد الرئيس محمد مرسي أثناء إحدى جلسات ما عُرف بقضية التخابر مع حماس. جاءت الذكرى متواكبة مع الذكرى العاشرة للانقلاب عليه، ومتواكبة مع استعدادات لمسرحية انتخابية جديدة يجدد فيها السيسي لنفسه حكم مصر لست سنوات جديدة دون السماح بمنافسة انتخابية حقيقية، مع الاكتفاء ببعض المرشحين الشكليين.

في ذكرى استشهاد الرئيس محمد مرسي يتذكر المصريون أول رئيس مدني جاء بانتخابات تنافسية حقيقية مع عدد من المرشحين الكبار، وهي الانتخابات النزيهة الوحيدة في تاريخ الجمهورية المصرية، ويقارن المصريون بين تلك الانتخابات التي وقفوا فيها لساعات طويلة ينتظرون دورهم في التصويت، وبين مهازل انتخابات السيسي سواء في 2014 أو 2018 أو 2024، حيث تم حبس المنافسين الحقيقيين، وملاحقتهم وذويهم، وحيث قاطع غالبية المصريين تلك الهزليات ليقينهم بعدم قيمة أصواتهم التي داستها أقدام الجنرالات من قبل.

في الذكرى الرابعة لاستشهاد مرسي يتجدد الأمل.. ويتواصل الصمود والثبات حتى يختار المصريون بملء إرادتهم حاكما مدنيا عادلا.

…………

نقلا عن "عربي 21"