محمد خير موسى يكتب: منهجيّات في التعامل مع جريمة انتهاك المصحف وإحراقه

- ‎فيمقالات

لم يكن عملًا فرديًّا قام به تافهٌ موتور مغمور أرادَ أن يشتهر فحسب، بل كان عملًا منظّمًا ومحبوكًا بعناية فائقة من حيث الزّمان والمكان وآليّة التّنفيذ؛ ففي صباح يوم عيد الأضحى المبارك أحد أهم شعائر المسلمين، وأمام الجامع الكبير في ستوكهولهم؛ نفّذ الموتور السويدي من أصول عراقيّة جريمته بممارسة انتهاكات بحق المصحف الشريف شملت الدوس بالأقدام والرّكل وتغطيته بلحم الخنزير انتهاءً بإحراقه، كلّ ذلك تمّ بتصريحٍ من الحكومة السويديّة ثم بتأمين الحماية الكاملة لتنفيذ الجريمة بقوّات من الشرطة واعتقال كلّ من حاول الاعتراض على الجريمة ثمّ نقل المجرم المباشر إلى مأمنه بسيارات الشرطة.

 

من الذي أحرق المصحف؟

إنّ التعامل المنهجيّ مع جريمة إحراق المصحف يبدأ من تحديد من قام بحرق المصحف فعلًا، وعدم الوقوع في فخّ التركيز على شخص المنفّذ الذي لم يكن سوى أداة طيّعة لتنفيذ الجريمة.

إنّ هذا الموتور أتفه بكثير من أن يكون عنوان عملٍ منهجيّ لردع ومجابهة الجريمة بحقّ المصحف الشريف، والتركيز عليه يضيع كثيرًا من الحقائق التي علينا التعامل معها.
إنّ الذي أحرق المصحف ابتداءً هو الحكومة السويديّة التي تبنّت الفعل المشين بالتصريح به وانتهاء بحمايته وتأمينه، ثم إصدار التصريحات التي تؤكّد فيها أنّ هذه الجريمة تندرج تحت حريّة التعبير عن الرأي، ولم يعد خافيًا أنّ التّغطّي بحريّة الرأي لم يعد يستر عورة الحكومة السويديّة وغيرها من الحكومات الغربيّة التي لا تجد غضاضة في ترسيخ الكراهية وتشريعها غيظًا من الإسلام ورموزه تحت شعارات زائفةٍ من حرية التعبير.
والذي أحرق المصحف ثانيًا هو حزب “ديمقراطيّو السّويد” فهو الحزب الذي ينتمي له الموتور الذي نفّذ الجريمة، وهو حزب يمينيّ يعادي الأجانب، ويستمد أفكاره من النّازيّين الجدد، هذا الحزب الذي استخدم أحد الأجانب أداةً لتنفيذ أحقاده وأضغانه بحقّ الإسلام ورموزه أولًا، وليوصل رسالته إلى المسلمين ثانيًا أنّه لا مكان لكم في هذه البلاد.
والذي أحرق المصحف ثالثًا بعض الأنظمة السياسيّة العربيّة التي ما فتئت تحرّض الحكومات الغربيّة على المسلمين في أوروبّا، تصفهم بالإرهاب، وتصف مساجدهم أنّها بؤرٌ لصناعة الإجرام، وتدعم الإجراءات العنصريّة وإجراءات الكراهيّة بحقّ المسلمين في أوروبّا.
إنّ الحكومة السويديّة وحزب ديمقراطيّو السويد والحكومات العربيّة المحرّضة على المسلمين في أوروبا عمومًا والسويد خصوصًا؛ هي حجارة الأثافي الثلاثة التي يستقرّ عليها قِدر صناعة الإسلاموفوبيا التي تغلي بالحقد والكراهية والعنصريّة وعند فورانها ستحرق الجميع.
إنّ المنهجيّة الأولى في التّعامل مع جريمة إحراق المصحف تتمثّل في تحديد المجرم الحقيقي والفاعل المؤثر والتّعامل معه بما يؤثّر فيه ردعًا وزجرًا، فالحكومة السويديّة يجب أن تعاقب سياسيًّا واقتصاديًّا من خلال الدعوة الصّريحة إلى سحب السفراء ومقاطعة اللّقاءات السياسيّة والدبلوماسيّة، وتفعيل سلاح المقاطعة الاقتصاديّة بطريقة منظمة وفاعلة بعيدة المدى، أمّا محض الشجب والتنديد فلا وزن حقيقيًّا له في ميزان الرّدع، وأما حزب ديمقراطيو السويد فلا بدّ أن تتضافر جهود المسلمين في السويد وتدعمهم جهود المسلمين في العالم لعزله سياسيًّا ومحاربته إعلاميًّا داخل المجتمع السويدي ضمن خطة تقوم على الفعل الطويل لا ردود الفعل قصيرة النَّفَس، وأمّا الأنظمة السياسيّة العربيّة المحرّضة على المسلمين ومساجدهم في أوروبّا فالواجب الأقلّ هو تعريتهم وفضح أفعالهم ومخططاتهم والقيام بحملات علاقات عامّة مضادّة لنشاطهم داخل القارّة الأوروبيّة تدعمها أموال المسلمين الحريصين على كتاب الله تعالى ورموز الإسلام.

 

كيف نعبّرُ عن غضبنا تجاه إحراق المصحف؟

إنّ الغضب ردّ فعلٍ طبيعيّ تجاه انتهاك حرمات الإسلام والمصحف أبرزها، ولا خيرَ في قلبٍ لا يغضبُ ووجه لا يتمعّر عند انتهاك الحرمات وتعمّد إهانة ملياري مسلم، ولكن علينا الحذر الشديد من البقاء في دائرة ردّ الفعل الغاضب الذي سيجعلنا مع مرور الزّمن وتكرر الانتهاكات والإهانات مثل عبوة المياه الغازيّة؛ إذا رجّت المرّة الأولى كان فورانها قويًّا وكلّما تكرّر رجّها خفّ فورانها حتى تصل إلى مرحلة أن تُرجّ ولا فوران لها.
إنّ هذا يوجب على النخب الفكريّة والدعويّة والعلميّة والتربويّة الالتئام في ورشات عملٍ علميّة للبحث في آليّات الخروج من دائرة الانفعال وردّة الفعل إلى دائرة الفعل المؤثّر.
إنّ استمرار المشهد نفسه من أكثر من عشرين عامًا القائم على الفعل الإجرامي منهم وردّة الفعل العابرة منّا يؤكّد أننا بحاجة إلى تدقيق النّظر في الثمرات التي تمّ تحقيقها من موجات الغضب غير المُستَثمَر.
إنّ إدارة الغضب الشّعبيّ الصادق وتحويله إلى طاقةٍ فاعلة ومستمرّة عبر أنشطة عمليّة شعبيّة رادعة للعدوان وبرامج علميّة ودعويّة وتربويّة بنائيّة تحقق مزيدًا من الالتفاف حول رموز الإسلام التي تتعرض للانتهاك في مقدمتها القرآن الكريم ورسول الله صلى الله عليه وسلّم؛ من أوجب الواجبات اليوم لمواجهة هذه الانتهاكات الممنهجة.
إنّ المؤتمرات الصحفيّة والكلمات التحشيديّة والحلقات التلفزيونيّة لمواكبة الجريمة والردّ عليها جهدٌ طيّبٌ ومبرور، ولكن ذلك كلّه لا يخرجنا من دائرة ردود الفعل الآنيّة، واجتماع الفاعلين في المجالات الفكريّة والدعويّة والعلميّة والتربوية في ورشات عملٍ بعيدًا عن عدسات الكاميرات والخروج بخطط منهجيّة يتم التوافق على تنفيذها من المؤسسات الفاعلة في مختلف بلدان العالم الإسلاميّ هو الخطوة المنهجيّة الأولى للتحوّل من رد الفعل إلى الفعل، وإلّا فإننا سنكون في انتظار الإساءة الجديدة لممارسة الأفعال ذاتها التي نفعلها من عشرين عامًا.

……………..

(*) نقلا عن موقع "الجزيرة مباشر"