مصر تجرب السنوات العجاف بعد ضياع حلم “الاكتفاء الذاتي” من القمح

- ‎فيتقارير

كشف مراقبون أن العشر العجاف التي أوصل فيها عبدالفتاح السيسي مصر إلى تلك الحالة المنتردية ، كانت عن عمد، إرضاء للغرب ليس فقط في مصر بل للسودان واللذان بات مطلوب منهما أن يكونا ضحية للجوع.
فمصر بعدما تقدمت بملف الاكتفاء الذاتي في 2013، وعهد الرئيس مرسي ارتدت إلى أكبر مستورد للقمح في العالم، أما السودان الذي تجتمع فيه كل الأسباب التي تجعله سلة خبز العالم العربي تدهور فيه الحال حتى أصبح يستورد القمح بنسبة 50% وأكثر.

 

ويشير مراقبون إلى أنه لم يحدُث أن توسعت مصر في زراعة القمح حتى وصلت إلى ما يعادل من 80% من المطلوب لتحقيق الاكتفاء الذاتي، إلا في العام 2012 مع تولي الرئيس محمد مرسي الحكم، لكن هذا الإنجاز فتح عليه أبواب الجحيم، إذ كان ذلك في فترة التحضير والحشد للانقلاب عليه، وهي الحرب التي استعرت بعد إعلان وزير الزراعة في إبريل 2013، أنه لأول مرة في التاريخ يصل إنتاج مصر من القمح ذلك العام إلى نحو عشرة ملايين طن، وهذا يعني أننا بتنا قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

قمح أمريكي
وفي 13 ديسمبر 2020، أعلنت السفارة الأمريكية في الخرطوم، تسليم الحكومة السودانية أول دفعة من القمح تتبرع بها الولايات المتحدة التي جرت عادتها على هزيمة الدول في هذا الجانب إلى السودان، وقيمتها 20 مليون دولار من القمح التي تعهدت بها الولايات المتحدة، وصلت للسودان لمعالجة النقص الحاصل في السلعة الحيوية، وذلك ضمن مذكرة تفاهم مع حكومة السودان التي كان يرأسها اليساري عبدالله حمدوك مع برنامج المعونة الأمريكية لتوفير شراء 67.500 ألف طن من القمح للسودان، بالقيمة السالفة.
المفارقة أن استهلاك السودان يتجاوز من القمح مليوني طن سنويا، في حين تنتج البلاد ما لا يتجاوز 12 إلى 17% من حجم الاستهلاك المحلي.

وفي العام ذاته اعترف مسؤول بوزارة الزراعة بحكومة الانقلاب في يناير 2020، أنه جرت زارعة ما يتراوح بين 3.1 و3.2 مليون فدان قمح في الموسم الحالي، ما يقل عن المستهدف البالغ 3.5 مليون فدان، وفي العام الذي سبقه زرعت مصر نحو 3.16 مليون فدان في عام 2018-2019، بحسب رئيس قطاع الخدمات بوزارة الزراعة "عباس الشناوي".

إنها الحرب.. إنه القمح!

الكاتب الصحفي وائل قنديل في مقال بعنوان "إنها الحرب .. إنه القمح" نشره العربي الجديد في 28 فبراير 2022 اعتبر أن حلم الوصول للاكتفاء الذاتي من القمح، كان سببا رئيسيا لأن يجن جنون الغرب ويجعلهم يعقدون العزم "على التخلص من محمد مرسي، فتنوعت أساليب الحرب، ما بين حرائق بفعل فاعل في صوامع تخزين محصول القمح، وممارسة إرهاب على المزارعين لمنعهم من توريد المحصول، وحملة إعلامية مجنونة بلغت تهديد نقيب الفلاحين بالانتقام إن هو ظهر في وسائل الإعلام، وتكلم في زيادة محصول القمح".

"قنديل" رأى أن "تأمين الغذاء ذاتيا، وبالأخص تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، هو معركة وجود بالنسبة لأي أمة، وكما قلت أكثر من مرّة هو ليس مجرد إنجاز زراعي أو اقتصادي، وإنما يعني أن أمة قرّرت أن تنبعث من تحت ركام العوذ والحاجة، وأن تمد قدميها وتضرب بهما الأرض فتثمر خيرا، بدلا من أن تمد يديها تسولا واستجداء من هنا وهناك".

حكومات غير مستقلة
واتفق معه الكاتب الصحفي عامر عبد المنعم في مقال له بعنوان "متى نزرع القمح؟" 2022، في "حالة التبعية التي تعيشها الأمة، وحالة الخضوع للدول الاستعمارية، تم منع دول المسلمين من زراعة القمح لتستمر حالة الاحتياج للمحتل أبد الدهر، وبسبب الضعف المتراكم والحكومات غير المستقلة وحالة الاختراق في دوائر السلطة العليا غابت الدعوات الوطنية إلى الاستقلال واختفت خطط زراعة القمح باعتباره محصولا استراتيجيا له الأولوية للحفاظ على أمن الشعوب".

وأضاف أن "أنصار التبعية للأجنبي دوما لنظريات زائفة، لتبرير عدم زراعة القمح، فتارة يقولون إن زراعة محاصيل أخرى أكثر ربحية نشتري من عائدها القمح أوفر لنا من الناحية الاقتصادية، وأحيانا يقولون بوضوح إن أمريكا لا تسمح لنا بزراعة القمح، بل وهناك من كان يقول إننا خارج خط القمح!".
 

واعتبر أن "من الأوهام التي يعتقدها بعض ذوي السلطة والنفوذ أن الدول الغربية لن تتركنا نجوع ولن يتركوا بلادنا تتقسم وتسقط في الفوضى، وهؤلاء لا يعيشون الواقع ولا ينظرون حولهم، فالدول التي ينتظرون منها الدعم مشغولة بنفسها وتحتاج إلى الدعم".
 

كيف تعامل السيسي؟
وفي الموسم الحالي (2023) لم تجمع وزارة التموين بحكومة الانقلاب سوى 3 ملايين طن من القمح تقريبا، في حين كان المستهدف نحو 6 ملايين طن في محاولة لسد العجز بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، ولكن حكومة السيسي فشلت في ذلك، بل ولمزيد من الفشل فخلال (2022) جمعت الحكومة نحو 4 ملايين أيضا من المستهدف السابق، وهو ما يعني أن الخطط الحكومية في اندحار.

ويأتي هذا الانحدار في وقت سحب فيه السيسي أراضي فلاحي أسوان والشركات الخاصة بالمحافظة وأسندها إلى الجيش لبنسب لهم استصلاح الأراضي وزراعتها قمح فتضاربت أرقام جملة ما زرعه بين عناوين تقول إن الجيش استصلح نصف مليون فدان ورزعها قمح وعنوان آخر يقول إنها 160 ألف فدان وعنوان ثالث يشير إلى أنها فقط كانت 30 ألف فدان.

سبق للسيسي في مايو الماضي أن داعب سنبلات القمح في زراعات الجيش بأسوان، وهو المشروع الذي دعا فيه في مايو 2022، المصريين إلى "إدارة ملف تخزين القمح بالشكل الذي كان متبعا خلال أيام النبي "يوسف" عليه السلام، من خلال إبقاء القمح في سنابله".

وجاءت تصريحات "السيسي"، ضمن جهود للدولة للبحث عن حلول زيادة مخزون القمح لفترات أطول، دون تأثر جودتها سلبا، والإبقاء على كميات آمنة لتعزيز الأمن الغذائي في مصر في حين يتجاهل السيسي بخططه العسكرية أن مصر في ظل حكمه أكبر مستهلكي القمح حول العالم، بمتوسط سنوي 23 مليون طن سنويا، منها 9 ملايين طن إنتاج محلي، والبقية يتم استيرادها من الخارج.

غير أن تصريحات السيسي سبق وأن كشف تصريح سابق لوزير التموين بحكومته أنها للسخرية من الفقراء ففي ديسمبر 2019، سخر وزير تموين الانقلاب "علي مصيلحي" من الفقراء ومستحقي الدعم من مواطنيه، وخلال كلمته أثناء وضع حجر الأساس لإنشاء منطقة لوجستية بمحافظة المنوفية (بدلتا مصر)، الإثنين، تهكم الوزير من انتقادات مستحقي الدعم لجودة المواد التموينية التي يتسلمونها، قائلا: "أنت تأخد دعم، وكمان هتتأنعر؟" وأضاف "ننظر للناس بعين الإحسان".

تصريحات السيسي ووزير التموين أعادت للمصريين الذاكرة التي فقدوها بتأثير ضربة انقلاب يونيو 2013، فراحوا يبحثون عن د.باسم عودة والشهيد محمد مرسي وهما يخدمان معا الشعب "إحنا خدامين عندكم".

و"باسم عودة"، المسجون منذ الانقلاب العسكري عام 2013، والذي لقبه المصريون بـ"وزير الغلابة"، وقارن نشطاء التواصل بين "عودة" السجين، الذي كان همه الشاغل دعم الفقراء والمطحونين، وبين "مصيلحي" الذي يتهكم ويسخر من أقل حق للمواطن في بلده.
 

لقطة القمح
وهنا يستدعي وائل قنديل السخرية من "ياسر جلال" ويؤكد  مشهد السيسي وهو يتفقد القمح في توشكي أسوان "عند الفجر والناس نيام، ويعلن حصاد المحصول، هو محاكاة فقيرة وانتحال مضحك لأهم الإنجازات الفعلية، التي تحققت، واقعيا لا تلفزيونيا، في سنة أو أقل هي عمر الرئيس محمد مرسي في الحكم، مع فارق أساس وجوهري، أن السيسي ذهب إلى توشكي ليمثل دور البطل، رجل القمح، بينما كان الرئيس مرسي يقف بين الأبطال الحقيقيين للإنجاز، وهم زراع القمح من الفلاحين البسطاء في دلتا مصر، ويشكرهم على الاقتراب من حدود المعجزة".

ويفند  المشهد في مقال آخر قائلا:"مشهد السيسي في توشكي استخدموا عنصر الصورة، وميكانيزمات البهرجة والإبهار لترويج زفة الجنرال على القمح، فيما كانت الأرقام الفعلية التي يصدقها الواقع هي مفردات وقفة مرسي وسط صناع معجزة القمح في ذلك الوقت، كان سؤال القمح هو ما يشغلني حين شاركت في لقاء مع الرئيس مرسي بقصر القبة ربيع 2013 ضمن مجموعة من السياسيين والكتاب: هل حقا اقتربنا من حدود الاكتفاء الذاتي من القمح، أم أنها محاولة للتحفيز ورفع معنويات الناس؟ وهنالك تطرق الرئيس إلى الموضوع في سياق شرحه معطيات الأوضاع الحالية، مشيرا إلى مجموعة من الأرقام ذات الدلالات الخطيرة في معركة مصر لامتلاك خبزها بعد الثورة، حيث قال: أنتجنا خمسة ملايين ونصف المليون طن قمحا عام 2011، ارتفعت إلى سبعة ملايين ونصف المليون طن في 2012، ثم قفزت إلى ما بين تسعة ونصف إلى عشرة ملايين طن في 2013".