الذكرى العاشرة لمذبحة «الحرس الجمهوري».. كيف سقط كثيرون في اختبار الإنسانية؟

- ‎فيتقارير

كان الرئيس الشهيد محمد مرسي وأنصاره من الشعب يمثلون الحق المجرد في بساطته ونقائه، وكان شانئوه يمثلون الباطل المجرد في عنفه وغطرسته واستكباره في الأرض، لكنهم يملكون كل شيء (القوة ـ المال ـ الإعلام ـ الدعم الدولي والإقليمي). قد نختلف حول أداء الرئيس وهذا حق يحدث في كل بلاد العالم، لكن لا يوجد اثنان مؤمنان بالقيم الديمقراطية والدستورية يوافقان على الإطاحة برئيس منتخب بإرادة الشعب الحرة بانقلاب عسكري.  أن تختلف مع الرئيس وأداء الرئيس وسياسات الرئيس واختيارات الرئيس فهذا اختيار وحق وفق الأسس الدستورية والديمقراطية، أما أن تقبل الإطاحة بالرئيس بأداة غير دستورية وغير ديمقراطية فهذا ليس خيارا بل جريمة، وللأسف سقط فيها كثيرون بعضهم كنا نظنهم أصحاب رأي ومبادئ.

لا بأس؛ فكثير من الناس قد ينخدعون بالمظاهر، والناس تكون مواقفها بناء على المعطيات التي تدخل أدمغتهم؛ وقد كان الإعلام عدائيا وتحريضيا إلى أقصى مدى يمكن تخيله، فاندفع البعض يؤيدون الانقلاب على الرئيس المنتخب ظنا منهم أن الأمور سوف تتحسن. في النهاية أنصار الانقلاب كانوا يرون أن لهم الحق في اتخاذ الموقف السياسي الذي يروق لهم؛ لكن الإطاحة برئيس منتخب بأداة غير دستورية وغير ديمقراطية ليس رأيا بل جريمة.

قد لا يدركون ذلك،  لا بأس هذه يحدث في دنيا الناس، لكن مذبحة الحرس الجمهورية التي وقعت أحداثها الوحشية في 8 يوليو 2013م كانت اختبارا إنسانيا جديدا لهؤلاء؛ نعم قد تنخدع بالانقلاب العسكري وتقبل الإطاحة برئيس منتخب لحساب جنرال طامع في السلطة؛ ولكن هل تقبل بأن يطغى هذه الجنرال إلى حد سفك دماء الأبرياء وهم راكعون ساجدون؟!

كان القبول بهذه الجريمة ومحاولة تبريرها يعني أن أنصار الانقلاب قد فقدوا كل مقومات الإنسانية وتحولوا إلى كائنات مفترسة مصاصة دماء؛ لم يعودوا بشرا ولم يعودوا أصحاب ضمير؛  لا سيما وأن الجريمة جرى توثيقها بالصوت والصورة على عشرات الشاشات والمحطات؛ فهل يمكن تبرير الانحياز إلى البغاة الطغاة إلى هذا الحد من الجنون والغطرسة؟!

كان الحق أبلجا، وكان الباطل لجلجا أي واضحا في بطلانه وفساده لكن الإعلان كان يحاول التغطية على هذه الجرائم وتلك الممارسات الوحشية. على كل حال  قد برهنت هذه الجريمة أن عصابة الجنرالات لم تتورع عن سفك دماء العشرات لم يفعلوا شيئا سوى حقهم في الدفاع عن إرادتهم الحرة ورئيسهم المنتخب الذي كان مخطوفا من جانب عصابة الانقلاب في نادي الحرس الجمهوري. مثلت هذه الجريمة منعطفا مهما في الأحداث واعتبرت برهانا جديدا  ليميز الناس بين الحق والباطل؛ وبالفعل استعاد كثيرون وعيهم وإنسانيتهم معلنين مراجعة مواقفهم  بعدما سقط أكثر من 60 قتيلاً بين صفوف المتظاهرين السلميين، وأكثر من 435 مصاباً آخرين، تحت إشراف اللواء محمد فريد حجازي، الذي خان الرئيس مرسي أثناء توليه منصب رئيس الحرس الجمهوري، وكافأه السيسي لاحقا على دوره في الانقلاب، حيث تمت ترقيته إلى رتبة الفريق في يناير 2017م، ثم إلى رتبة الفريق أول في 28 يوليو 2018م بعدما تمت ترقيته إلى وزير للدفاع في 14 يونيو 2018م.

في يوم المذبحة، أعلن رئيس الوزراء في عهد مرسي، هشام قنديل، استقالته فور وقوع الأحداث، بعدما أعدها منذ بيان الانقلاب للقيادة العامة للجيش، مشيراً إلى أنه استمر في منصبه "إعمالاً لمصلحة البلاد والعباد، غير أنه بات ذلك مستحيلاً عملياً بعد الدماء التي سالت"، كما جاء في نصّ استقالته.

كانت الحرس الجمهوري بداية لسلسلة من المذابح الوحشية، إذ أعقبها أحداث "المنصة" التي قتل فيها قرابة الـ200 من المحتجين، ثم فضّ اعتصامي "رابعة العدوية" و"نهضة مصر"، اللذين راح ضحيتهما أكثر من ألف و500 من مؤيدي مرسي، وأعقبها استقالة محمد البرادعي من منصبه كنائب للمؤقت عدلي منصور ومغادرته إلى الخارج، وسط إدانة دولية واسعة لجرائم قوات الانقلاب.

 

استشهاد مصور الحرية والعدالة

ولا ننسى في هذا اليوم المشئوم كيف قتلت مليشيات الانقلاب المصور الصحفي بجريدة الحرية والعدالة أحمد عاصم، والذي وثق مقتله بعدسته، والتقط صورة قاتله كآخر ما قام به في حياته.  ورصدت كبريات الصحف العالمية برصد اللحظات الأخيرة لعاصم، الذي وثق عملية قنص المعتصمين من قبل قوات الجيش. وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي الفيديو الأخير له، وهو يصور أحد القناصة بلباس عسكري، ويعتلي أحد مباني الحرس الجمهوري، موجهاً بندقيته إلى عدد من الجهات المختلفة، وما أن رأى عدسة كاميرا المصور الراحل، حتى أنهى حياته برصاصة غادرة في صدره.

المسافة التي قطعها المحتجون من ميدان "رابعة العدوية" إلى مقرّ الحرس الجمهوري لم تتعد دقائق معدودة لقرب المسافة في ما بينهما، وما أن تجمعوا لأداء صلاة الفجر، حتى باغتتهم قوات الجيش بإطلاق الرصاص الحي صوبهم، لتنفجر الرؤوس، وتختلط الدموع بالدماء.

من الذين راجعوا بعض مواقفهم رئيس حزب مصر القوية عبدالمنعم أبو الفتوح المعتقل حاليا في سجون العسكر، والذي طالب المؤقت عدلي منصور بالاستقالة رغم أنه يعلم أن منصور لا يد له في الأمر فالبلطجي الأكبر كان في وزارة الدفاع لا قصر الاتحادية، كان أعلن حزب النور السلفي تعليق مشاركته في خارطة الطريق واتضح لاحقا أن ذلك كان للاستهلاك الإعلامي. وفي التاسع والعشرين من يوليو 2013، اعتقل رئيس "حزب الوسط"، أبو العلا ماضي، ونائبه عصام سلطان، ووجهت إليهما تهم التحريض على العنف وتمويله، في أحداث الحرس الجمهوري، من دون دلائل. كذلك تقرر التحقيق مع القيادي في جماعة "الإخوان"، محمد البلتاجي، بزعم اتهامه بالتحريض على القتل في الأحداث، في الوقت الذي لم يصب فيه أي من عناصر الجيش.  وألقى حزب "الوسط" مسؤولية سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا والمصابين على من يدير البلاد في هذه المرحلة، متهماً سلطة الانقلاب بمحاولة إجبار الشعب على اتباع وجهة نظر واحدة، وإقصاء باقي الأطراف، بعدما دعا إلى استقالة "أولئك الذين عينوا أنفسهم في السلطة"، وانسحاب الجيش نهائياً من المشهد السياسي. ودعت "حركة شباب السادس من إبريل" الرئيس المؤقت إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة، مطالبة القوات المسلحة بضبط النفس، وعدم فضّ اعتصامات المحتجين من خلال القوة المفرطة. فيما شددت حركة "الاشتراكيون الثوريون" على تورط القوات المسلحة في "مجزرة دموية"، و"القمع الوحشي" للمحتجين السلميين، بهدف ترسيخ القبضة العسكرية على حكم البلاد.

ورغم مطالبات المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية بإجراء تحقيق محايد في الأحداث، إلا أن سلطة الانقلاب اكتفت بتشكيل لجنة شكلية، لم تحقق مع عسكري واحد من المتورطين في المجزرة حتى اليوم ولا يزالون طلقاء بينما الضحايا إما في القبور أو المعتقلات أو هاجروا بدينهم وحريتهم إلى وطن جديد ينعمون فيه بالأمن والأمان المفقود تحت حكم أحفاد فرعون.