مع وقف التعيينات من جانب حكومة الانقلاب منذ نحو 10 سنوات وانهيار القطاع الخاص وإغلاق الكثير من الشركات والمصانع وتسريح العمالة، بسبب الأوضاع الاقتصادية المأساوية التي تشهدها مصر في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي، ومع تخرج مئات الآلاف سنويا في الجامعات بجانب مئات الآلاف من الدبلومات الفنية، يضاف كل هؤلاء إلى قائمة البطالة والذين يبحثون عن فرصة عمل دون جدوى رغم الأحلام التي تراودهم بتأسيس أسرة بما تتطلبه من نفقات زواج ومسئولية أطفال، لكن الواقع المرير يدفع بالغالبية العظمى منهم إلى الهجرة غير الشرعية أو الجلوس على المقاهي.
يضاف إلى هذه الكوارث أنه مع تزايد أعداد الباحثين عن فرصة عمل، ظهر الكثير من الأشخاص عديمي الضمير للمتاجرة بأحلام الشباب، والنصب عليهم بوظائف وهمية مقابل أموال باهظة.
وتنتشر الإعلانات المزيفة والحسابات الوهمية لشركات التوظيف على مواقع التواصل بزعم مساعدة الراغبين في الحصول على عمل، وعادة ما تحمل هذه الإعلانات وظائف متميزة ورواتب خيالية في كل المجالات من أجل الإيقاع بأكبر عدد من الضحايا.
صندوق النقد
من جانبه أكد صندوق النقد الدولي، أن مصر في زمن الانقلاب تحتاج سنويا إلى توفير فرص عمل تتراوح بين 700 ألف إلى 800 ألف، وتصل إلى مليون فرصة عمل سنويا بسبب البطالة، موضحا أن القطاع الحكومي لن يستوعب هذا الكم من التشغيل سنويا.
وقال الصندوق في بيان له: "ليس أمام مصر فرصة لتشغيل هذا العدد الكبير سوى عن طريق القطاع الخاص وفتح أسواق جديدة وتوفير أنواع مختلفة من التمويل عبر القطاع الخاص حتى يقوم بدور أساسي في التنمية".
القطاع الخاص
وقال الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور ياسر حسين سالم: إن "توظيف العدد الكبير من خريجي الجامعات والمعاهد سنويا يتطلب إطلاق يد القطاع الخاص ودفعه ليقوم بالدور الرئيسي في عملية التنمية مع تحفيز وتشجيع ودعم المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، لتكون بوابة التشغيل والتوظيف لذلك الكم الكبير من الخريجين سنويا".
وطالب سالم في تصريحات صحفية بضرورة توفيرمناخ محفز لدخول الاستثمارات، مع سن تشريعات تحفظ الحقوق وقواعد المنافسة بحياد تام وبلا تدخلات وبدون سيطرة مؤسسات ولا محاباة ولا تخبط في القرارات أو تناقض في المواقف.
وأوضح أن الاستقرار التشريعي والسياسي والشفافية وإتاحة الفرص بعدالة هي الحل، مشددا على أنه لابد من رسائل يومية لطمأنة المستثمرين القادمين من الخارج.
وأكد سالم أنه إذا تم تمكين وتشجيع مستثمري الداخل وفتح المجال للقطاع الخاص دون أي قيود، حينها ستتدفق مليارات الدولارات من الخارج لاغتنام الفرص الاستثمارية المتاحة، وتتحسن على أثرها أحوال مصر والمصريين للأفضل.
وكشف أن من القرارات العاجلة التي نحتاجها لدفع القطاع الخاص إلى الأمام من أجل توظيف وتشغيل الخريجين والحد باستمرار من البطالة إصدار قرارات دافعة لتشجيع المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، منها تيسير إصدار التراخيص ورسوم مخفضة لها ومنح قروض بفوائد 7% وببطاقة الرقم القومي لصاحب المشروع أو مديره المسئول .
وأشار سالم إلى ضرورة وضع المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في الحسبان عند إنشاء التجمعات أو المدن الصناعية أو التجمعات التجارية أو المعارض المحلية والإقليمية والدولية، مؤكدا أن هذه المشروعات هي الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية لأنها تمثل 95%من المشروعات في مصر.
وطالب حكومة الانقلاب بأن تستفيد من التجارب الدولية في المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في التشغيل والتوظيف، مثل التجربة اليابانية والكورية الجنوبية والصينية والهندية والإندونسية، وغيرها من التجارب الناجحة.
سوق العمل
وقال الخبير التربوي الدكتور تامر شوقي: إن "مئات الآلاف من الشباب يتخرجون سنويا من الجامعات، ولا يجدون فرص عمل حقيقية ذات دخل مناسب، مؤكدا أن هذه الظاهرة تتزايد سنويا في ضوء عدد من العوامل منها، عدم وجود إحصائيات دقيقة تحدد بالأرقام احتياجات سوق العمل من التخصصات المختلفة، مما أدى إلى تكدس أعداد الخريجين في بعض التخصصات، وندرتها في تخصصات أخرى، فضلا عن غلبة الجانب النظري في أعداد الخريجين وافتقارهم للمهارات العملية التي يحتاجها سوق العمل، وكذلك التطورات المتسارعة في الوظائف في سوق العمل.
وأكد شوقي في تصريحات صحفية أن هناك ضعفا في مستوى الخريجين وافتقارهم إلى المهارات الضرورية لسوق العمل، إضافة إلى توجه حكومة الانقلاب إلى إلغاء التكليف من خريجي بعض الكليات مثل كليات التربية.
وأشار إلى أن الاستعانة بالتكنولوجيا في الوظائف الحديثة أدت إلى التخلي عن العنصر البشري في الكثير من الوظائف، وغيرها من الأسباب التي أدت إلى أن يصبح الكثير من الشباب بلا عمل، وزادت الضغوط الحياتية عليهم، وعجز الكثير منهم عن تدبير نفقات الزواج بل وتكاليف الحياة اليومية، خاصة مع ارتفاع معدلات التضخم، وأدى ذلك إلى ظواهر أخرى مثل ارتفاع معدلات النصب، والجريمة بمختلف أشكالها.
وطالب شوقي بمواجهة ظاهرة تخرج آلاف الشباب بلا عمل من خلال وضع استراتيجية موحدة للتعليم تحدد في ضوء البيانات والإحصائيات الدقيقة احتياجات سوق العمل من التخصصات المختلفة، وهو ما يمكن الوصول إليه من خلال إنشاء مجلس وطني للتعليم والتدريب، والتوسع في إنشاء الكليات والتخصصات الجديدة التي يحتاج إليها سوق العمل.
وشدد على ضرورة التوسع في التعليم الفني، سواء الثانوي أو الجامعي، والذي يتضمن تخصصات مطلوبة في سوق العمل، وتقليل أعداد المقبولين بالتخصصات والكليات ذات الطبيعة النظرية التي لا يحتاج إليها سوق العمل.
ودعا شوقي إلى إكساب الخريجين مهارات جديدة يحتاجها سوق العمل، مشيرا إلى ضرورة التوسع في إقراض الشباب لإنشاء مشروعات صغيرة بشروط ميسرة، مع تحفيز خريجي بعض الكليات والمعاهد لتعلم أي حرفة قد تزيد من دخولهم، وخاصة مع تناقص أعداد أصحاب الحرف، وارتفاع مستوى أجورهم.
وشدد على ضرورة إلزام حكومة الانقلاب وأصحاب الأعمال الخاصة، من خلال إصدار تشريعات مناسبة بتوفير الأمن المادي والوظيفي لكافة العاملين في المؤسسات الخاصة.
وظائف وهمية
وقال الدكتور عصام الطباخ، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي أن الوظائف الوهمية تعتبر أزمة حقيقية، يجب التصدي لها، لكونها تتلاعب بأحلام الشباب، وتحصل منهم على أموال ضخمة مقابل وعد بوظيفة وهمية ليس لها وجود حقيقي، مؤكدا أن كل ذلك يحدث نتيجة غياب الوعي.
وأضاف الطباخ في تصريحات صحفية، الإعلانات التي يتم بثها عبر بعض القنوات، عن توظيف شباب أمن وحراسة برواتب عالية، تمثل قمة الاستفزاز متسائلا، أين دور وزارة عمل الانقلاب ومكاتب العمل، للتصدي لمثل هذه الإعلانات التي تستهدف جمع الأموال عن طريق المكالمات التليفونية والرسائل التي تتكلف الواحدة منها خمسة جنيهات؟ .