بنبرة ساذجة وتطبيل فاضح لإجرام سلطات الانقلاب، قالت السفيرة مشيرة خطاب، رئيسة المجلس القومي لحقوق الإنسان: إن “مصر في مرحلة الرضاعة وتغيير “بابمبرز” حقوق الإنسان، وإنها متحيزة لرئيس النظام عبدالفتاح السيسي بسبب دوره في دعم حقوق الإنسان وحقوق المرأة المصرية، خاصة أن المرأة نجحت في إنقاذ مصر من الدولة الفاشية”.
وتابعت «خطاب» خلال حوارها مع الإعلامي نشأت الديهي، ببرنامج «بالورقة والقلم»، المذاع على فضائية «ten»، مساء الأحد، «إحنا لسه في سنة أولى حقوق إنسان، في نجاحات كبيرة تحققت في مصر، حيث يتمتع المصريون بقدر أكبر من الحقوق عن السابق”.
غباء في التطبيل.
أكاذيب “مشيرة” تقابلها حقائق مأساوية، منها رواية أحمد عبد النبي – 61 عاما- صاحب محل طباعة من الإسكندرية، في كل مرة كان يمثل فيها أمام النائب العام التابع لحكومة الانقلاب خلال فترة احتجازه التي وصلت إلى 21 شهرا، كان يحكي قصصا مزعجة أكثر.
في أول 3 أسابيع من اعتقاله، احتُجز في زنزانة ضيقة قذرة بلا ضوء، وفقا لما قاله لمحاميته وأسرته، ولم يكن يغادرها إلا للتحقيقات التي تعرض فيها للتعذيب بالصعق الكهربائي والضرب والتهديد باغتصاب زوجته.
ربما تعلم أو لا تعلم السيدة “مشيرة” طبالة العسكر، أن عبد النبي حُرم من أي دواء للسكري وأمراض القلب وارتفاع الكوليسترول وضغط الدم رغم طلبها مرارا وتكرارا، ما تسبب في تعرضه لإغماءات متكررة، ولمدة 40 يوما، لم يحصل هو ورفيقه في الزنزانة على أي طعام، وكانا يعيشان على فتات الخبز من السجناء في الزنزانة المجاورة عبر ثقب ما.
تقول محاميته شروق سلّام: “كان يقول، إنني أموت بالبطيء هنا، سوف أموت هنا ولن أنجو حتى المرة القادمة، إنني أتعرض للتعذيب ومحروم من الدواء والطعام، لقد قال هذه الكلمات مليون مرة”.
اعتُقل عبد النبي في حملة الحكومة التي امتدت لسنوات لقمع معارضيها، ويعد عبد النبي واحدا من آلاف المعتقلين السياسيين الذين احتُجزوا لأسابيع أو شهور أو سنوات بتهم بسيطة، مثل كتابة منشورات معارضة للحكومة على فيسبوك.
تعرض بعض المعتقلين للاحتجاز فترات طويلة في زنازين دون سرير للنوم أو نوافذ أو مراحيض، وحُرموا من الملابس الثقيلة في الشتاء والهواء النقي في الصيف والعلاج مهما كانت حالتهم الصحية، وذلك وفقا لما قاله معتقلون سابقون وأسرهم ومحاموهم والجماعات الحقوقية، أما التعذيب فهو أمر شائع والزيارات تُمنع بشكل روتيني، والبعض لن يغادر السجن مطلقا.
كشف محام وناشط حقوقي مصري تجربته المريرة في الاعتقال وما تعرض له من تعذيب وحشي على يد الشرطة ورجال الأمن المصري، وذلك في تقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية.
وبدأ كابوس طارق حسين، الشهير بـ”تيتو”، هو محام حقوقي يبلغ من العمر 24 عاما في الساعات المبكرة من يوم 17 يونيو 2017، عندما كسرَ طرقٌ مفاجئ على الباب الصمت في منزل عائلته بقرية كفر حمزة شمال القاهرة، أجابت والدته لتجد أكثر من 50 ضابطا ورجل أمن مدججين بالسلاح ينتظرون بالخارج.
وبحسب صحيفة الجارديان البريطانية، يروي الناشط المؤيد للديمقراطية والذي اشتهر بعد أن سُجِنَ أخوه المراهق دون تهمة لأكثر من عامين لارتدائه تيشيرتا كُتِبَ عليه “وطن بلا تعذيب”، قائلا إنه “طلب من الضابط رؤية أمر الاعتقال الصادر بحقه، ولكن الضابط أجابه بالقول، أنت تعلم أن الأمور لم تعد تسير بهذا الشكل حاليا”.
بعدها، اختفى المحامي طارق حسين في متاهة كابوسية من البيروقراطية القانونية والعنف الممنهج لـ42 يوما، ونُقِل في ذلك الوقت بين العشرات من أقسام الشرطة، والزنازين، والمحاكم في شمال مصر، وفي معظم الأحيان لم تكن أسرته تعلم بمكان تواجده.
وقال حسين: إن “كنتَ تحلُم بتغيير مصر إلى الأفضل، وبالعيش في بلد يسوده القانون ويُمنَع فيه العنف غير القانوني من قبل الدولة، فهناك ثمن لتحقيق ذلك، هذا النظام يعتقد أن الكفاح من أجل حقوقك هو جريمة، لكن الجريمة الحقيقية هي ما يجري داخل سجون مصر”.
وأعلنت سلطات الانقلاب خلال الأشهر الستة الماضية عن سلسلة من الإصلاحات تهدف إلى تحسين سجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان، لكن لا يعدو الأمر في الواقع إلا خدعة موجهة إلى المجتمع الدولي قصد تخفيف الضغط على النظام.
واحة للتعذيب
في 25 أكتوبر 2021، أعلن الجنرال السيسي في سلسلة من المنشورات الطنانة على وسائل التواصل الاجتماعي بأنه، ولأول مرة منذ أربع سنوات، لن يمدد حالة الطوارئ في البلاد، مدعيا أن مصر أصبحت واحة للأمن والاستقرار في المنطقة.
ولطالما كان إنهاء حالة الطوارئ التي تمنح للجهاز التنفيذي والمصالح الأمنية سلطات معتبرة، مع تقليص الرقابة القضائية، مطلبا ملحا للمجتمع المدني المصري، لكن سرعان ما تبيّن أن هذا التغيير مجرد تزيين للواجهة.
في بيان صدر بعد يوم من هذا الإعلان، أشارت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي إحدى أهم جماعات الدفاع عن حقوق الإنسان في البلاد، إلى أن سلطات الانقلاب تبنّت خلال السنوات الأخيرة “ترسانة تشريعية قمعية” مثل القوانين المتشددة التي تؤطّر المظاهرات ومكافحة الإرهاب، وأدمجت هكذا القوانين المتعلقة بالنظام الاستثنائي في القانون الجنائي العادي.
استمرت هذه الممارسة بعد 25 أكتوبر، حيث سارعت السلطتان التنفيذية والتشريعية إلى إجراء عدد من التعديلات القانونية التي تهدف دائما إلى تمديد حالة الطوارئ بوسائل أكثر استدامة.
ويتعلق الأمر أساسا بتوسيع سلطات الرئيس، وتشديد أحكام السجن والغرامات بموجب قانون مكافحة الإرهاب، وتم تعزيز توسيع اختصاص المدعين العامين والمحاكم العسكرية على المدنيين، وكذا القيود المفروضة على نشر المعلومات حول القوات المسلحة.
ويشير عمرو مجدي، وهو باحث مختص في شمال إفريقيا والشرق الأوسط لدى منظمة هيومن رايتس ووتش، إلى أنه “تم إضفاء طابع مؤسساتي على القمع في عهد السيسي منذ عام 2013. وقد أدخلت قيود في العديد من القوانين، وبالتالي لم تعد الحكومة بحاجة إلى قانون طوارئ”.
وكانت المنظمات الحقوقية قد نشرت تقارير في سبتمبر الماضي، توثق الانتهاكات المستمرة للحقوق الأساسية في مصر، بما في ذلك انتهاك الحق في الحياة، والحق في عدم التعرض للتعذيب، وحرية الفكر والتعبير والتجمع، وحرية تكوين الجمعيات.
وقال باحث الشؤون المصرية بمنظمة العفو الدولية، حسين بيومي: إن “السلطات المصرية عازمة على سحق أي شكل من أشكال المعارضة أو النقد، مع التجاهل المطلق لالتزاماتها بموجب الدستور المصري والقانون الدولي، يتطلب إنهاء أزمة حقوق الإنسان في البلاد وجود الإرادة السياسية لإنهاء حملة القمع الشرسة، وبذل جهود منسقة من قبل المجتمع الدولي لإنشاء مسارات لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات من خلال إنشاء آلية للرصد والإبلاغ تابعة للأمم المتحدة”.