كيف أصبح الإيجار السكني أزمة للمصريين تحت حكم الجنرالات؟

- ‎فيتقارير

مع تآكل قيمة الجنيه أمام الدولار وباقي العملات الأجنبية، والغلاء الفاحش الذي طال كل شيء في مصر، تضاعفت القيمة الإيجارية للوحدات السكنية على نحو يفوق قدرات معظم المصريين؛ يقول (محمد. ع) للحرية والعدالة، وهو من سكان أحمد الشوارع المتفرعة من شارع فيصل بالجيزة: «في 2016 استأجرت شقة (3 غرف وصالة ومطبخ و2 حمام)، بنحو (ألف جنيه) تشمل خدمة الأسانسير، بينما كان مرتبي نحو (7500ج)، وفي أعقاب التعويم الأول في نوفمبر 2016م وتآكل قيمة العملة إلى النصف بغلاء كل السلع والخدمات زادت أيضا قيمة الإيجار لتصل إلى (1500ج)، بينما لم يزد مرتبي سوى 15% فقط». ويضيف المواطن المسكين: «في 2022، جرى التعويم الثاني والثالث والرابع على التوالي؛ وتراجعت قيمة العملة من جديد إلى النصف؛ وتآكلت مرتباتنا ومستوانا المعيشى معها، فرفع المالك قيمة الإيجار إلى (3500ج)، بينما مرتبي لا يزيد عن (10 آلاف جنيه)؛ كنت أنفق 15%  من دخلي على السكن قبل 2016، اليوم أنفق 35% من دخلي على السكن!

نفس الأمر يتكرر في كل شيء السلع الغذائية والملابس وتعريفة ركوب المواصلات والدروس الخصوصية والخدمات كافة. ويتابع المواطن في أسى والدموع تملأ عينيه: «لم أعد قادرا على تحمل كل هذا الغلاء، كنت مستورا قبل عدة سنوات، كنت أنفق شيئا من دخلي على الفقراء والمحتاجين، واليوم بت فقيرا قد لا أجد طعاما لأولادي في بعض الأيام؛ فهل أمد يدي لأتسول وأنا في هذا العمر؟!

ويؤكد خبراء ووسطاء عقاريون أن ارتفاع قيمة الدولار الأميركي في مقابل الجنيه المصري(الدولار = 31 ج)، وزيادة معدلات التضخم؛ إضافة إلى تراجع حركة البناء نتيجة شروط البناء الجديدة، ولجوء مئات الآلاف من السودانيين إلى مصر بسبب الحرب من بين الأسباب التي فاقمت الأزمة، ودفعت أصحاب الوحدات السكنية إلى المبالغة في تقدير قيمة الإيجار، مع ارتفاع أسعار العقارات بشكل عام؛ وارتفاع معدلات الطلب في ظل ثبات المعروض.

يقف المحاسب الأربعيني أسامة عمر، في أحد شوارع الإسكندرية، ينظر بحسرة إلى البيوت المحيطة، فعلى الرغم من وجود ملايين الشقق في ثاني أكبر مدن مصر، إلا أنه لا يجد شقة صغيرة يجمع فيها شتات أسرته منذ قرر صاحب العقار الذي كان يقطن فيه عدم تجديد عقد الإيجار إلا بضعف القيمة التي كان يدفعها في السابق، بينما هو لا يستطيع فعل ذلك لأن قيمة الإيجار الجديد تقارب إجمالي راتبه الشهري.

يقول عمر ـ حسب تقرير لصحيفة “العربي الجديد”  اللندنية ـ  إنه بعد عدة جولات ميدانية، والتواصل مع عشرات الوسطاء، اكتشف أن إيجارات جميع الشقق السكنية تضاعفت، الأمر الذي دفعه إلى البحث في مناطق بعيدة عن مركز المدينة، أو عشوائية. لم تفلح محاولاته إلا مع تقليص عدد الغرف، ليعثر على شقة يمكنه دفع إيجارها، لكنها في مكان بعيد عن مقر عمله وعن مدارس أبنائه.

وتطالب المصرية سميرة عبيد، وهي ربة منزل خمسينية، بضرورة تدخل الحكومة للسيطرة على ارتفاع الأرقام، والحدّ من التسعير العشوائي للإيجارات الذي لا يتناسب مع مستوى أجور ومعاشات التقاعد التي تحصل عليها الغالبية العظمي من المصريين. وتشير إلى وجود صعوبات عدة يواجهها المستأجر حالياً، من بينها الاشتراطات الجديدة التي وصفتها بأنها “ظالمة”، والتي بات يطلبها أصحاب العقارات قبل الموافقة على التأجير، إلى جانب الإيجار يطلبون دفع مبلغ تأمين بقيمة تصل إلى أكثر من شهري إيجار، بخلاف الاستعلام عن راتب ووظيفة المستأجر.

 

ضريبة تصاعدية

حكومة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي غالبا ما تقف عاجزة وحين تتدخل فإنها تفاقم الأزمة ولا تضع لها حلولا؛ وأكبر دليل على ذلك أن الحكومة قررت في منتصف يوليو 2023م فرض ضريبة تصاعدية على الوحدات السكنية المؤجرة؛ الأمر الذي يعني أن قيمة الإيجار الحالية التي يشكو منها معظم المصريين سوف  ترتفع مجددا وسوف يتحمل البسطاء قيمة كل هذه الضرائب؛ فالملاك حتما سيرفعون الإيجار بأعلى من قيمة الضريبة التي يدفعونها.

وأصدرت مصلحة الضرائب المصرية بياناً، الخميس 13 يوليو، تطالب فيه ملاك الوحدات السكنية بإخطار المصلحة عند تأجيرها للغير، بدعوى أن القيمة الإيجارية لها خاضعة للضريبة على إيرادات الثروة العقارية، بموجب قانون الإجراءات الضريبية الموحد رقم 206 لسنة 2020، الذي يلزم كل مالك أو منتفع بعقار بأن يخطر مأمورية الضرائب المختصة خلال ثلاثين يوماً من تاريخ التأجير. وحذّر رئيس مصلحة الضرائب، فايز الضباعني، الأشخاص الطبيعيين من إمكانية تعرضهم للمساءلة القانونية، بسبب عدم فتح ملف ضريبي عن الإيرادات الناتجة من تأجير وحداتهم وعقاراتهم السكنية، والإقرار عنها في إقرار ضريبة الدخل السنوية، باعتبار ذلك صورة من صور التهرب الضريبي. وأضاف أن عدم فتح ملف ضريبي عن الإيرادات الناتجة من تأجير الوحدات والعقارات السكنية، والإقرار عنها في إقرار ضريبة الدخل السنوية، يمثل مخالفة لأحكام قانون الإجراءات الضريبية الموحد، مستطرداً بأن قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 أورد حساب الضريبة على إيرادات الثروة العقارية، وذلك باحتساب نسبة 50% من الإيرادات مقابل التكاليف والمصروفات، وفرض سعر ضريبة تصاعدي من 2.5% حتى 27.5%، وفقاً لمستوى شرائح صافي الربح.

وتشير أرقام الموازنة الجارية (2023-2024) إلى استهداف الحكومة زيادة الإيرادات الضريبية بنسبة 27%، من تريليون و204 مليارات جنيه في عام 2022-2023 إلى تريليون و530 مليار جنيه (نحو 49 مليار دولار)، علماً بأن الحصيلة الضريبية مثلت نحو 80% من الإيرادات العامة للدولة في الموازنة المنقضية.

ويتحمل الفقراء ومتوسطو الدخل في مصر ستة أنواع من الضرائب المباشرة وغير المباشرة، أبرزها الضريبة على القيمة المضافة المفروضة على جميع السلع والخدمات بسعر 14%، وضريبة الدخل التي تتدرج من 2.5% إلى 27.5%، وضريبة كسب العمل المطبقة على أصحاب المهن الحرة من الأطباء والمهندسين وغيرهم، علاوة على الضرائب الجمركية المقررة على سلع أغلبها غذائية وإنتاجية. في المقابل، تخضع الشخصيات الاعتبارية والشركات لنوع واحد من الضرائب على الأرباح الرأسمالية بنسبة 22.5% من صافي أرباح الشركات، وهي المطبقة على المحلات التجارية والورش الصناعية والشركات الصغيرة والمتوسطة والفردية، والمستوردين والحرفيين.