تلوث مياه النيل ونفوق الأسماك وفقدان الصيادين مصدر رزقهم ولجوئهم إلى التسول من أجل لقمة العيش، هذه أهم إنجازات جمهورية السيسي الجديدة.
ومع تجاهل حكومة الانقلاب لهذه الأزمة أصبحت قوارب الصيادين راكدة خاوية على عروشها، حالها يشبه السوق التي كسدت بضائعها، والصيادون يبدو البؤس على وجوههم، بعد أن ماتت الأسماك ولم يعد أمامهم عمل لكسب لقمة العيش وتلبية احتياجات أسرهم.
ومع مرور الأيام دون حل الأزمة وقف الصيادون مكدودين مهمومين ، بسبب ضيق الرزق، وضج البؤس في صدورهم، مرت عليهم أشهر عجاف يمنون فيها أنفسهم بأن يفيض النيل بخيراته إلا أنهم لم يجدوا سوى الأسماك النافقة طافية على سطح النهر خاصة في قرى مركز منشأة القناطر وقرى مركز أشمون بالمنوفية التي تقع على ضفاف النيل بفرع رشيد، بعدما تسممت مياهه بالأمونيا ونفقت أسماكه .
ظاهرة غريبة
من جانبه قال إسلام الشاطر، صياد: “نواجه مشكلة لا نعرف أسبابها حيث فوجئنا بظاهرة غريبة وهي موت السمك بمجرد طفوه على سطح الماء، في بادئ الأمر علقنا المشكلة على حبال التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة، ولكن الموضوع بدأ يزداد سوءا شيئا فشيئا، السمك يخرج حيا لبضع دقائق فقط وسريعا ما يصاب بضمور وتآكل دون سابق إنذار، بدأنا نلمح السمكة رأسا فقط دون جسم، وإن ظهر الجسم اختفى اللحم حتى سمك القراميط التي تعيش في المصارف والمستنقعات، مشاهد غريبة تثير التساؤلات.
وأضاف «الشاطر» في تصريحات صحفية أنا صياد مش دكتور ولا كيميائي عشان أعرف السبب إيه، مطالبا بالكشف عن مأساة نهر النيل بفرع الرهاوي حتى نهاية الفرع على الجانبين مرورا بالمنوفية ودلهمو وأبونشابة.
وأشار إلى أن المثير للغرابة هو صفاء المياه رغم تلوثها، قائلا: “فرع رشيد شريان الحياة بالنسبة لنا، كنا مكفيين مصاريفنا ودلوقتي مش لاقيين شغل ولا عارفين نصرف على عيالنا، بيوتنا مهددة بالفقر”.
وتابع «الشاطر»: إحنا بندفع تأمينات وضرائب وتراخيص ، أنا واحد من ضمن 4 ملايين صياد بداية من المناشي وحتى نهاية فرع رشيد متضررين من نفوق الأسماك بهذا الشكل، مؤكدا أنهم ناشدوا مسئولي الانقلاب وخاطبوا الوحدات المحلية دون جدوى، وقدمنا شكاوى لجهات عدة ولكن ضُرب بها عرض الحائط، لصالح مين الكارثة دي؟ وحالنا ده آخره إيه، فيه منا اللي لقي شغل في الجبل وفيه اللي مش لاقي شغل خالص والأصعب فيه اللي بيتسول قوته وقوت ولاده .
وأكد أنهم قاموا بعمل تحليل عيّنة مياه على نفقتهم الخاصة بالتعاون مع صيادين المنوفية وأبونشاية أثبتت أن المياه لا تصلح للاستخدام الآدمي أو الحيواني محذرا: “محدش يشتري سمكا من الأسواق بزعم أنه بلدي، البلدي هيجي منين؟”.
الأسماك ماتت
وأعرب سامي شحاتة، 60 عاما، عن غضبه وما وصل إليه حاله قائلا: “40 سنة صياد وبعدما تلوثت المياه وماتت الأسماك، مش عارفين نعيش، بيوتنا فاضية ومش عارفين نصرف على عيالنا”.
وقال شحاتة في تصريحات صحفية: “المدارس بدأت ومش عارف أجيب لبس لابني، ومش قادر على علاجه من الطفح الجلدي اللي ظهر في جسمه بسبب تلوث المياه، وأنا كِدت أصاب بالعمى بسببه ومش قادر على علاجي وعلاجه”.
وطالب حكومة الانقلاب بالتحقيق فى الكارثة اللي عايشينها وإلقاء نظرة على تصريف مياه المصانع في فرع رشيد، فتلوث النيل هلاك للبيئة، متسائلا أين وزير ري الانقلاب من هذه الكارثة؟.
الصيادون
واستنكر «نزيه فتحي» ما وصل إليه حال الصيادين بعد كساد عملهم قائلا: “مفيش مسئول فسر لنا سبب موت الأسماك المفاجئ، خاطبنا مسئولي الانقلاب ومفيش رد ولا جديد تم “.
وقال فتحي في تصريحات صحفية، من بعد شهر رمضان الماضي والصيادون حالهم يغم مكدودين مهمومين، مش قادرين يوفروا لولادهم أبسط مطالب الحياة .
وأضاف، أنا واحد من ضمن ملايين في غمضة عين خسرت مصدر رزقي اللي ورثته عن والدي، وضغطت على نفسي في السن ده وطلعت الجبل ولكن ما باليد حيلة، فيه كتير غيري أكبر مني في السن ميقدروش على شغل الجبل، أنا حاولت، هما غصب عنهم مش قادرين وعدوا سن الـ60، وفي مننا اللي بيته مفيهوش حتى العيش الحاف.
خسائر بالملايين
وأكد الحاج فتحي عبدالبصير، شيخ صيادين دلهمو، أن نهر النيل بدءا من الرهاوي حتى نهاية فرع رشيد يمتلئ بالأسماك النافقة، من نوع البلطي واللبيس النيلي والقراميط، خسائر تقدر بملايين الجنيهات، منوها بأن هناك كيماويات ضارة تصرف في مجرى النيل.
وقال عبدالبصير في تصريحات صحفية: “أنا مسئول عن أكثر من 100 صياد، كان كل واحد منهم بيصطاد يوميا من 5 لـ6 كيلو سمك بلطي وكنا بنبيع الكيلو بـ50 جنيها، غير اللبيس والقراميط، لكن حدث شيء غير طبيعى في مياه النيل، أيام المجاري ومصرف الرهاوي كانت القراميط بتعيش، لكن دلوقت السمك بيطلع ميت والمياه نظيفة، والسمك البلطي لحمه بقى ناعم، فيه صيادين طلعوا يشتغلوا فى الجبل وكل واحد معاه أسرة كبيرة وبيطلعوا بـ٨٠ و١٠٠ جنيه في اليوم ومش مكفيينه بطوله، وفيه اللي مبيشتغلش، وفيه صيادين بيشحتوا، نفسنا نعيش وتشتغل، البحر اللي كان خيره بيعم علينا وعلى الكل دلوقت مياهه بقت ممكن تصيب الشخص بالعمى.
الأمونيا
وأكد الدكتور محمود معاطي مدرس الأحياء البحرية بالمعهد القومى لعلوم البحار والمصايد بالغردقة، أن هناك إهدارا للثروة السمكية بسبب ارتفاع الأمونيا بمياه النيل فرع رشيد، مشيرا إلى أن التلوث يأتي من المصارف ومخلفات المصانع، ما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الأمونيا التي تتسبب في موت الأسماك والزريعة الصغيرة وهلاك الثروة السمكية.
وكشف «معاطي» في تصريحات صحفية أن جميع عينات المياه المأخوذة من فرع رشيد أكدت ارتفاع نسبة الأمونيا، وهو ما يمثل خطرا داهما على الثروة السمكية وصحة المواطنين والصيادين، مشيرا إلى أن هذه المشكلة كثيرا ما تتكرر من حين لآخر خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة.
وطالب بالتدخل الفورى لحماية نهر النيل وتعاون جميع الأجهزة المعنية لمنع بيع تلك الأسماك في الأسواق لخطورتها على صحة الإنسان.
تلوث المياه
وقال المهندس منير بشرى، خبير إدارة وتدوير المخلفات البلدية: إن “مشكلة نفوق الأسماك في فرعي دمياط ورشيد أساسها تلوث المياه واحتمالية احتوائها على مواد عضوية ضارة تمتص الأكسجين، مما يتسبب في موت الكائنات الحية، مشددا على ضرورة أن تكون هناك متابعة دورية للمياه وأخذ عينات وتحليلها بصفة مستمرة للتأكد من صلاحيتها للاستخدام الآدمي والكائنات البحرية، وإن ثبت ضرر فلابد من معالجته”.
وأرجع «بشرى» في تصريحات صحفية ظاهرة تآكل أحشاء القراميط إلى احتمالية تواجد ديدان في المياه تهدد حياة الأسماك، ووجود تدخل بشري يتسبب في تدمير الأسماك وإحداث خلل في التوازن البيئي، محذرا من خطورة إلقاء المخلفات في نهر النيل .
وطالب، بضرورة فحص السجل البيئي لأي منشأة تتسبب مخلفاتها في تلوث مياه النيل، موضحا أنه من المفترص أن يتم التفتيش عليها من قِبل الجهاز المركزي للبيئة والتأكد من نوعية المخلفات وتأثيرها على البيئة.