يتوسع الإماراتيون في ابتلاع اقتصاد مصر، متجاوزين جميع الحدود الآمنة لكل دولة، فمن الأراضي إلى الموانئ والأسمدة والأدوية وزراعة القمح والحديد والصلب والفحم والسكر والأغذية والألبان وغيرها.
وفي هذا السياق، استحوذت مجموعة «أغذية» الإماراتية على حصة إضافية قدرها 10% في مجموعة أبو عوف المصرية، لتمتلك بذلك حصة أغلبية في الشركة قدرها 70%.
وكانت نفس الشركة “أغذية” استحوذت في نوفمبر 2021، على حصة 60% من «مجموعة عوف» المتخصصة في صناعة وتوزيع القهوة الفاخرة والمكسرات والمنتجات الخفيفة الأخرى التي تباع تحت العلامة التجارية «أبو عوف».
و«أغذية» الإماراتية هي شركة تابعة لـ«أبوظبي القابضة» (ADQ)، التي استحوذت منذ أيام على حقوق تطوير مشروع رأس الحكمة بمصر مقابل 35 مليار دولار تحصل عليها مصر خلال شهرين إلى جانب 35% من أرباح المشروع، كما سبق واشترت في يناير الماضي، حصة قدرها 40.5% من الشركة العربية للاستثمارات الفندقية والسياحية «آيكون»، ذراع قطاع الضيافة لمجموعة طلعت مصطفى القابضة، لتستحوذ بذلك على حصة في سبعة فنادق تاريخية مصرية عبر طلعت مصطفى.
مصر هبة الإمارات
ومع سنوات السيسي العجاف تحولت الإمارات لنهش اقتصاد مصر وأصولها، وتحولت مصر لتكون الحديقة الخلفية للإمارات، بل هبة الإمارات، التي يقدمها السيسي على طبق من ذهب للإماراتيين.
وتتصدر الإمارات قائمة الدول الأكثر استثمارا في مصر بقيمة 15 مليار دولار حتى عام 2022، وذلك من خلال 1165 شركة إماراتية تعمل في السوق المصري في قطاعات عدة أبرزها الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمعدل ملياري دولار ثم قطاع التمويل باستثمارات قدرها 1.7 مليار دولار، ومن خلفه قطاع الإنشاءات والعقارات باستثمارات 814 مليون دولار، يليه قطاع الاستثمارات الصناعية بإجمالي استثمارات 544 مليون دولار، ثم القطاع الخدمي العام بـ343 مليون دولار، والاستثمارات السياحية بـ260 مليون دولار، فيما يأتي القطاع الزراعي سابعا وأخيرا باستثمارات قدرها 129 مليون دولار.
وباتت أبو ظبي من خلال شركات أبرزها إعمار وتحالف الدار العقارية والقابضة (ADQ) هي ثاني أكبر حكومة تمتلك أراض في محافظة القاهرة (40 ألف فدان) بنسبة تزيد على 6%، فيما تمتلك الحكومة المصرية 16%، وتستحوذ 10 شركات عقارية على 90% من أرباح قطاع العقارات.
وتركز الإمارات في استثماراتها على المناطق اللوجستية ذات القيمة السياحية والتاريخية، ولعل آخر تلك الصفقات ـ قبل رأس الحكمة ـ استحواذ شركة أبو ظبي القابضة (ADQ) على 7 من أعرق وأهم فنادق مصر التاريخية، في القاهرة والإسكندرية والأقصر وأسوان، في 12 يناير الماضي.
ولم يقتصر التغوّل الإماراتي على الأصول المصرية على المباني التاريخية واللوجستية فقط، بل تجاوز ذلك إلى امتلاك الأراضي الزراعية، ويعود هذا الأمر إلى عام 2006 حين سيطرت شركة الظاهرة الزراعية، المملوكة لحمدان بن زايد آل نهيان شقيق رئيس الإمارات محمد بن زايد، على 113 ألف فدان في توشكي وشرق العوينات والصالحية والنوبارية، حيث اشترت الفدان بـ50 جنيها، بينما بلغ متوسط سعره وقتها 11 ألف جنيه، ليصل إجمالي ما تستحوذ عليه تلك الشركة اليوم قرابة 400 ألف فدان زراعي، وإدارة نحو 35 مستودعا في مختلف المواقع، بسعة تخزينية تبلغ نحو 210 آلاف طن متري.
وفي العام التالي مباشرة 2007، استحوذت شركة جنان للاستثمار الإماراتية، على 35 ألف فدان شرق العوينات ونحو 119 ألف فدان بمحافظة المنيا جنوب مصر، فيما تقول تقديرات: إن “حجم ما تملكه من أراضي زراعية في مصر يصل إلى 500 ألف فدان”.
وانعكست سيطرة الإمارات على الأراضي الزراعية المصرية على حجم إنتاج القمح، الذي تراجع بشكل كبير مقارنة باحتياجات الشعب المتزايدة، لتصبح أبو ظبي المتحكم الأبرز في خبز المصريين وسلعتهم الاستراتيجية الأولى، بل وصل الأمر إلى لجوء الحكومة المصرية إلى استيراد القمح المزروع في مصر من الإمارات مالكة تلك الأراضي، حيث وقعت وزارة التموين المصرية في يوليو 2023 اتفاقية مع صندوق أبو ظبي للتنمية للحصول على قرض بقيمة 400 مليون دولار لتمويل مشتريات مصر من الحبوب، تشمل الشريحة الأولى قرضا بقيمة 100 مليون دولار تموّل بموجبها شراء حبوب مصر من شركة الظاهرة الإماراتية.
أما على صعيد القطاع الصحي والتعليمي، فاستحوذت الإمارات على قرابة 30 مدرسة دولية في مصر، بجانب 12 مستشفى، بعضها كيانات لها حضور قوي مثل دار الفؤاد ومستشفى السلام الدولي، فضلا عن الاستحواذ على أكثر من 10% من سوق التحاليل الطبية، بعد امتلاك شركة التشخيص المتكاملة القابضة المالكة لمعملي البرج والمختبر.
تهديد للأمن القومي المصري
ووفق تقديرات استراتيجية، فإن الإسراع الإماراتي في الاستحواذ على الأصول المصرية ذات القيمة والعائد الكبير يرجع وفق وكالة “بلومبيرج” الأمريكية إلى استغلال الدولة النفطية للوضع الاقتصادي المصري الهش، الذي دفعه للجوء إلى أصوله وممتلكاته لسد العجز الذي يعاني منه، حتى لو وصل الأمر إلى تلك الأصول التي قد يمثل التنازل عنها تهديدا للأمن القومي المصري مثل الموانئ ومشاريع منطقة قناة السويس وأخيرا رأس الحكمة في الساحل الشمالي.
ويتخوف الاقتصاديون من طبيعة الاستثمارات الإماراتية في مصر بصفة عامة، كونها لا تراعي البعدين الاجتماعي والاقتصادي للمصريين، فهي تسعى بمنطق براجماتي بحت لتحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية في آن واحد، هذا بخلاف القلق من تفريغ تلك النوعية من الاستثمارات للسوق المصري من روافده الأساسية وتجريد الدولة من أصولها ذات القيمة اللوجستية المحورية، وهو ما يمثل تهديدا لمستقبل البلاد على المحاور كافة.
وفي الأخير فإن أكثر ما يثير القلق لدى الشارع المصري ونخبته الاقتصادية والسياسية أن ابن أبو عوف أو مشروع “رأس الحكمة” لن يكونا الصفقة الوحيدة التي تفرط فيها مصر في إحدى بقاعها اللوجستية، التي كان من الممكن استثمارها بشكل أكثر جدوى ودَرًا للأرباح إذا توافرت السياسات الاقتصادية الملائمة.
إذ أعلن السيسي ورئيس حكومته أن هناك مشروعات كثيرة من تلك الشاكلة سيتم طرحها خلال المرحلة المقبلة، لجمع أكبر قدر ممكن من العملات الأجنبية للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر، وذلك في ترسيخ متعمد لاستراتيجية الدولة الجديدة للخروج من عنق الزجاجة عبر بيع الأصول والممتلكات بعد فشل السياسات الاقتصادية المتبعة طيلة السنوات الماضية، في تجاهل تام لتبعات تلك الاستراتيجية على مستقبل الأجيال القادمة.
ومن تلك المشروعات المنتظرة، التفريط في أرض “رأس جميلة” على البحر الأحمر، على بعد أمتار من مطار شرم الشيخ الدولي، لصالح السعودية، بجانب مشروع بيع أراضي كبيرة بمنطقة الشروق بالقاهرة.